«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
TT

«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)

إنها أميركا القرن التاسع عشر في ربعه الأخير، أو «الأرض الموعودة»؛ تلك التي قصدَها كلُ باحثٍ عن حلم أو ثروة أو مغامرة بدءاً من سنة 1870. هذه هي البلاد التي يصوّرها مسلسل «نتفليكس» الجديد Little House on the Prairie (بيت صغير على المرج)، حيث تتكاثر الشخصيات الوافدة من كل حدبٍ وصوب لتحطّ رحالها في ولاية كانساس. معظمهم غرباء عن بعضهم، تجمعهم تلك الأرضُ البِكر وأحلامٌ شخصية ووطنية كبيرة.

في قلب الحكاية المقتبسة من سلسلة الروائية لورا إنغالز، عائلتُها المؤلّفة من والدها تشارلز إنغالز ووالدتها كارولين وشقيقتيها ماري وكاري. بعد طريقٍ عاثر ورحلةٍ محفوفة بالمخاطر، حطّت لورا وعائلتها الرحال في بلدة إنديبندنس حيث يتطلّعون إلى بناء بيتهم على أرضٍ مجانية. وهناك، تجمعهم الغربة بغرباء مثلهم لكلٍّ منهم حكاية تضيف حبكاتٍ ثانويّة لافتة، إلى الحبكة الأساسية للمسلسل.

منذ العثرة الأولى أي نجاة العائلة من غرقٍ محتومٍ في النهر أثناء رحلة العبور، يتّضح المزاج العام للمسلسل. يمكن اختصاره بالقناعة التي يسير وفقها تشارلز إنغالز، والتي تقول: «الأمل هو كل شيء. هو الشيء الوحيد». كل الأزمات، مهما صعُبت، تجد الحل المناسب لها. وغالباً ما ينتهي عراكٌ أو وباءٌ جماعي أو حريق أو اختناقٌ في قعرِ بئر، برقصةٍ وأغنية على ألحان الكمان.

أرادت «نتفليكس» للمسلسل ولادةً جديدة تتميّز عن النسخة التي اشتُهرت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وعرضتها شبكة «إن بي سي» الأميركية، مع العلم بأنّ تلك النسخة التلفزيونية القديمة ما زالت تلاقي رواجاً حتى الآن.

غالباً ما تنتهي أي أزمةٍ في المسلسل برقصة وأغنية برفقة الكمان (نتفليكس)

يمكن القول إن المنصة العالمية نجحت في الرهان، ففي الشكل المسلسل متعةٌ للعين لما فيه من ثراءٍ تصويريّ يحوّل حقول كانساس الشاسعة ومغيبَ شمسِها إلى لوحاتٍ ساحرة. أما مضموناً، فالعمل عائليٌ بامتياز كما ينخفض فيه منسوب التراجيديا فاتحاً الباب أمام التفاؤل والطمأنينة، ما يمنح مُشاهَدةً مريحة.

يطرح المسلسل قضايا سجاليّة شائكة، لكن من دون التعمّق فيها ولا تشريحها على طاولة السياسة، في تجنّبٍ متعمّد للتعقيدات والتزامٍ اختياريّ بمنطقة الأمان. فروايات إنغالز كانت تتوجّه أساساً إلى قرّاء الجيل الصاعد وليس البالغين. إلّا أنّ قضية السكّان الأصليين على سبيل المثال، يُفرَد لها ما يكفي من مساحة. فبموازاة عائلة إنغالز، يتعرّف الجمهور إلى قبيلة «أوساج» من خلال عائلة ميتشل الناطقة بإحدى لهجات الهنود الحمر.

يفرد المسلسل مساحة لقضية السكّان الأصليين وحقوقهم (نتفليكس)

بعد لقاءٍ فاتر بين المستوطنين الجدد والسكّان الأصليين، تتوطّد العلاقة بين تشارلز إنغالز وويليام ميتشل. ويذوب حذر ابنة الأخير «غود إيغل» من لورا، فتصبحان صديقتَين تجسّدان بدفءٍ وبراءة التنوّع الأميركي.

الطفلة لورا إنغالز، التي تؤدّي شخصيتها ببراعة فائقة الممثلة أليس هالسي (11 سنة)، هي هديّة المسلسل وقلبُه النابض. تجسّد الخيال والإحساس والتمرّد والفطنة في آنٍ معاً. وكأنها البذرة التي سيثمر التغيير على يدِها. ترفض لورا التفرقة بين البشر على أساسِ عرقٍ أو لونٍ أو ثروة، وتذهب إلى آخر الطريق بحثاً عمّن تحب حتى وإن كان ذلك على حساب سلامتها.

أداء آسر للممثلة أليس هالسي بشخصية لورا إنغالز (نتفليكس)

من بين مَن تُصادِقُهم لورا كذلك «السيّد إدواردز» الذي يحاول ترميم نفسه والخروج من عزلته بعد خسارة زوجته وبناته جرّاء داء الكوليرا. رغم بعض العثرات، ينتهي به الأمر بإعادة اكتشاف الدفء والحنان إلى جانب عائلة إنغالز، وهو يساعدهم في بناء بيتهم الموعود.

كل شخصيات المسلسل تقريباً مسكونةٌ بماضٍ يأتيها أحلاماً وكوابيس ثم يوقظها مذعورة. لورا مشتاقة إلى جدّتها وأقربائها الذين تركتهم في ويسكونسن. أما والدُها فلا يفارقه طيف شقيقه جورج الذي انتحر شاباً، وهو يحمّل نفسه ذنب تلك الفاجعة. الوالدة كارولين مسكونةٌ هي الأخرى بصورتَي أمها وشقيقتها غير الراضيتَين عن زواجها، ولا عن تركها كل شيء والسير خلف تشارلز إلى ولايةٍ بعيدة.

كل شخصيات المسلسل مسكونة بماضٍ لا يفارقها (نتفليكس)

ليست لورا إنغالز وحدها مَن تخدم الصورة غير التقليدية التي يحاول المسلسل الجديد إظهارها. فصوت الأنثى الثائرة على واقعها وعلى مصيرها المحصور بإنجاب الأطفال والاهتمام ببيتها وعائلتها، ترفعه شخصياتٌ مثل الفرنسية لايسي أوبير الآتية إلى أميركا بكامل حريتها لتُديرَ حانةً وترتدي السراويل الرجّاليّة وتحمل السلاح.

تنضمّ إليهما صاحبة متجر البلدة، إميلي هندرسون، والتي تجسّد ببشرتها السمراء تنوّع المجتمع الأميركي. تفرض هويّتها رغم ما يظهره البعض من انعزاليّة وعنصريّةٍ تجاهها.

أما طبيب البلدة المحبوب فهو كذلك من أصحاب البشرة السمراء، أو الأميركيين الأفارقة، الذين يضعهم مسلسل «نتفليكس» في الواجهة كجزءٍ لا يتجزّأ من الصورة المسالمة والنموذجيّة لأميركا تلك الحقبة.

يرفع المسلسل صوت الأميركيين من أصحاب البشرة السمراء (نتفليكس)

رغم الحرفة الإخراجية والحبكات الجذّابة، يعاني المسلسل من مثاليّةٍ طافحة حيث يجري التغلّب على كل التحدّيات بالاتّحاد والحب والتكاتف الاجتماعي. إنها صورة بعيدة عن الواقع بعض الشيء، أو على الأقلّ غريبة عن اللحظة الحالية في الولايات المتحدة والعالم أجمع.

في «بيت المرج» ولدى جيرانه، يتصاعد التوتّر لينتهي دائماً بضحكةٍ وعناق. ثم يأتي وباءٌ جماعيّ مهدّداً عائلاتٍ بأكملها فينجو الجميع من دون أضرار. في عالم إنغالز النموذجي، تُشفى الكسور الحَرِجة بسِحر ساحر. حتى الكلاب والأحصنة الضائعة تجد طريقها إلى البيت ولو بعد شهور من التيه.

في Little House on the Prairie لا تتحوّل أي مشكلة إلى تراجيديا (نتفليكس)

لا تعكس هذه الحكاية حتماً حقيقة الصعوبات التي واجهها الأميركيون المؤسسون، لكنها تفتح باباً شاسعاً أمام المشاهدين كي يهربوا عبره من الواقع. هي استراحةٌ بصريّة من كل ما هو اصطناعيّ ومركّب، وفسحةٌ نفسيّة لضخّ الإيجابية والتفاؤل.

ويتجدّد الموعد مع مغامرات عائلة إنغالز قريباً، إذ أعلنت «نتفليكس» أنها في طور إنتاج الموسم الثاني، الذي من المرجّح أن تليَه مواسم أخرى بما أنّ سلسلة لورا إنغالز مكوّنة من 9 فصول.


مقالات ذات صلة

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

يوميات الشرق ديناميّة جديدة في العلاقة بين «إدي» و«سوزي» في الموسم الثاني من «ذا جنتلمن» (نتفليكس)

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

مسلسل الكوميديا السوداء والتشويق «ذا جنتلمن» يعود إلى «نتفليكس» في موسمٍ ثانٍ، والمافيا الإيطالية تدخل على خط تصنيع الحشيشة في دهاليز القصور التاريخية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميغان ماركل تسير إلى جانب زوجها الأمير هاري في سيدني (رويترز)

ميغان ماركل تجري محادثات للمشاركة في مسلسل جاي ريتشي على «نتفليكس»

تجري ميغان، دوقة ساسكس، محادثات للعودة إلى التمثيل من خلال ظهورها في المسلسل التلفزيوني «ذا جينتلمين» للمخرج جاي ريتشي، وفقاً لتقارير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

مروان خريسات... رحلة صانع قنابل «القيادة العامة» من حروب الظلِّ ودهاليز الاستخبارات، إلى لغز تفجير «لوكربي» الذي أعاده مسلسل «نتفليكس» الأخير للواجهة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)

«تفجير بان آم 103»... تحيّة لإنسانية أهل لوكربي بعد 38 سنة على كارثة الطائرة

مسلسل «نتفليكس» يعود بالذاكرة إلى تفجير طائرة «بان آم 103» فوق لوكربي مركّزاً على تعاطف أهل القرية الاسكوتلندية مع الضحايا وذويهم، وعلى صراع الأجهزة في التحقيق.

كريستين حبيب (بيروت)

تقنية مبتكرة تعزز ملكات التواصل لدى المصابين بالشلل

التقنية تعتمد على زرع شريط رقيق من المستشعرات على القشرة الحركية بالدماغ (جامعة كاليفورنيا)
التقنية تعتمد على زرع شريط رقيق من المستشعرات على القشرة الحركية بالدماغ (جامعة كاليفورنيا)
TT

تقنية مبتكرة تعزز ملكات التواصل لدى المصابين بالشلل

التقنية تعتمد على زرع شريط رقيق من المستشعرات على القشرة الحركية بالدماغ (جامعة كاليفورنيا)
التقنية تعتمد على زرع شريط رقيق من المستشعرات على القشرة الحركية بالدماغ (جامعة كاليفورنيا)

طوّر فريق من الباحثين في الولايات المتحدة واجهة دماغية حاسوبية مبتكرة يمكن أن تساعد الأشخاص المصابين بالشلل الشديد على استعادة القدرة على التواصل بالكلام والإيماءات الجسدية في الوقت نفسه، في خطوة قد تجعل التواصل الاصطناعي أقرب إلى الطريقة الطبيعية التي يتفاعل بها البشر.

وأظهر الباحثون في جامعة كاليفورنيا، بسان فرانسيسكو، بدعم من المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، أن الواجهة تستطيع قراءة النشاط الكهربائي في الدماغ المرتبط بمحاولات الكلام وحركات الجزء العلوي من الجسم، ثم تحويل هذه الإشارات إلى أوامر رقمية تتحكم في صورة رمزية افتراضية تمثل الجسم بالكامل، ونُشرت النتائج، الاثنين، بدورية «Nature Neuroscience».

ويعاني الأشخاص المصابون بأمراض مثل التصلب الجانبي الضموري، وكذلك بعض الناجين من السكتات الدماغية التي تصيب جذع الدماغ، شللاً شديداً قد يفقدهم القدرة على الكلام أو الحركة، ما يجعل التواصل اليومي بالغ الصعوبة. وتساعد تقنيات تتبع حركة العين بعض هؤلاء المرضى على اختيار الكلمات وتحويلها إلى كلام اصطناعي، لكنها قد تكون بطيئة ومرهقة، كما تظل قدرتها على نقل الإيماءات والتعبيرات محدودة مقارنة بالتواصل الطبيعي.

وكان الفريق قد طوّر في أبحاث سابقة نظاماً يعتمد على زرع شريط رقيق من المستشعرات، يُعرف باسم مصفوفة «التخطيط الكهربائي لقشرة الدماغ» (ECoG)، على القشرة الحركية بالدماغ. وتلتقط المستشعرات النشاط الكهربائي للدماغ، ثم تستخدم خوارزميات تعتمد على التعلم الآلي لتحويله إلى أوامر تتحكم في رأس ووجه رقميين.

وفي الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون مصفوفات «ECoG» لدى 3 أشخاص يعانون مستويات مختلفة من الشلل في الجهاز الصوتي والجسم، ووسّعوا نطاق النظام ليشمل الجزء العلوي من الجسم. وسجّلوا النشاط الدماغي أثناء محاولة المشاركين نطق عبارات محددة أو أداء إيماءات مألوفة، مثل التلويح باليد ورفع الإبهام، وكذلك أثناء محاولتهم الكلام وأداء الإيماءات في الوقت نفسه.

وأظهرت النتائج أن النشاط الدماغي الناتج عن الكلام والإيماءات المتزامنة لم يكن مجرد مجموع الإشارات المرتبطة بكل منهما بصورة منفصلة؛ فعلى الرغم من وجود بعض التداخل، كان النشاط أثناء الجمع بين الكلام والحركة مختلفاً بوضوح، ما يشير إلى أن الدماغ يتعامل مع هذا النوع من التواصل بوصفه نمطاً أكثر تعقيداً.

كما أصبحت أجهزة فك الشفرة أكثر قدرة على تفسير الإشارات العصبية عندما دُرّبت على بيانات جُمعت أثناء الكلام والإيماءات المتزامنين، بدلاً من تدريبها على كل نوع من الإشارات بشكل منفصل. وتمكن النظام بذلك من إنتاج تعبيرات متعددة في الوقت نفسه، بحيث تعرض الصورة الرمزية الكلام والحركات الجسدية معاً، وفق النتائج.

ويرى الباحثون أن أهمية هذه النتيجة تتجاوز استعادة القدرة على إنتاج الكلام؛ إذ إن التواصل البشري يعتمد أيضاً على الإيماءات وحركات الجسم التي تنقل معاني ومشاعر لا تعبّر عنها الكلمات وحدها بالقدر نفسه. ولا تزال التقنية في مرحلة مبكرة؛ إذ تعتمد على أسلاك تصل المستشعرات المزروعة في الدماغ بوحدات معالجة خارجية. ويعتزم الفريق اختبار نسخة لاسلكية مزروعة بالكامل داخل الجسم، بما قد يجعل النظام أكثر ملاءمة للاستخدام طويل الأمد لدى الأشخاص المصابين بالشلل الشديد.


امرأة لا تقف ساكنة... «السيدة باللون الأزرق» تصل إلى قلب لندن

تم الكشف عن منحوتة «السيدة باللون الأزرق» التي يبلغ ارتفاعها 5 أمتار وأبدعتها الفنانة الأميركية تشابالالا سيلف تكريماً لامرأة شابة من سكان المدن الكبرى على «المنصة الرابعة» في ميدان ترافالغار بلندن (أ.ب)
تم الكشف عن منحوتة «السيدة باللون الأزرق» التي يبلغ ارتفاعها 5 أمتار وأبدعتها الفنانة الأميركية تشابالالا سيلف تكريماً لامرأة شابة من سكان المدن الكبرى على «المنصة الرابعة» في ميدان ترافالغار بلندن (أ.ب)
TT

امرأة لا تقف ساكنة... «السيدة باللون الأزرق» تصل إلى قلب لندن

تم الكشف عن منحوتة «السيدة باللون الأزرق» التي يبلغ ارتفاعها 5 أمتار وأبدعتها الفنانة الأميركية تشابالالا سيلف تكريماً لامرأة شابة من سكان المدن الكبرى على «المنصة الرابعة» في ميدان ترافالغار بلندن (أ.ب)
تم الكشف عن منحوتة «السيدة باللون الأزرق» التي يبلغ ارتفاعها 5 أمتار وأبدعتها الفنانة الأميركية تشابالالا سيلف تكريماً لامرأة شابة من سكان المدن الكبرى على «المنصة الرابعة» في ميدان ترافالغار بلندن (أ.ب)

تبدو «ترافالغار سكوير» في قلب لندن مختلفة قليلاً هذه الأيام. ففي إحدى زواياها، تقف امرأة سوداء شابة بفستان أزرق وحذاء بكعب من اللون نفسه، تتزين بمجوهرات من الخرز الزجاجي، فيما توحي وقفتها بأنها لا تنتظر أحداً... بل تمضي إلى الأمام.

العمل البرونزي يحمل اسم «Lady in Blue» (السيدة باللون الأزرق)، وهو للفنانة الأميركية تشابالالا سيلف المقيمة في نيويورك، وسيبقى في الساحة لمدة عامين، ضمن الأعمال الفنية التي تتناوب على «القاعدة الرابعة» (Fourth Plinth)، إحدى أشهر منصات الفن العام في العاصمة البريطانية. وفقاً لشبكة «سي إن إن».

يعد هذا العمل الفني السادس عشر الذي يُعرض على «المنصة الرابعة» التي توصف بأنها واحدة من أهم مشاريع الفن العام في العالم (رويترز)

والتمثال هو السادس عشر الذي يحتل هذه القاعدة، التي تحولت على مدى السنوات إلى مساحة لاستضافة أعمال فنية معاصرة تثير النقاش، وتقف في مواجهة المعالم التاريخية المحيطة بها، وفي مقدمتها عمود نيلسون وتماثيل الأسود الشهيرة.

لكن «السيدة باللون الأزرق» لا تحاول منافسة الماضي بقدر ما تتطلع إلى المستقبل. أرادت سيلف أن تقدم امرأة معاصرة لا ترتبط بشخصية تاريخية محددة، وأن تترك للمشاهد مساحة ليرى فيها نفسه.

وقالت الفنانة قبل الكشف عن العمل إنها أرادت «لفت انتباه الجميع إلى المستقبل»، معتبرة أن العالم لا يملك ما يكفي من النصب التي تتحدث عن المستقبل المشترك الذي ينتظرنا.

«Lady in Blue» (رويترز)

ويحمل التمثال أيضاً دلالة خاصة في بريطانيا، حيث لا تزال الأعمال النحتية التي تصور النساء السوداوات محدودة للغاية. وتشتهر سيلف بتقديم الجسد الأنثوي الأسود بطريقة تفتح نقاشاً حول العرق والهوية والنوع الاجتماعي، لكنها لا تريد اختزال أعمالها في هذه القضايا وحدها.

وتقول إن ما يهمها هو أن يغادر الناس المكان وهم يشعرون بأن بإمكانهم أن يكونوا على طبيعتهم، من دون الحاجة إلى تقديم تفسير لأنفسهم أو لهويتهم.

وللفنانة تجربة سابقة أكثر قسوة في بريطانيا. ففي عام 2023، تعرض تمثالها «Seated» (جالسة) في بيكسهيل أون سي للتخريب، بعدما رُشّ جسد المرأة السوداء فيه بالطلاء الأبيض. شعرت سيلف بحزن شديد، لكنها رأت لاحقاً في الحادثة درساً حول الطريقة التي يمكن أن يعكس بها العنف الواقع على التماثيل ما يواجهه أشخاص حقيقيون في حياتهم.

وبعد الحادثة، شارك سكان المنطقة في تنظيف التمثال وإزالة الطلاء عنه، في مشهد اعتبرته الفنانة تعبيراً عن رغبة المجتمع في مواجهة مشكلاته.

أما في «السيدة باللون الأزرق»، فتبقى الحركة هي الرسالة الأوضح. المرأة لا تقف ساكنة؛ إنها تخطو إلى الأمام بثقة، في إشارة إلى الطموح والأمل وإمكانية البدء من جديد.

وتقول سيلف: «لديها رغبة في الحركة». وربما لهذا السبب تبدو المرأة، وسط زحام «ترافالغار سكوير»، وكأنها لا تقف هناك من أجل أن ينظر إليها المارة فحسب، بل لتذكرهم بأن الطريق إلى الأمام مفتوح أمام الجميع.


ما الذي خبأه قصر باكنغهام لعشرات السنين؟

قصر باكنغهام (رويترز)
قصر باكنغهام (رويترز)
TT

ما الذي خبأه قصر باكنغهام لعشرات السنين؟

قصر باكنغهام (رويترز)
قصر باكنغهام (رويترز)

ربما لا يحتاج قصر باكنغهام إلى مزيد من الأسرار، لكن أعمال ترميمه الأخيرة وجدت ما لم تكن تتوقعه فرق العمل: حذاءً قديماً، وتذكرة لحفل لعبة ورق، وقصاصة صحيفة، وقسائم مراهنات، وأشياء أخرى تبدو عادية جداً، لكنها بقيت مخبأة داخل القصر لعقود.

لم تكن هذه المقتنيات جزءاً من مجموعة ملكية أو تحف نادرة، بل أشياء تركها أشخاص عاشوا وعملوا في القصر، ثم اختفت بين الجدران وتحت الأرضيات، إلى أن أعادت أعمال التجديد اكتشافها.

ومن أكثر الأشياء إثارة تذكرة صغيرة لحفل «ويست درايف» للعب الورق، أقيم في القصر عام 1949. لم يتجاوز سعرها ستة بنسات، لكنها بقيت عالقة داخل كتلة من الطوب لأكثر من 70 عاماً، قبل أن تقع بين أيدي العمال.

وبالقرب منها ظهرت قسائم لمسابقة مراهنات على مباريات كرة القدم تعود إلى عام 1957، وعلبة سجائر فارغة، وزجاجة مياه معدنية، وحتى قصاصة من برنامج عروض مسارح ويست إند تعود إلى عام 1889. وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

وتبدو بعض هذه الأشياء كأنها بقايا يوم عادي لشخص كان يعمل في القصر، شخص ربما أنهى عمله وترك وراءه صحيفة أو علبة سجائر أو تذكرة لمناسبة اجتماعية، من دون أن يعرف أن هذه الأشياء ستبقى هناك حتى القرن الحادي والعشرين.

قصر باكنغهام مسرح للاحتفالات الرسمية والاستعراضات العسكرية (رويترز)

لكن الاكتشافات لم تكن كلها شخصية. فقد عثر العمال على وثيقة مكتوبة على آلة كاتبة تكشف عن جانب من الاستعدادات الدقيقة التي سبقت حفل استقبال دبلوماسي أقامته الملكة إليزابيث الثانية عام 1977 بمناسبة يوبيلها الفضي. وتضمنت التعليمات تفاصيل حول حركة الملكة بين الضيوف وكيفية تشجيع نحو 350 بريطانياً على الاختلاط بالدبلوماسيين.

كما ظهرت صفحات من صحيفة «ديلي إكسبريس» تتناول أفراد العصابة المدانين في قضية «سرقة القطار الكبرى» الشهيرة عام 1963، في تذكير بأن أخبار العالم الخارجي كانت تجد طريقها أيضاً إلى غرف العاملين في القصر.

وتظهر هذه الكنوز الصغيرة خلال مشروع تجديد باهظ التكلفة لقصر باكنغهام، يتضمن استبدال أنظمة كهربائية وأنابيب وتجهيزات قديمة لم تُحدّث منذ نحو 60 عاماً.

لكن ربما تكون أجمل مفاجآت المشروع ليست في الأسلاك والأنابيب التي يجري استبدالها، بل في الأشياء التي لا قيمة مادية لها تقريباً.

فالحذاء المهترئ والتذكرة القديمة وقصاصة الصحيفة تقول شيئاً مهماً عن القصور الملكية: خلف المراسم الرسمية والزيارات والاحتفالات، هناك دائماً حياة بشرية عادية، لها صحفها ومراهناتها وحفلاتها الصغيرة وأشياؤها التي قد تضيع... ثم تظهر بعد عشرات السنين لتروي الحكاية من جديد.