أيها الفقراء... كيف الحال؟

أيها الفقراء... كيف الحال؟

الثلاثاء - 4 ذو الحجة 1442 هـ - 13 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15568]
داود الفرحان
كاتب عراقي

تحتفل الأمم المتحدة بمناسبات وظواهر وتسميات تتجاوز المئات سنوياً. وهي تهدف إلى تسليط الضوء على مشاكل دولية وأنجع الوسائل للقضاء على السلبيات ومضاعفة الإيجابيات. من هذه المناسبات اليوم العالمي للغة برايل في 24 يناير (كانون الثاني)، واليوم العالمي للإذاعة في 13 فبراير (شباط)، والأيام العالمية للأم في 21 فبراير، وللمرأة في 8 مارس (آذار)، وللشعر في 21 مارس، وللمياه في 22 مارس، وللسلّ في 25 مارس، وللضمير في 5 أبريل (نيسان)، وللملاريا في 25 أبريل، وللضوء في 16 مايو (أيار)، وللنحل في 20 مايو، وللوالدين في أول يونيو (حزيران)، وللاجئين في 20 يونيو، وللأرامل في 23 يونيو، وللبحارة في 25 يونيو، وللشطرنج في 20 يوليو (تموز)، وللصداقة في 30 يوليو، وللشباب في 12 أغسطس (آب).
وأكتفي بهذه المناسبات وأختار منها ليوم «الشعر» مقطعاً من قصيدة للشاعرة العراقية المبدعة ساجدة الموسوي تحت عنوان «لا تسأل كيف الحال» تقول فيه:
«لا تسأل كيف الحال/ عندي أجوبة شافية عن ألف سؤال وسؤال/ إلا لسؤالك كيف الحال/ وطني مأسورٌ مطعونٌ مسلوب/ والموت يحشُّ بأهلي.../ تتسرب أعمارُ الوردِ كماءٍ من غربال/ وطني أكلته الحرب/ نصف بلادي في المنفى والنصف الآخر أخبارٌ أسمعها في الجوال/ أوَ تسألني كيف الحال؟».
لقد أخذ كثيرون حقوقهم من الأمم المتحدة في هذه الأيام السنوية. لكن ما الذي ناله ضحايا اليوم العالمي للإرهاب في 21 أغسطس؟ وضحايا أعمال العنف القائمة على أساس الدين؟ وضحايا الإخفاء القسري؟
أريد أن أقول إن الفقراء وحدهم ليس لهم يوم أممي لرعايتهم، وهم أحوج من أي فئة أخرى كلاعبي الشطرنج - مثلاً - أو الصداقة أو الشِعر أو المصارف. وقد يقول قائل إن هناك يوماً دولياً للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، وأرد أن هناك فرقاً بين الفقراء وهي صفة إنسانية غير عادلة تستحق الرعاية، ولو مرة واحدة كل عام، أما القضاء على الفقر، فهو مهمة تستغرق سنوات، ويحتاج تضامناً عالمياً وميزانية مالية ضخمة من فائض ثروات الدول والشركات العالمية؛ سواء كانت خاصة أو عامة.
عَرّفَ البنك الدولي «الفقير» بأنه من ينخفض دخله السنوي عن 555 دولاراً أميركياً سنوياً، مع الأخذ في الاعتبار أن «الفقير الأميركي» غير «الفقير البنغلاديشي أو الإثيوبي مثلاً» في التصنيف الوصفي والاحتياجات الخاصة والعامة.
نحن أمام عشر دول تعاني في المقدمة من مشكلة الفقراء (وليس الفقر)، وبينها دول متقدمة صناعياً وقضائياً مثل الهند والصين والبرازيل وإندونيسيا ونيجيريا وفيتنام والفلبين وباكستان وإثيوبيا وبنغلاديش، وهي أكثر عشر دول تعداد الفقراء فيها يتراوح بين 358 مليون فقير و35 مليون فقير.
رواية «البؤساء» الشهيرة عن فقراء القرن التاسع عشر في فرنسا، كتبها الروائي والشاعر الفرنسي فيكتور هوغو عام 1863 عن رجل فقير يدعى جان فالجان ارتكب جريمة سرقة خبز لإطعام أخته وأولادها، فحكمت عليه المحكمة بالسجن 19 عاماً. وقال هوغو في مقدمة الرواية: «طالما توجد لا مبالاة وفقر على الأرض، كُتُبٌ كهذا الكتاب ستكون ضرورية دائماً».
وعلى مسؤولية الأمم المتحدة، فإن 2.7 مليار شخص من الأكثر فقراً وضعفاً في العالم يحتاجون إلى «دخل أساسي مؤقت» لحمايتهم من آثار جائحة «كوفيد - 19» مثل فقدان الوظائف ومصادر الدخل والعزل الإجباري. ويقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي «الدخل الأساسي المؤقت» لحماية الفقراء في الدول النامية بحدود 200 مليار دولار شهرياً، وهو رقم مذهل يتم إنفاقه لشراء الطعام ودفع نفقات الصحة والتعليم وعلاج مصابي الجائحة، هذا إذا لم تلتهم مرتبات موظفي المنظمة الدولية ونفقات وفودها وطيرانها وإقامتها وسياراتها أكثر من نصف المبلغ الهائل. وفي النتيجة يبقى الفقراء على ما هم عليه من ضعف وجوع ومرض وحرمان وأمية. وتقيم المنظمة احتفالات للخطب والبيانات والمآدب في «اليوم العالمي للقضاء على الفقر»، ولا توجه دعوة واحدة إلى شحاذ لحضور هذه الاحتفالات.
تَمنح الدول الغنية بين فترة وأخرى إعفاءات خاصة للدول الفقيرة من تسديد مديونياتها التي تقف حجر عثرة أمام أي ازدهار أو تخفيض ظاهرة الفقر العام. لكن شطب الديون الخارجية المستحقة على الدول الفقيرة لا يدخل دولاراً واحداً في جيب أي فقير، وإنما تضيع الفرصة في مشاريع فاشلة أو فساد حكومي أو هدر في الإنفاق الباذخ من قصور وسيارات وطائرات خاصة ورحلات خارجية ترفيهية.
وقرأت تقريراً سنوياً لافتاً أصدره البنك الدولي اعترف فيه مع بداية الألفية الثالثة بأن 20 في المائة فقط من سكان الكرة الأرضية «يعيشون ويملكون»، أما الباقون فلا يعيشون عيشة مناسبة ولا يملكون شيئاً من الموارد الأرضية. وبالأرقام فإن متوسط الدخل في الدول الأكثر فقراً في العالم مثل تنزانيا وسيراليون يبلغ 500 دولار سنوياً، بينما يصل متوسط دخل الفرد في الدول المتقدمة إلى 20 ألف دولار، وهو ما يجعل فجوة الفقر واسعة وعميقة، بحيث أطلقوا عليها تسمية «الفقر المدقع». و«المدقع» لمن لا يعرف معناها «الذليل والهزيل والحقير حدّ التصاق أنفه بالأرض»!
ويجهد خبراء المنظمات المعنية بالفقر (وليس الفقراء) أنفسهم في صياغة بيانات دورية وتسميات ثرية للفقر (مرة أخرى ليس للفقراء) مثل الفقر المتعدد الأبعاد، شأنه شأن الفنون التشكيلية، فهناك فقر ريفي وآخر حضري، وفقر دولي وآخر إقليمي، وفقر طفولي وآخر أُسَري. ومن الفنون التشكيلية إلى الرياضيات، حيث يُحسب الفقر المتعدد الأبعاد بحاصل ضرب نسبة الفقراء في شِدة الفقر!
لو كان عالم الاجتماع الرائد التونسي ابن خلدون حياً لتمت دراسة مقدمته الرفيعة الشأن في كل أحوال الدنيا، فقد ميز بين ثلاثة أنماط بنائية للمجتمعات، هي تلك المقتصرة على ما هو «ضروري» في حساب نسبة الفقر بما يحفظ الحياة. والنمطان الثاني والثالث هما ما يزيد على الكفاف إلى حالة الظلم والخراب والمجاعات العامة، وعبر عنه بـ«تلاصق الجدران وعدم وجود فواصل بين المساكن». عاش ابن خلدون (1332 - 1406م) في تونس وتخرج في جامعة الزيتونة وزار المغرب والأندلس ومصر، ومهنته عالِم في طبيعة الإنسان، ومؤرخ، وقاضٍ، وكاتب سير ذاتية، وعالِم اجتماع، واقتصادي، وفيلسوف، وسياسي. وفي ذلك التاريخ البعيد ترك لنا وصفة الفقير الذي يعيش على الكفاف.
ومنذ ابن خلدون في القرنين الثالث عشر والرابع عشر لم نجد عالِماً في اقتصاد الحروب والمجاعات والكوارث والأوبئة إلا حين ابتدع الدكتور محمد مهدي صالح وزير التجارة العراقي في النظام العراقي السابق (المقيم حالياً في الأردن من دون عمل) نظام البطاقة التموينية الذي ساوى بين الفقير والغني فيما تمنحه الدولة لكل مواطن عراقي في سنوات الحصار الجائر الذي فرضته الولايات المتحدة على العراق بعد غزو الكويت 1990 إلى احتلال العراق في 2003. وهذا الحل السحري لا علاقة له بالفانوس السحري وإنما هي بطاقة تموينية تضمن لكل أسرة عراقية أو مقيمة في العراق، والدبلوماسيين من جنسيات أخرى، سلة غذاء شهرية تتكون من أكثر من 15 مادة مستوردة برقابة الأمم المتحدة، وفق برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء. ودرس صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة نظام البطاقة التموينية العراقية، فوصفوها حسب تعبير بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة في السنوات من 2006 إلى 2016 بطاقة «إنقاذ الفقراء».
لا نريد يوماً للفقر، ولكن الفقراء يريدون «العيش»، والعيش في اللهجة المصرية هو الخبز.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو