تطور القيادة عبر الزمن

تطور القيادة عبر الزمن

الثلاثاء - 23 محرم 1443 هـ - 31 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15617]

تألم الألمان كثيراً عقب خسارتهم الفادحة في الحرب العالمية. فبدأ علماؤهم يبحثون عن مكامن الخلل في كل شيء. ومما توصلوا إليه ضرورة إعادة النظر في آلية اختيار القيادات. وبعد بحث وتمحيص دخلوا مرحلة جديدة وهي اختيار القياديين على أساس الاختبارات. وتعتبر هذه محاولة رائدة في أدبيات القيادة لاكتشاف ما هي الصفات القيادية المطلوبة.
وبعد ذلك جاء علماء أميركيون في تلك الحقبة فجمعوا شتات تلك الصفات وغيرها من السير الذاتية والتراجم فكونوا ركاماً جديداً من أدبيات القيادة أطلق عليه «نظريات الرجل العظيم». وصارت البشرية أمام جهود علمية غير مسبوقة لفهم القيادة على نحو أعمق. صحيح أن الكتاب الصيني «فن الحرب» الذي نشر في القرن الخامس قبل الميلاد يعد من أوائل النصوص المهمة في الإدارة والقيادة، وصحيح أن الفراعنة كان لديهم مفهوم واضح للقائد والمرؤوسين (التراتبية) المرسومة على جدران أهرامهم، لكن ذلك كله لم يشكل فهماً دقيقاً لنا في كيفية فهم القيادة، ومن هو القائد تحديداً؟ وهل هو من يفوز في المعارك؟ أم ذلك الذي يعرف كيفية التعامل مع أتباعه والمواقف التي تعترضه.
ما حدث في العصر الحديث، هو أن العلماء توصلوا إلى أن القيادة صفات أو سمات traits ومنها اشتقت فكرة نظريات الرجل العظيم. وبعد ردح من الزمن اتضح أن ذلك لم يعد كافياً، فهل يعقل أنني أبحث عن «صفات» فقط. ماذا عن السلوكيات. ولذا اتجهت الحقبة الثانية من الأبحاث العالمية نحو سلوكيات القياديين في مواضع معينة، فتبين أنهم بالفعل يصفون بسلوكيات مختلفة behaviours. ولو تأمل المرء ماذا فعل بعض القياديين لانتشال كبريات الشركات من قيعان الخسائر الفادحة إلى ذروة قوائم أفضل الشركات العالمية أداءً، يدرك أن الموضوع ليس مقصوراً فقط على الصفات. فسلوكيات القياديين تقلب الموازين مثلما قلبت نتائج المعارك الحربية والتجارية رأساً على عقب لصالحهم.
بعد هاتين الحقبتين، «السمات» و«السلوكيات»، جاءت أحدث النظريات التي كشفت خفايا جديدة وهي أن «الموقف» situation وحسن التعامل معه هو ما يظهر قدرات القيادي الحقيقية. فتجد مسؤولاً يتعامل مع موقفين متشابهين مثل أن يتشدد مع قطاع متراخٍ في الحضور والانصراف في حين يغض الطرف عن جهات أخرى ترتكب الخطأ نفسه لأنها متفانية في سائر أعمالها!
من يتعمق في مفاهيم القيادة تزداد حيرته، لكن الثابت الرئيسى هو مدى «فاعلية» القيادي effectiveness في مؤسساته وأتباعه، هنا فقط يمكن أن يشار إليه بالبنان. فكثيرون يحتلون مناصب لكنهم لا يرقون إلى مسمى قيادي حقيقي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو