«بريدجرتون» الرابع يتحول إلى «سندريلا» بقفّاز فضّي

المسلسل المحبوب يعود إلى «نتفليكس» في موسم يتصارع فيه الممكن والمستحيل

في هذا الموسم من بريدجرتون تتّجه الأنظار إلى قصة حب بينيديكت وصوفي (نتفليكس)
في هذا الموسم من بريدجرتون تتّجه الأنظار إلى قصة حب بينيديكت وصوفي (نتفليكس)
TT

«بريدجرتون» الرابع يتحول إلى «سندريلا» بقفّاز فضّي

في هذا الموسم من بريدجرتون تتّجه الأنظار إلى قصة حب بينيديكت وصوفي (نتفليكس)
في هذا الموسم من بريدجرتون تتّجه الأنظار إلى قصة حب بينيديكت وصوفي (نتفليكس)

في الموسم السابق من «بريدجرتون»، أُسدِلت الستارة على زواج كولن بريدجرتون من بينيلوبي فيذرينغتون. علاقة عاطفية عاصفة وغير متوقعة جمعت بين الحبيبَين، فأثمرت طفلاً ورفعت القناع عن وجه بينيلوبي. انكشف السرّ وبات الجميع عارفاً، بدءاً بالملكة شارلوت، وصولاً إلى الخدم في قصور حيّ مايفير الراقي في لندن، أنّ «ليدي ويسلداون» ليست سوى بينيلوبي، وأنها هي مَن تفضح خفايا البيوت والعلاقات على صفحات نشرَتِها الأسبوعية.

وبما أنّه من المستحسَن أن يُتوّج كل موسمٍ من المسلسل بزواج أحد أبناء عائلة بريدجرتون الكثُر، فإنّ الأنظار متّجهة هذه المرة إلى بينيديكت، ثاني أبناء «ليدي فيوليت». تأخّر بينيديكت في الارتباط وهذا يُقلق والدته، التي تخشى عليه من سلوكه غير المنضبط وعلاقاته المشبوهة. لكن حتى الملكة متأهّبة من أجل إيجاد العروس المناسبة له.

يتّضح من الحلقة الأولى أنّ بينيديكت هو نجم الموسم الرابع، لكن على المُشاهِد أن يتلقّى الأحداث على جرعات. فقد ارتأت «نتفليكس» أن تعرض الجزء الجديد على دُفعتَين، 4 حلقات في نهاية يناير (كانون الثاني) على أن تأتي البقيّة في ختام فبراير (شباط).

بالانتظار، يمكن الاستمتاع بأجواء المسلسل الساحرة؛ من ديكورات فخمة وأزياء أنيقة وحدائق غنّاء، مروراً بالموسيقى التصويرية المميزة، وليس انتهاءً بالحلويات الملوّنة التي تفيض أكثر من المعتاد.

الممثل البريطاني لوك ثومسون بشخصية بينيديكت بريدجرتون (نتفليكس)

هل ثمة أفضل من حفلٍ راقص لافتتاح الموسم الجديد؟ وكيف إذا كان قصر آل بريدجرتون هو الذي يشرّع أبوابه لاستضافة حفل المبتدئات برعاية الملكة وحضورها.

تتوالى الرقصات وتستعرض الفتيات أثوابهنّ البرّاقة، بينما يبحثن عن احتمال شريكٍ أو معجَب وسط الحاضرين. وحدها صاحبة الفستان الفضّي غير مكترثة للعثور على شريك رقص. وصلت إلى الحفل وحيدة وأمضت الوقت منبهرةً بالزينة والأجواء، إلى أن تعثّرت صوفي. ومع الرقصة الأولى بينهما، تبدأ حكاية الموسم الرابع: وقوع عازب آل بريدجرتون الأشهر في حبِّ غريبةٍ لا يعرف اسمَها، ولم يرَ خلف قناعها الفضّي، كما لم يبقَ له منها سوى قفّازٍ نسيته بعد أن انتصف الليل وهربت.

الملكة شارلوت المشرفة العُليا على العلاقات والزيجات (نتفليكس)

لم يكن ينقص سوى أن تفقد الغريبةُ حذاءها على أدراج قصر بريدجرتون... لكنّ هذا يبقى تفصيلاً، إذ يتّضح أنّ الموسم الرابع اقتبسَ حبكتَه من حكاية «سندريلا»، الجميلة التي سرقت قلب الأمير قبل أن ينتصف الليل ويفقد أثرها محتفظاً بحذائها.

يجب انتظار بزوغ شمس اليوم التالي حتى يتأكّد المؤكّد. «صوفي» تعمل خادمةً في أحد القصور المجاورة، ومشاركَتُها في تلك السهرة لم تكن سوى حلمٍ حرص على أن يحققه لها زملاؤها في القصر، فألبسوها ما استطاعوا أن يعثروا عليه في خزائن أسيادها.

خلف شخصية صوفي قصة مُستنسخة عن أسطورة سندريلا (نتفليكس)

لا يتوقّف الاقتباس من أسطورة سندريلا عند هذا الحدّ، إذ تقول الحكاية إنّ مخدومة صوفي ليست سوى زوجة أبيها، وهي التي حرمتها الإرث والجاه ما إن توفّي والدُها، وجعلتها تنظّف الأرض وتمسح الغبار وترتدي زيّ الخدم. وبعد، فإنّ للخالة الشرّيرة ابنتَين تسعى إحداهما للفوز بقلب بينيديكت.

بعد كل تلك الاكتشافات، قد يتوقف الجمهور متسائلاً ما إذا كان يشاهدُ نسخةً مستحدثةً من حكاية الكاتب شارل بيرو الشهيرة، أم إنه ما زال على كوكب بريدجرتون. مع العلم بأنّ هذا الانغماس المُفرط في سرديّة سندريلا هو سيفٌ ذو حدَّين بالنسبة إلى هكذا مشروعٍ تلفزيوني ناجح، إذ إنه يهدّد بإفقاده هويته للحظةٍ ما.

لكن سرعان ما يعود النفَس المعتاد، وذلك بفَضل العناصر الدرامية المعهودة والتي تَحرص المُنتجة شوندا رايمز وفريقها على ضخّها في المسلسل. من بين تلك العناصر، التنوّع العرقي الطاغي والذي لا يأتي صُدفةً.

زوجة أب صوفي وابنتاها تكمّلن عناصر حكاية سندريلا (نتفليكس)

المنافسة آسيويّة على عريس الموسم، في مسعى متواصل من فريق بريدجرتون لتعزيز فكرة الدمج المجتمعي والإنساني. وهكذا جرت العادة منذ الموسم الأول وافتتان «أنطوني بريدجرتون» بالشابة الهنديّة «كيت»، مروراً بارتباط شقيقته «فرانشيسكا» برجلٍ من أصحاب البشرة السمراء، وليس انتهاءً بوقوع بينيديكت في حب صوفي ذات الملامح الآسيوية.

صحيحٌ ألّا ثنائيّ يستطيع منافسة جاذبيّة أنطوني وكيت، العائدَين في القسم الثاني من الموسم، إلّا أنّ لقصة بينيديكت وصوفي سحرَها الخاص. هو ابنُ المجتمع المخمليّ الذي يُغرم بخادمةٍ تُخفي وراءها ماضياً مظلماً وظالماً. إنه موسم الصراع بين الحلم والواقع؛ فهل يستطيع «بريدجرتون الرابع» الذهاب إلى أقصى الفانتازيا وتحويل المستحيل إلى ممكن؟

يجب انتظار الدُفعة الثانية من حلقات الموسم الرابع لمعرفة الجواب النهائي. لكن في هذه الأثناء، يمكن استنتاج بعض الإشارات من خلال أحداث القسم الأول. فبعد الحفل الراقص وهروب صاحبة القفّاز الفضي عند منتصف الليل، يتجنّد بينيديكت وعائلته للبحث عن المحبوبة الغامضة.

يعثر بينيديكت على صوفي ويكتشف أنها خادمة (نتفليكس)

على ضفاف الصراع بين الواقع والحلم، والممكن والمستحيل، ينشأ صراعٌ من نوعٍ آخر في قصور مايفير. فعلى إثر مغادرة صوفي منزل مخدوميها، تحدث أزمة خادماتٍ تنتج عنها مطالبتهنّ برواتب وظروف عمل أفضل. وهذه أيضاً من القضايا التي تحب أن تطرحها شوندا رايمز، على هامش الرومانسية الطاغية في المسلسل.

مهما تعدّدت الحبكات أو اقتُبست من حكاياتٍ كان يرويها الأجداد لأحفادهم، فإنّ «بريدجرتون» يحافظ على وهجه مع مرور المواسم. فيه ما يكفي من العناصر الجماليّة كي لا يفقد بريقَه. وعلى قَدر ما هو ملتزم بالتفاصيل التاريخية، فإنه يراعي الصورة العصريّة التي لا تملّها العين.


مقالات ذات صلة

فيلم Office Romance... هبوط غير اضطراري لجنيفر لوبيز

يوميات الشرق في فيلمها الجديد تخوض جنيفر لوبيز علاقة شائكة مع أحد موظّفيها (نتفليكس)

فيلم Office Romance... هبوط غير اضطراري لجنيفر لوبيز

Office Romance على «نتفليكس»، والذي يصنّف نفسه كوميديا رومانسيّة، يسجّل صفر أهداف في شباك كلٍ من الكوميديا، والرومانسية، وأسباب ذلك كثيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثلة ليلي كولنز تعلن انطلاق تصوير الموسم الأخير من «إميلي في باريس» (نتفليكس)

إميلي الباريسيّة تختتم رحلتها في اليونان... هل يعود الحب إلى الحبيب الأول؟

أعلنت الممثلة ليلي كولنز أنها بصدد إنجاز الموسم الأخير من مسلسلها الشهير «إميلي في باريس»، كاشفةً و«نتفليكس» أنّ التصوير جارٍ حالياً في اليونان.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)

المشاهدون الصغار... ثروةٌ تتسابق المنصات على استقطابها

على قاعدة «فُز بهم صغاراً لتكسبَهم كباراً ولتفوز بأهاليهم كذلك»، تركز المنصات على المحتوى الخاص بالأطفال. وأثبتت الأرقام أنهم أوفياء لما يشاهدون أكثر من الكبار.

كريستين حبيب (بيروت)
الاقتصاد شعار «نتفليكس» معروض في فعالية «لوكا كومكس آند جيمز 2025» في مدينة لوكا الإيطالية (رويترز)

«نتفليكس» أنفقت 135 مليار دولار على الأفلام والمسلسلات خلال العقد الماضي

قالت شركة «نتفليكس» اليوم (الثلاثاء) إنها استثمرت أكثر من 135 مليار دولار في المسلسلات التلفزيونية والأفلام خلال العقد الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
يوميات الشرق شعار شركة «نتفليكس» على أحد مبانيها في حي هوليوود بمدينة لوس أنجليس (رويترز)

ولاية تكساس تتهم «نتفليكس» بالتجسس على الأطفال

رفع المدعي العام لولاية تكساس دعوى قضائية يتهم فيها شركة «نتفليكس» بالتجسس على الأطفال، والمستخدمين الآخرين من خلال جمع بياناتهم دون موافقتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: العثور على مقبرتين من العصر العتيق بـ«جبل الطير» في المنيا

جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جبانة أثرية نادرة بعد العثور عليها في المنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عثرت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، على مقبرتَيْن تعودان للعصر العتيق، إلى جانب عدد من الدفنات التي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات والعصر المتأخر، في منطقة جبل الطير بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، الكشف بأنه يمثّل إضافة جديدة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، لما يقدمه من أدلة تُسهم في تتبع تطور العمارة الجنائزية في مصر القديمة عبر عصورها المختلفة.

فيما وصف الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، المقبرة المكتشفة الأولى بأنها تُعدّ من الاكتشافات المعمارية النادرة، حيث تتميز بتصميم هندسي فريد، فيما تمثّل المقبرة الثانية نموذجاً مطابقاً لها إلى حد كبير، وتتميز بحالة حفظ جيدة.

أوانٍ فخارية عُثر عليها في جبل الطير بالمنيا (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأشار إلى أن «الدراسات الأولية تُظهر وجود تشابه ملحوظ بين تصميم المقبرتَين المكتشفتَين وتصميم مقبرة الملك دن الشهيرة في أبيدوس، وهو ما يعزّز من الأهمية الأثرية لمنطقة جبل الطير، ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى الجبانات المهمة التي استُخدمت عبر فترات زمنية ممتدة من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصر المتأخر».

ويعتمد تصميم المقبرة الأولى على التدرج في سماكة الجدران من أسفل إلى أعلى، حيث تزداد السماكة عند القاعدة وتقل تدريجياً نحو القمة، لافتاً إلى أن هذا النمط المعماري قد يمثّل مرحلة مبكرة من تطور الفكر الهندسي الذي أدى لاحقاً إلى ظهور الهرم المدرج ثم الهرم الكامل، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

ويرجح عبد البديع أن «تكون المقبرة قد تعرّضت في عصور لاحقة لأعمال تحجير، بهدف استخراج كتلها الحجرية، إلا أن الأجزاء المتبقية كشفت عن تفاصيل مهمة تتعلّق بهندسة البناء في تلك الفترة، من بينها آثار خطوط أكسيدية توضح أساليب تقطيع الأحجار بدقة، بالإضافة إلى دعامات خشبية ضخمة استُخدمت لتدعيم الجدران، امتد بعضها بطول الجدار بالكامل، في حين جاء البعض الآخر على هيئة قطع مستقيمة منفصلة».

دفنات بشرية عُثر عليها بجوار المقبرتَين الأثريتَين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتقع المقبرة الثانية إلى الجنوب من المقبرة الأولى، وتتطابق معها إلى حد كبير في التصميم المعماري، إلا أنها لم تتعرض لأعمال تحجير، مما أسهم في الحفاظ على عناصرها بشكل أفضل.

وكشف رئيس البعثة، رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى، الدكتور سامي درديري، عن أن البعثة عثرت أيضاً على جزء من جبانة تعود إلى عصور ما قبل الأسرات بها دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة ببقايا حصير نباتي متحلل، وبجوار بعضها أوانٍ فخارية ذات حافة سوداء يمكن تأريخها إلى فترتَي نقادة الثانية والثالثة.

لقى أثرية مختلفة الأحجام (وزارة السياحة والآثار المصرية)

كما تم الكشف عن عدد من الدفنات الآدمية الفردية والجماعية، عُثر على بعضها داخل بقايا توابيت خشبية متحللة، ويُرجح تأريخها إلى العصر المتأخر، وهو ما يؤكد استمرارية استخدام المنطقة بوصفها جبانة عبر عصور تاريخية متعاقبة، وجارٍ العمل في الموقع للكشف عن المزيد من أسراره.

وتُعدّ المنطقة الأثرية بجبل الطير في محافظة المنيا أحد أهم المزارات السياحية والدينية في مصر، وتشتهر بكونها محطة رئيسية لرحلة العائلة المقدسة، وتضم آثاراً فرعونية ويونانية ورومانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
TT

منى خليل الغائبة عن موعد السلاحف المقبل

البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)
البحر يواصل مدّه وجزره لكنّ شيئاً من المشهد تغيَّر إلى الأبد (أ.ف.ب)

راقبت الناشطة البيئة اللبنانية منى خليل آثار الأقدام على الرمل كما يتتبَّع مُحقِّق مسرح واقعة. كانت تعرف أنّ خطاً مُتعرّجاً على شاطئ المنصوري في قضاء صُور، قد يُخبِر عن سلحفاة خرجت من البحر ليلاً، ويُشكِّل أثراً آخر قد يقود إلى عشّ جديد. وكانت تعلم أنّ بضع علامات بالكاد تُرى قد تختصر رحلة قطعتها كائنات عبر آلاف الكيلومترات.

على الساحل الجنوبي للبنان، اختارت منى خليل أن توظّف سنوات طويلة من حياتها لمَهمّة لم تكن مرتبطة بمشروع اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، حتى بدت غريبة في نظر كثيرين. انشغلت بحماية السلاحف البحريّة التي تتّخذ من شاطئ المنصوري أحد أهم مواقع تعشيشها على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، وحوَّلت «البيت البرتقالي» إلى عنوان معروف للناشطين البيئيين والباحثين والزوّار الراغبين في التعرُّف إلى هذا العالم الآسر.

لم تأتِ أهمية تجربتها من عدد السلاحف التي أُنقِذت أو الأعشاش التي حُميت فقط. ما ميَّزها أكثر هو قدرتها على تحويل بقعة ساحلية محدودة إلى مساحة مختلفة للنظر إلى الطبيعة. فاللبنانيون اعتادوا التعامل مع الشاطئ على أنه مورد سياحي أو عقاري أو مساحة عامة مُهدَّدة بالتعدّيات. أما منى خليل، فكانت ترى فيه موطناً لكائنات تُشاركها الوجود، وجزءاً من نظام طبيعي غير خاضع للمصالح البشرية.

على مدى سنوات، ارتبط اسم «البيت البرتقالي» بمواسم التعشيش السنوية. كان المكان يستقبل متطوّعين وطلاباً وباحثين من داخل لبنان وخارجه. هناك تعرَّف كثيرون للمرّة الأولى إلى السلاحف البحريّة والتهديدات التي تُواجهها، من الصيد العشوائي والتلوّث، إلى الزحف العمراني وتغيُّر المناخ. ومع الوقت، تجاوز دور البيت مفهوم الإقامة البيئية أو النشاط التوعوي، ليجمع تحت سقفه المجتمع المحلّي والمُهتمّين بالشأن البيئي.

كانت منى خليل ترى في السلاحف سرديةً أطول بكثير من أعمار البشر. فهذه الكائنات تعود إلى الشواطئ نفسها جيلاً بعد جيل وتُكرّر الرحلة رغم المخاطر المتزايدة المُحيطة بها. وربما لهذا وجدت في متابعتها ما يُشبه تأمّلاً مستمرّاً في دورة الحياة وسط تغيُّرات كبرى تفرضها الحروب والأزمات والحدود والسلطات والخرائط.

ولم يكن من السهل الحفاظ على هذا المسار في بلد تتنازع اهتماماته التحوّلات والضغوط. فالنشاط البيئي في لبنان يُواجه غالباً أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في نظر كثيرين. ومع ذلك استمرَّت منى خليل في عملها، مُستندةً إلى شبكة من المتطوّعين والداعمين والخبراء، وإيمان بأنّ حماية الطبيعة ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى زمن أفضل.

وهبت عمرها لحماية حياة لا تحمل اسمها (أ.ف.ب)

الآن، يخرج اسمها من سياقه المُعتاد المرتبط بالسلاحف والبيئة إلى سياق بالغ الوحشية. فقد أُصيبت خلال غارة إسرائيلية استهدفت منزلها في المنصوري ولم تنجُ من إصابتها. جاء الخبر صادماً لكثيرين ممَن عرفوا عملها أو تعاونوا معها أو زاروا «البيت البرتقالي» يوماً.

يصعب فصل نهاية منى خليل عن المسار الذي اختارته لنفسها. فقد أمضت سنوات العُمر في مراقبة كائنات تبحث عن مكان آمن لوضع بيوضها ومواصلة دورة حياتها. كانت تُتابع وصولها إلى الشاطئ وعودتها إلى البحر، وتعمل على تقليص الأخطار التي قد تعترض طريقها. ثم انتهت حياتها وسط عنف يُجرّد الأرض من طمأنينتها.

وإنما إرثها لا يُختَصر في النهايات. لسنوات، لفتت الانتباه إلى ما كان يحدث كلّ ليلة تقريباً على الشاطئ من دون أن يكترث به أحد. نجحت في جعل السلاحف البحريّة جزءاً من الوعي البيئي المحلّي وربطت بين حماية الطبيعة وحماية معنى المكان. ومنى خليل كانت تعرف أنّ هذه السلاحف ستعود. هذه أكثر الحقائق ثباتاً في عملها. ما لم يكن في الحسبان، هو أن يأتي موسم جديد من دون المرأة التي أفنت العُمر في انتظار وصولها إلى الشاطئ. وعندما يحدث ذلك، سيحمل شاطئ المنصوري غياباً غير مألوف. ستبقى الأعشاش تُرصَد وسيواصل البحر مدّه وجزره، وتتكرّر الرحلة السنوية. اسمها سيغيب للمرّة الأولى.


التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
TT

التوسع في المحاصيل الزيتية تسبب في انقراض عدد من النباتات

يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)
يؤدي استخدام أراضي الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي (بيكسلز)

أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، أن 3 زيوت شهيرة، هي زيت النخيل، وزيت جوز الهند، وزيت فول الصويا، تُسهم في انقراض أنواع نباتية أكثر مما كان يُعتقد سابقاً.

وقام باحثو الدراسة المنشورة، الجمعة، في دورية «Nature Food» بتحليل بيانات عالمية حول الإنتاج والتجارة واستخدام الأراضي على مدى عقود، ومدى تهديد زراعة المحاصيل الزيتية واستهلاكها المتزايد لأنواع الحيوانات والنباتات في جميع أنحاء العالم.

وتُستخدم الزيوت المستخرجة من محاصيل مثل جوز الهند وزيت النخيل وفول الصويا في منتجات متنوعة، من مستحضرات التجميل إلى السمن النباتي والدهون القابلة للدهن، ومن الأدوية إلى علف الحيوانات. وتتزايد زراعة هذه المحاصيل الزيتية واستهلاكها، ما يُؤثر على البيئة.

في هذه الدراسة، درس الباحثون 19 محصولاً. قال شونتيان وانغ، طالب الدكتوراه وأحد المشاركين في فريق الدراسة: «تسببت 3 منها بنسبة كبيرة في الآثار السلبية وهي: نخيل الزيت، وفول الصويا، وجوز الهند».

ووفق الدراسة، تُشكل هذه المحاصيل مجتمعة نحو 75 في المائة من فقدان التنوع البيولوجي الناجم عن المحاصيل الزيتية.

وقال ستيفان بفايستر، أستاذ التقييم الكمي للاستدامة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، والباحث الرئيسي للدراسة: «من منظور حماية البيئة، يُعد فقدان التنوع البيولوجي مشكلةً لا تقل خطورةً عن تغير المناخ».

الخرائط العالمية

بدأ الباحثون بتجميع خرائط عالمية لزراعة المحاصيل الزيتية استناداً إلى بيانات الأقمار الاصطناعية والإحصاءات الزراعية ومجموعات البيانات العالمية للأراضي المزروعة. كما قاموا بحساب مدى تهديد أشكال استخدام الأراضي المختلفة لأنواع الحيوانات والنباتات.

واستخدم الباحثون عوامل فقدان الأنواع التي تُشير إلى حجم إسهام المساحات المزروعة في فقدان أنواع النباتات على مستوى العالم، وذلك تبعاً للمنطقة وكثافة الزراعة.

ويوضح بفايستر أن الباحثين سعوا أيضاً إلى تسليط الضوء على تأثير زراعة المحاصيل الزيتية عبر سلسلة التوريد العالمية. ولتحقيق هذه الغاية، ربط بفايستر وفريقه البيانات التي جُمعت مسبقاً بنموذج اقتصادي عالمي يُصوّر سلاسل التوريد الدولية، بدءاً من الزراعة، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى المنتج النهائي.

وأخيراً، حلل الفريق كيف تُسهم عوامل سلوك المستهلك، والنمو السكاني، وكفاءة الزراعة في تفاقم فقدان التنوع البيولوجي.

إنتاج الزيوت النباتية

ويُؤدي استخدام الأراضي في الغابات الاستوائية لإنتاج المحاصيل الزيتية إلى فقدان كبير في التنوع البيولوجي. ويعود ذلك، ليس فقط إلى كون المحاصيل الزيتية، مثل نخيل الزيت وجوز الهند، حصرية للمناطق الاستوائية، بل أيضاً لأن هذه الأراضي تدعم تنوعاً بيولوجياً كبيراً. وغالباً ما تبرز الحاجة إلى التوسع الزراعي، ما قد يؤدي إلى تدمير النظم البيئية، كإزالة الغابات. كما أن هذه النظم غالباً ما تكون بعيدة عن مصادر الطلب.

وكما تُظهر دراسة فريق بفايستر، فإن أكثر من نصف الآثار يُعزى إلى الاستهلاك في دول أخرى. ويُمثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة مجتمعةً أكثر من 80 في المائة من هذه الآثار الخارجية.

وبينما يستورد الاتحاد الأوروبي زيت النخيل بشكل رئيسي، يرتبط نفوذ الصين في المقام الأول بفول الصويا المستخدم علفاً للحيوانات.

ولسوء الحظ، لا يُمكن وقف فقدان التنوع البيولوجي بين عشية وضحاها، كما يُشكل الاستخدام طويل الأمد للأراضي الزراعية ضغطاً على النظم البيئية. ووفق بفايستر الذي يؤكد أنه: «حتى في حال توقف إزالة الغابات يبقى تأثير الزراعة الحالية قائماً».

الحلول المُحتملة

وللتخفيف من حدة المشكلات القائمة، توصي الدراسة بضرورة اتباع أساليب إنتاج أكثر مراعاة للبيئة، والحد من إزالة الغابات، وتبني ممارسات زراعية تحمي التربة والبيئة الطبيعية. كما يجب تغيير أنماط الاستهلاك.

ويشدد بفايستر على أن: «الاستثمار في تحسين الإنتاج وحماية النظم البيئية في بلدان المنشأ يُعدّ عاملاً مهماً».