«نورد ستريم 2» سيلقي بظلاله على العلاقات الأميركية ـ الألمانية لسنوات

«نورد ستريم 2» سيلقي بظلاله على العلاقات الأميركية ـ الألمانية لسنوات

الخميس - 6 ذو الحجة 1442 هـ - 15 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15570]

قبيل شهور من تقاعدها من العمل السياسي، تتوجه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى واشنطن لمقابلة الرئيس جو بايدن. ومن المنتظر أن يجري تنظيم الحدث على نحو يظهر العودة إلى التناغم عبر الأطلسي بعد أربع سنوات من الخصام في ظل سلف بايدن، دونالد ترمب، إلا أنه من أجل الحفاظ على هذا المظهر، سيعمد الأميركيون إلى إخفاء شعورهم بخيبة أمل، في الوقت الذي سيحرص الألمان على إخفاء شعورهم بالقلق.
في الواقع، مثل كل من ميركل وبايدن صورة مناقضة لترمب، وإن كان كل منهما فعل ذلك على نحو مختلف عن الآخر. وينطبق هذا القول على نحو خاص بالنظر إلى أنهما مثلا العمل الدولي متعدد الأطراف والتعاون، بدلاً عن القومية. وعليه، كان يأمل بايدن وفريق العمل المعاون له أن تعرض ميركل أمام العالم دعمها القوي لهم، خصوصاً في مواجهة الخصمين الاستبداديين: الصين وروسيا.
بدلاً من ذلك، تجاهلت ميركل، على نحو غير معلن، بايدن مرتين. جاء التجاهل الأول في ديسمبر (كانون الأول)، عندما وقفت بقوة خلف اتفاق استثماري صيني - أوروبي لينتقل إلى المرحلة التالية ـ وبدلاً من معاونة واشنطن في كبح جماح بكين، ترغب ميركل في أن تبقي أوروبا على خياراتها مفتوحة.
أما التجاهل الثاني والأسوأ فكان عندما رفضت ميركل التحرك نحو المطالب الأميركية الصادرة عن أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري فيما يخص خط أنابيب الغاز الطبيعي المثير للجدل الذي يجري بناؤه من روسيا إلى ألمانيا. يحمل خط الأنابيب الجديد اسم «نورد ستريم 2» وأنجز أكثر من 90 في المائة منه، ومن المقرر أن يضاعف كمية الغاز الطبيعي التي يمكن لروسيا تصديرها مباشرة أسفل بحر البلطيق إلى شمال غربي أوروبا.
وبجانب «ترك ستريم»، خط أنابيب روسي جديد يمر عبر البحر الأسود إلى داخل جنوب شرقي أوروبا، ينجز «نورد ستريم 2» هدفاً استراتيجياً لطالما سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتحقيقه، ذلك أنه في المستقبل بمقدوره تجاوز أوكرانيا ودول شرق أوروبية أخرى وقطع الغاز المتدفق اليوم عبر هذه البلدان. ومن شأن ذلك حرمان هذه الدول من رسوم الترانزيت التي تحتاجها بشدة، ما يتركها معزولة وفي مرمى محاولات الابتزاز الروسية.
الملاحظ أن بوتين، الذي يعتبر نتاجاً لجهاز الاستخبارات في الحقبة السوفياتية، يمارس بالفعل لعبة التهديد مع أوكرانيا، والتي عمد إلى زعزعة استقرارها منذ 2014، عندما ضم القرم إلى روسيا وأشعل حرباً بالوكالة في شرق البلاد. ولدى سؤاله عما إذا كان سيسمح باستمرار تدفق الغاز الطبيعي عبر أوكرانيا، أجاب بوتين: «كل شيء ممكن، لكن من الضروري توافر حسن النية من جانب شركائنا الأوكرانيين». في الواقع، تبدو كلمة «حسن النية» مخيفة للغاية عندما تمر من بين شفتي مثل هذا الرجل. وعلى ما يبدو، فإن التهديد الجيوسياسي الصادر عن «نورد ستريم 2» واضح بما يكفي أمام بولندا والجمهوريات المطلة على بحر البلطيق وفرنسا والاتحاد الأوروبي وحلفاء آخرين ممن يتفقون مع الولايات المتحدة في معارضة خط الأنابيب. ومع ذلك، استمر الألمان في دفن رؤوسهم في الرمال.
وفي محاولة أخيرة لوقف إنجاز المشروع، فرض الكونغرس الأميركي عقوبات ضد السفن التي تشارك في وضع الأنابيب، وفي مايو (أيار) سعى نحو فرض إجراءات أشد صرامة، منها اتخاذ خطوات ضد رئيس شركة «نورد ستريم 2 إيه جي»، وهو ألماني الجنسية. ومع ذلك ألغى بايدن هذه العقوبات، على أمل تجنب تعريض مجمل العلاقات الأميركية - الألمانية للخطر، لكن من المنتظر أن يطالب الكونغرس مجدداً بفرض عقوبات في أغسطس (آب)، وحينها سيتعين على بايدن حسم موقفه. ويثير هذا الأمر قلق الألمان، في وقت يدخلون مرحلة حرجة قبل عقد انتخابات برلمانية في سبتمبر (أيلول). واليوم، حان الدور على ميركل التي ستزور واشنطن لكي تقدم لأميركا بعض الأفكار التي تحل الفوضى الجيوسياسية التي تسببت فيها.
ويتطلب الإنصاف الإشارة إلى أنها توسطت لتمديد ترتيبات تصدير الغاز الطبيعي الراهنة بين روسيا وأوكرانيا حتى 2024، أما مسألة ما إذا كان بوتين، الذي تجاهل القانون الدولي في القرم وغيرها، سيلتزم بهذا الاتفاق، فأمر مختلف تماماً، إلا أن التساؤل الحقيقي اليوم: ما الذي سيحدث بعد 2024؟
من بين الخيارات القائمة أن توضح ألمانيا أنها ستوقف تدفق الغاز الطبيعي القادم عبر «نورد ستريم 2» في أي لحظة يوقف فيها بوتين تدفق الغاز الطبيعي عبر أوكرانيا، إلا أن هذا السيناريو يبدو غير منطقي، لأنه بمقدور بوتين وقف تدفق الغاز الطبيعي عبر أوكرانيا في الشتاء عندما تكون أوروبا الغربية في أمس الحاجة إلى الغاز الطبيعي الروسي. ويتمثل خيار آخر في تعزيز قوة أوكرانيا عبر معاونتها على تنمية مصادر دخل وبنية تحتية جديدة.
ويتمثل خيار آخر أمام ألمانيا في إلقاء كامل ثقلها خلف مشروع يطلق عليه «مبادرة البحار الثلاثة»، والذي يرمي لتحديث وصلات البنية التحتية بين 12 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي بشرق القارة.
الحقيقة أن دفاع ميركل عن «نورد ستريم 2» سيكون بمثابة وصمة في تاريخها وسيترك مشكلة عصيبة أمام من سيخلفها في منصبها، خصوصاً أن هذا المشروع يثير غضب الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين بفضحه نفاق دولة تزعم أنها تعمل لصالح الاتحاد الأوروبي بينما هي في حقيقة الأمر لا تعبأ إلا بمصلحتها فحسب..
* بالاتفاق مع {بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو