بكر عويضة
صحافي فلسطيني بدأ احتراف الصحافة في ليبيا عام 1968 حيث عمل في صحيفة «الحقيقة» في بنغازي، ثم «البلاغ» و«الجهاد» في طرابلس. واكب صدور الصحافة العربية في بريطانيا منذ 1978 فعمل في صحيفة «العرب»، ثم مجلة «التضامن»، وبعدها جريدة العرب الدولية «الشرق الأوسط»، كما عمل مستشاراً لصحيفة «إيلاف» الإلكترونية.
TT

حُراس مرمى الناس

مع انقضاء ثاني دقائق معركة إنجلترا ضد إيطاليا، مساء الأحد الماضي، لانتزاع كأس أوروبا، بدأت أحس بنوع من الإشفاق على جوردان بكفورد ونظيره، جيانلويجي دوناروما. الأول حارس مرمى فريق إنجلترا. أما الثاني فكان يحرس شِباك الفريق الإيطالي، وهو الذي أوجد سبب إشفاقي بعدما أخفق في صد هجمة الإنجليزي لوك شو، إذ سدد أول أهداف المباراة بينما شوطها الأول لم يقطع الدقيقة الثالثة بعد، فكان لمفاجأة الهدف الأسرع طوال مباريات «EURO2020» الوقع المدوّي، فما العجب أن أُذهل كما غيري؟ ليس من عجب في الأمر، لكنني سوف أجد العذر كاملاً لكل من سيرفض التصديق، إذا قلتُ إنني حتى تلك اللحظة، كنت أجلس مسترخياً أمام شاشة التلفزيون، ثم وجدتني أتساءل؛ حسناً، ماذا لو أن الفريقين انتهيا إلى التعادل، أياً كان عدد الأهداف، وأصبح الحسم ضرورياً عبر تسديد ركلات ترجيح، ألن يوضع كامل عبء ربح هذه «الحرب الإنجليزية - الإيطالية»، أو خسارتها،على كاهل المسكين حارس المرمى وحده؟
صحيح، وخطأ، في الآن نفسه. عند تبرير الصواب في قول كهذا، مهما بدا أنه قاسٍ، سوف يُقال إن كل لاعب كرة قدم يؤدي دور حارس المرمى، يعرف مسبقاً، كم هو حجم مسؤولية موقع حماية حِمى الفريق، وكيف أن تبعات الفشل فيها سوف تجرح أحاسيس جمهور تُقدر أعداده بالملايين. نعم، بالفعل، أحياناً يصيح الناس في الملاعب بهوس يشبه صياح المجانين حقاً، سواء ألماً لأن هدفاً سُدِد في مرماهم، أو فرحاً لأن فريقهم سدد في مرمى خصمهم. لكن الأقرب إلى منطق العقل، هو أن ذلك التبرير أقرب إلى الباطل منه إلى الحق. قبل الدخول في تفاصيل أكثر، وتحسباً لاحتمال الوقوع في خطأ الجاهل بفنون الكرة، يجب أن أوضح أنني لست من ذوي الاهتمام بالشأن الرياضي عموماً، ولا بمعارك كرة القدم، خصوصاً. لذا يذهب القصد هنا أبعد من أسوار ملاعب الرياضة، فأدفع عن حارس المرمى باطل تحميله كامل المسؤولية لكي أطرح التساؤل التالي: لماذا يُلام الحارس وحده حين يفشل لاعبون غيره في أداء مسؤولياتهم قبل أن تصل إلى الحلقوم هجمة الفريق الخصم، وإذ ذاك ربما تكون ضربة الرمق الأخير؟
ذلك تساؤل سوف يجر إلى آخر؛ ماذا عن حُرّاس مرمى الناس كافةً؟ تعالوا ندع جانباً أفراح النصر، وأتراح الهزائم، في مباريات كرة القدم، حيثما جرت، وبأي زمان وقعت، فنستحضر من قاع بئر ذاكرة العرب، كم مرة فشل حارس مرمى الناس في هذا المجتمع، أو ذاك، على امتداد العالم العربي كله، في أداء الواجب المُناط به، فانتهى الأمر إلى كارثة تلد أسوأ منها؟ أهل الخبرة والاختصاص في تحليل الشأن الرياضي يسارعون إلى التدقيق والتمحيص عند فحص كيف أدى لاعبو خط الدفاع دورهم للتوصل إلى أسباب هزيمة أي فريق، ومن ثم الحرص على تجنب تكرار أسباب الفشل. يجري شيء مشابه على صعيد المجتمعات، أيضاً، إنما، في الأغلب الأعم، بقصد غسل أيدي كبار الحُراس من أي مسؤولية، وحصرها، تحديداً، بحاملي مسؤوليات الخطوط الخلفية، كأنما الجالس في موقع الحارس الأول، ليس هو المسؤول، أساساً، عن فشل الذين بوأهم مواقع المسؤوليات الأساسية في حماية حِمى أي مجتمع.
ولأنني من كأس وجع الألم الفلسطيني سوف أظل أتجرع، كما غيري، سواء كانوا من جيلي، أو الجيل الأكثر شباباً، لا مفر من تكرار السؤال ذاته: ماذا فعل أغلب حراس قضية فلسطين بها، منذ نكبتها الأولى، وطوال ما تبعها من نكبات؟ هل حقاً أدوا واجب الدفاع عن مرمى أقدس القضايا حق أدائه؟ أم أن كثيراً منهم استمرأ اللعب مع فريق عربي، أو دولي، ضد آخر، مدركاً أن آخر همَّ كلا الفريقين هو فلسطين ذاتها؟ بلا إعفاء أي من التنظيمات الفلسطينية من المسؤولية، وما أدت إليه تحالفاتها مع فِرق عدة، ثم تغيير تلك التحالفات وفق مطالب كبار اللاعبين، يحق سؤال كهذا على قادة حركة «فتح» وحركة «حماس»، أكثر من غيرهما بين الفصائل، وهم يدركون جيداً لماذا، خصوصاً إزاء أوزار سنوات الانقسام، منذ عام 2007. يبقى أن أتمنى ألا يكرر جيل الرُضّع الفلسطيني الآن، السؤال ذاته، وقد شبوا عن الطوق، بعد سنين قد تبدو بعيدة، لكنها أقرب مما يُهيأ للكثيرين، فيما طوق الشتات لم يزل يلتف حول أعناقهم.