فنانة ووزير... و«خصوصية مغدورة»!

فنانة ووزير... و«خصوصية مغدورة»!

الاثنين - 26 ذو القعدة 1442 هـ - 05 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15560]

انشغل جمهور وسائل الإعلام خلال شهر يونيو (حزيران) الفائت بقضيتين تقعان في قلب الجدل المتجدد بخصوص العلاقة الشائكة بين حرية الصحافة في تناول قضايا المشاهير والشخصيات العامة التي تقع في نطاق خصوصيتهم وبين الحماية المفترضة لتلك الخصوصية.
أولى هاتين القضيتين جرت وقائعها في بريطانيا، عندما فاجأت الصحيفة الشعبية ذائعة الصيت «ذي صن» جمهورها باختراق صحافي من الدرجة الأولى، بنشرها صوراً تفضح قيام وزير الصحة مات هانكوك، بتقبيل كبيرة مساعديه في الوزارة في مكتبه الحكومي.
ولم تكتفِ «ذي صن» بنشر الصور المثيرة للجدل فقط، بل أرفقت القصة الخبرية المتعلقة بالموضوع على موقعها الإلكتروني بفيديو يظهر خلاله الوزير وهو يحتضن مساعدته ويقبلها خلال ساعات الدوام الرسمية وفي المكتب الحكومي، خارقاً بذلك قواعد «التباعد الاجتماعي» التي تحمل وزارته بالذات لواء إقرارها والسهر على إنفاذها.
لا يُلام الوزير فقط لأنه خرق قواعد «التباعد الاجتماعي» بطبيعة الحال، لكن هذا على الأقل ما هيمن على الخطاب الناقد لتصرفه هذا، بينما سُمعت انتقادات أخرى تتعلق بانتهاك التزاماته الزوجية عبر إقامة علاقة عاطفية موازية، فضلاً بالطبع عن مساءلته لكونه قام بتعيين تلك المساعدة بالذات حين تسلمه الحقيبة الوزارية، وخصص لها راتباً من أموال دافعي الضرائب.
تذكّرنا «ذي صن» بنشرها تلك القصة المثيرة بما سبق أن فعلته قبل ست سنوات، حينما صدرت بغلاف ناري حمل صورة واضحة لنائب رئيس مجلس اللوردات آنذاك جون سيويل، وهو يشم الكوكايين، بورقة مالية فئة الخمسة جنيهات إسترلينية، على صدر بائعة هوى. ولم تكن تلك الصورة المثيرة الصادمة سوى جزء يسير من تقرير كامل وشريط فيديو بثته الصحيفة الشهيرة، وهو الشريط الذي نقل وقائع «سهرة ماجنة» أمضاها سيويل بصحبة فتاتي ليل، وتعاطى فيها المخدرات.
ورغم أن ما فعلته «ذي صن» آنذاك يُعد من الناحية النظرية انتهاكاً واضحاً لخصوصية سيويل، لأن أياً من الفتاتين لم تدِّع عليه أي ادعاء، كما أن ما فعله جرى في «حيزه الشخصي الخاص»، ولم يمثل إزعاجاً أو انتهاكاً لحرية آخرين أو أمنهم، فإن أحداً لم يوجّه اتهاماً من أي نوع لـ«ذي صن»، أو يمنعها من متابعة القصة واستخدام المواد الخاصة بها في تغطيات تالية.
لقد استقال اللورد سيويل عقب نشر تلك الفضيحة، وهكذا أيضاً فعل الوزير هانكوك، وكلاهما اعتذر، ولم يلاحق الصحيفة أو يوجه إليها أي مساءلة، على الرغم من التساؤلات المُلحّة من أركان في الحكومة البريطانية عن الطريقة التي استطاع بها أحدهم اختراق سرّية مكتب حكومي رفيع المستوى، ونقل فيديوهات لوقائع جرت داخله إلى الجمهور.
أما القضية الثانية، فقد جرت وقائعها في العالم العربي خلال الشهر الماضي أيضاً، لكنّ تفاصيلها لم تكن تتعلق باختراق خصوصية وزير أو مسؤول سياسي وإنما فنانة مشهورة هي المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب. وببساطة شديدة، فإن مجلة فنية لبنانية نشرت ما قالت إنه نص حديث أدلى به والد زوج الفنانة شيرين، وهو حديث يقوّض خصوصية الفنانة ويخترق حياتها الزوجية، ويوجه اتهامات للزوج بالانتفاع من علاقته بها، وينال من سمعة الفنانة ويحطّ من سويّتها الاجتماعية.
تقول المجلة إن «شيرين فنانة مشهورة، ومن حقها وحق جمهورها معرفة ما يجري بالخفاء ويضرّ بها، وإنه لا يحق لأي طرف السؤال عن مصدر التسريب أو الطريقة التي تم الحصول بها عليه، لأن ذلك من مقتضيات العمل الصحافي المحمية بالأعراف والقوانين».
والشاهد أن الخصوصية قيمة حيوية لا يجب انتهاكها بزعم حرية الرأي والتعبير أو حق الجمهور في المعرفة، لكنّ قيام «الشخص العام» بسلوك شخصي يضر المصلحة العامة بشكل واضح، ويؤثر في استقرار المؤسسات العامة أو يزعزع الثقة فيها، يمنح الصحافة الفرصة لاختراق تلك الخصوصية كما حدث تماماً في واقعتي اللورد سيويل، ومات هانكوك. أما ما يتعلق بالحياة الخاصة للفنانين والمشاهير فيجب أن يبقى محمياً من تجرُّؤ الصحافة ما دام الشخص المعنيّ لم يسمح بتداول الأخبار الواقعة في نطاق خصوصيته. إذ إن ثمة خيطاً دقيقاً يجب أن يظل واضحاً، ويجدر أن نجتهد جميعاً في اعتباره وعدم تجاوزه؛ وهو الخيط الفاصل بين الوقائع الخاصة ذات الصلة بالمصلحة العامة، وتلك التي لا تتصل بالمصلحة العامة في شيء.
لم تخطئ «ذي صن» في فضح تجاوز الوزير، الذي اعتذر واستقال، لكن اختراق خصوصية شيرين لم يكن له أي مسوّغ مهني.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة