«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
TT

«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)

إنها أميركا القرن التاسع عشر في ربعه الأخير، أو «الأرض الموعودة»؛ تلك التي قصدَها كلُ باحثٍ عن حلم أو ثروة أو مغامرة بدءاً من سنة 1870. هذه هي البلاد التي يصوّرها مسلسل «نتفليكس» الجديد Little House on the Prairie (بيت صغير على المرج)، حيث تتكاثر الشخصيات الوافدة من كل حدبٍ وصوب لتحطّ رحالها في ولاية كانساس. معظمهم غرباء عن بعضهم، تجمعهم تلك الأرضُ البِكر وأحلامٌ شخصية ووطنية كبيرة.

في قلب الحكاية المقتبسة من سلسلة الروائية لورا إنغالز، عائلتُها المؤلّفة من والدها تشارلز إنغالز ووالدتها كارولين وشقيقتيها ماري وكاري. بعد طريقٍ عاثر ورحلةٍ محفوفة بالمخاطر، حطّت لورا وعائلتها الرحال في بلدة إنديبندنس حيث يتطلّعون إلى بناء بيتهم على أرضٍ مجانية. وهناك، تجمعهم الغربة بغرباء مثلهم لكلٍّ منهم حكاية تضيف حبكاتٍ ثانويّة لافتة، إلى الحبكة الأساسية للمسلسل.

منذ العثرة الأولى أي نجاة العائلة من غرقٍ محتومٍ في النهر أثناء رحلة العبور، يتّضح المزاج العام للمسلسل. يمكن اختصاره بالقناعة التي يسير وفقها تشارلز إنغالز، والتي تقول: «الأمل هو كل شيء. هو الشيء الوحيد». كل الأزمات، مهما صعُبت، تجد الحل المناسب لها. وغالباً ما ينتهي عراكٌ أو وباءٌ جماعي أو حريق أو اختناقٌ في قعرِ بئر، برقصةٍ وأغنية على ألحان الكمان.

أرادت «نتفليكس» للمسلسل ولادةً جديدة تتميّز عن النسخة التي اشتُهرت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وعرضتها شبكة «إن بي سي» الأميركية، مع العلم بأنّ تلك النسخة التلفزيونية القديمة ما زالت تلاقي رواجاً حتى الآن.

غالباً ما تنتهي أي أزمةٍ في المسلسل برقصة وأغنية برفقة الكمان (نتفليكس)

يمكن القول إن المنصة العالمية نجحت في الرهان، ففي الشكل المسلسل متعةٌ للعين لما فيه من ثراءٍ تصويريّ يحوّل حقول كانساس الشاسعة ومغيبَ شمسِها إلى لوحاتٍ ساحرة. أما مضموناً، فالعمل عائليٌ بامتياز كما ينخفض فيه منسوب التراجيديا فاتحاً الباب أمام التفاؤل والطمأنينة، ما يمنح مُشاهَدةً مريحة.

يطرح المسلسل قضايا سجاليّة شائكة، لكن من دون التعمّق فيها ولا تشريحها على طاولة السياسة، في تجنّبٍ متعمّد للتعقيدات والتزامٍ اختياريّ بمنطقة الأمان. فروايات إنغالز كانت تتوجّه أساساً إلى قرّاء الجيل الصاعد وليس البالغين. إلّا أنّ قضية السكّان الأصليين على سبيل المثال، يُفرَد لها ما يكفي من مساحة. فبموازاة عائلة إنغالز، يتعرّف الجمهور إلى قبيلة «أوساج» من خلال عائلة ميتشل الناطقة بإحدى لهجات الهنود الحمر.

يفرد المسلسل مساحة لقضية السكّان الأصليين وحقوقهم (نتفليكس)

بعد لقاءٍ فاتر بين المستوطنين الجدد والسكّان الأصليين، تتوطّد العلاقة بين تشارلز إنغالز وويليام ميتشل. ويذوب حذر ابنة الأخير «غود إيغل» من لورا، فتصبحان صديقتَين تجسّدان بدفءٍ وبراءة التنوّع الأميركي.

الطفلة لورا إنغالز، التي تؤدّي شخصيتها ببراعة فائقة الممثلة أليس هالسي (11 سنة)، هي هديّة المسلسل وقلبُه النابض. تجسّد الخيال والإحساس والتمرّد والفطنة في آنٍ معاً. وكأنها البذرة التي سيثمر التغيير على يدِها. ترفض لورا التفرقة بين البشر على أساسِ عرقٍ أو لونٍ أو ثروة، وتذهب إلى آخر الطريق بحثاً عمّن تحب حتى وإن كان ذلك على حساب سلامتها.

أداء آسر للممثلة أليس هالسي بشخصية لورا إنغالز (نتفليكس)

من بين مَن تُصادِقُهم لورا كذلك «السيّد إدواردز» الذي يحاول ترميم نفسه والخروج من عزلته بعد خسارة زوجته وبناته جرّاء داء الكوليرا. رغم بعض العثرات، ينتهي به الأمر بإعادة اكتشاف الدفء والحنان إلى جانب عائلة إنغالز، وهو يساعدهم في بناء بيتهم الموعود.

كل شخصيات المسلسل تقريباً مسكونةٌ بماضٍ يأتيها أحلاماً وكوابيس ثم يوقظها مذعورة. لورا مشتاقة إلى جدّتها وأقربائها الذين تركتهم في ويسكونسن. أما والدُها فلا يفارقه طيف شقيقه جورج الذي انتحر شاباً، وهو يحمّل نفسه ذنب تلك الفاجعة. الوالدة كارولين مسكونةٌ هي الأخرى بصورتَي أمها وشقيقتها غير الراضيتَين عن زواجها، ولا عن تركها كل شيء والسير خلف تشارلز إلى ولايةٍ بعيدة.

كل شخصيات المسلسل مسكونة بماضٍ لا يفارقها (نتفليكس)

ليست لورا إنغالز وحدها مَن تخدم الصورة غير التقليدية التي يحاول المسلسل الجديد إظهارها. فصوت الأنثى الثائرة على واقعها وعلى مصيرها المحصور بإنجاب الأطفال والاهتمام ببيتها وعائلتها، ترفعه شخصياتٌ مثل الفرنسية لايسي أوبير الآتية إلى أميركا بكامل حريتها لتُديرَ حانةً وترتدي السراويل الرجّاليّة وتحمل السلاح.

تنضمّ إليهما صاحبة متجر البلدة، إميلي هندرسون، والتي تجسّد ببشرتها السمراء تنوّع المجتمع الأميركي. تفرض هويّتها رغم ما يظهره البعض من انعزاليّة وعنصريّةٍ تجاهها.

أما طبيب البلدة المحبوب فهو كذلك من أصحاب البشرة السمراء، أو الأميركيين الأفارقة، الذين يضعهم مسلسل «نتفليكس» في الواجهة كجزءٍ لا يتجزّأ من الصورة المسالمة والنموذجيّة لأميركا تلك الحقبة.

يرفع المسلسل صوت الأميركيين من أصحاب البشرة السمراء (نتفليكس)

رغم الحرفة الإخراجية والحبكات الجذّابة، يعاني المسلسل من مثاليّةٍ طافحة حيث يجري التغلّب على كل التحدّيات بالاتّحاد والحب والتكاتف الاجتماعي. إنها صورة بعيدة عن الواقع بعض الشيء، أو على الأقلّ غريبة عن اللحظة الحالية في الولايات المتحدة والعالم أجمع.

في «بيت المرج» ولدى جيرانه، يتصاعد التوتّر لينتهي دائماً بضحكةٍ وعناق. ثم يأتي وباءٌ جماعيّ مهدّداً عائلاتٍ بأكملها فينجو الجميع من دون أضرار. في عالم إنغالز النموذجي، تُشفى الكسور الحَرِجة بسِحر ساحر. حتى الكلاب والأحصنة الضائعة تجد طريقها إلى البيت ولو بعد شهور من التيه.

في Little House on the Prairie لا تتحوّل أي مشكلة إلى تراجيديا (نتفليكس)

لا تعكس هذه الحكاية حتماً حقيقة الصعوبات التي واجهها الأميركيون المؤسسون، لكنها تفتح باباً شاسعاً أمام المشاهدين كي يهربوا عبره من الواقع. هي استراحةٌ بصريّة من كل ما هو اصطناعيّ ومركّب، وفسحةٌ نفسيّة لضخّ الإيجابية والتفاؤل.

ويتجدّد الموعد مع مغامرات عائلة إنغالز قريباً، إذ أعلنت «نتفليكس» أنها في طور إنتاج الموسم الثاني، الذي من المرجّح أن تليَه مواسم أخرى بما أنّ سلسلة لورا إنغالز مكوّنة من 9 فصول.


مقالات ذات صلة

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ديناميّة جديدة في العلاقة بين «إدي» و«سوزي» في الموسم الثاني من «ذا جنتلمن» (نتفليكس)

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

مسلسل الكوميديا السوداء والتشويق «ذا جنتلمن» يعود إلى «نتفليكس» في موسمٍ ثانٍ، والمافيا الإيطالية تدخل على خط تصنيع الحشيشة في دهاليز القصور التاريخية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميغان ماركل تسير إلى جانب زوجها الأمير هاري في سيدني (رويترز)

ميغان ماركل تجري محادثات للمشاركة في مسلسل جاي ريتشي على «نتفليكس»

تجري ميغان، دوقة ساسكس، محادثات للعودة إلى التمثيل من خلال ظهورها في المسلسل التلفزيوني «ذا جينتلمين» للمخرج جاي ريتشي، وفقاً لتقارير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

مروان خريسات... رحلة صانع قنابل «القيادة العامة» من حروب الظلِّ ودهاليز الاستخبارات، إلى لغز تفجير «لوكربي» الذي أعاده مسلسل «نتفليكس» الأخير للواجهة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
TT

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني في حديقة حيوان بجنوب يوركشاير.

وفي المقطع، يظهر الرئيس الأميركي مرتدياً بدلة وربطة عنق وهو يطارد النمر ويطرحه أرضاً، قبل أن يبدأ الاثنان في التعانق. وتحاكي بداية مقطع الفيديو -الذي تبلغ مدته 23 ثانية- لقطات حقيقية للحظات الأخيرة في حياة ويليام تشابمان، قبل أن يلقى حتفه إثر هجوم النمر عليه يوم السبت.

وفي مقطع الذكاء الاصطناعي الذي نُشر أمس (الثلاثاء) على منصة «تروث سوشيال» (Truth Social) التابعة للرئيس، يظهر ترمب جالساً على الأرض محاولاً صدّ «ألتاي»، وهو نمر سيبيري يزن 440 رطلاً (نحو 200 كيلوغرام)، بينما يقوم الحيوان بتوجيه ضربات بمخلبه.

ويظهر ترمب في الفيديو المُعدّل وهو يقفز ويركض خلف السنور الكبير، وقد أُرفق الفيديو بأغنية «The Lion Sleeps Tonight» لفرقة «The Tokens».

وشارك الرئيس الأميركي اللقطات الحقيقية للهجوم عبر منصته «Truth Social»، حيث أظهرت اللقطات اللحظات التي سبقت مقتل «تشابمان» إثر تعرضه لهجوم وحشي من النمر في حديقة «يوركشاير» للحياة البرية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

بعد دقيقة واحدة من نشر لقطات الهجوم الحقيقية، نشر ترمب مقطع فيديو مُجمّعاً لحيوانات مفترسة كبيرة تهاجم البشر. وتضمن الفيديو مقطعاً مُولّداً بالذكاء الاصطناعي لأسد يحطم زجاج قفصه لمهاجمة حارس حديقة حيوانات.

وطلبت شرطة جنوب يوركشاير من الجمهور عدم مشاركة «لقطات مؤلمة» لوفاة تشابمان.

تم استدعاء خدمات الطوارئ بعد الساعة 1:30 ظهراً بقليل يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن تسلق تشابمان إلى قفص النمر وتعرض للهجوم. وأُعلن عن وفاته في مكان الحادث بعد ذلك بوقت قصير.

نعت عائلة تشابمان فقيدها مساء أمس (الثلاثاء)، واصفةً إياه بأنه «ذكي، وودود، وجذاب». وفي بيانٍ لها، قالت العائلة إنه كان يعاني من «مرض نفسي حاد» لسنوات عديدة، وكان يتناول «أدوية قوية». وتابع البيان: «إن العائلة مفجوعة تماماً بفقدانه، وتكافح لاستيعاب ما حدث». وأعرب والدا تشابمان عن أملهما في أن «تبذل السلطات المختصة قصارى جهدها لكشف ملابسات ما فعله ابننا الرائع».

كان تشابمان قد نشر مقطع فيديو على صفحته في «إنستغرام» من داخل حظيرة الحيوان قبل لحظات من الهجوم، حيث صوّر نفسه وهو يقترب ببطء من السنور الضخم، وكان يُسمع صوت تنفسه الثقيل بوضوح.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «التلغراف» إلى أن تشابمان كان ممثلاً طفلاً سابقاً، وقد درس في «مدرسة جاكي بالمر للمسرح» (Jackie Palmer Stage School) في منطقة «هاي ويكومب» بمقاطعة باكينغهامشير.


مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
TT

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

الحبّ في مسرحية «بعدك» لرالف معتوق ليس مجرّد قصة رومانسية عابرة. فالمخرج يذهب إلى ما هو أعمق من معنى الحبّ، ويؤكد أنّ الحبّ وحده لا يكفي، وأنّ العلاقة السليمة بين الشريكين ترتكز على المصارحة. من هذا المنطلق، ينسج معتوق، كاتب العمل ومنتجه وبطله أيضاً، نصّاً إنسانياً مؤثّراً يضيء على موضوعات تشكّل الظلّ الذي يرافق أيّ علاقة بين اثنين. فكما تنطبق تعقيدات الحبّ على العلاقات بين الأم والأب والابن والأخ، تنسحب على العلاقة بين الشريكين والحبيبين أيضاً. ومن خلال معالجة هذه الموضوعات، يفتح العمل نافذة على علاقات تتصدّع لأسباب مختلفة، وعلى تجارب انفصال تتعدّد وجوهها، ويبقى الموت أقساها.

تتقلّب أحداث المسرحية بين تفاصيل صغيرة ومحطّات أساسية في حياة زوجين، اختار أحدهما الرحيل بقرار ذاتي. فنحن أمام قصة يُغلّفها الحبّ، بينما تختبئ تحت طبقاتها مشاعر الألم والصراع والهواجس والعُقَد. وبأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا والتعبير عمّا يدور في داخلنا. فلماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح ونعترف ونضع النقاط على الحروف، في محاولة لإنقاذ علاقة ما؟ أليس الأجدى أن نلجأ إلى المصارحة والحوار والاعتراف، لنرتقي بمشاعرنا إلى فضاء أكثر وعياً ونضجاً؟

«بعدك»... تجربة مسرحية مختلفة (رالف معتوق)

تستضيف خشبة مسرح «ديستريكت 7» في بيروت هذا العمل، من بطولة رالف معتوق ويمنى بو حنّا. ويجسّد الاثنان، بأداء متناغم ونبض شبابي، قصة حبّ رومانسية تحمل في طيّاتها خلفيات وأبعاداً طالما غضضنا النظر عنها.

وتدور أحداث العمل حول يمنى التي تعاني فقدان زوجها عاصي. فقد عاشا معاً 7 سنوات قبل أن يقرّر وضع حدّ لحياته بين عشية وضحاها. وبعد مرور 3 سنوات على رحيله، تقرّر العودة إلى الغناء، وهي هواية رغبت في ممارستها إلى جانب مهنتها الأساسية مهندسةً داخلية. لكنّ التوتر والقلق يسكنانها؛ فهي لم تعتلِ الخشبة منذ غيابه، وكانت تحتاج إلى دعمه الدائم. فتستحضره في حوار يميل إلى البوح والفضفضة، ويستعيدان معاً شريط حياتهما، طارحين أسئلة لطالما شغلت تفكيرهما، لكنّ أياً منهما لم يتجرّأ على تناولها، لاعتقادهما أنّ كلاً منهما يعرف الآخر. ومع تقدّم الأحداث، نكتشف معهما عُقَداً رافقت زواجهما، وأسراراً كبتاها في أعماقهما، ولو تمكّنا معاً من فتح صفحاتها، لربما استطاعا إنقاذ علاقتهما من الفقدان.

يقول المخرج وكاتب العمل رالف معتوق إنّ فكرة المسرحية وُلدت من أسئلة كان يطرحها على نفسه كلّما سمع بخبر فقدان أحد الشريكين للآخر. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتخيّل لقاءهما، وعمّا يمكن أن يتحدّثا، وما الذي قد يعترف به كلّ منهما للآخر. فالناس عادةً ما تتناول هذه المواضيع من باب النميمة وتأليف الأخبار، لكنها لا تغوص في العمق، ولا تبحث عمّا وراء كلّ قصة فقدان ووحدة».

تخيّل معتوق الموقف برمّته انطلاقاً من تصوّره الشخصي له، وكتبه بقلم تسيل منه المشاعر قبل الحبر. وكان هدفه أن يلامس الناس بصدق، ويدفعهم إلى الاهتمام بالحبّ قولاً وفعلاً. واختار أن يعالج العلاقة الثنائية، مشدّداً على أهمية الصحة النفسية، وفاتحاً الباب أمام تفاصيل صغيرة قد لا يعيرها المرء اهتماماً.

ويطلّ على موضوعات اجتماعية وعائلية، متوقّفاً بصورة رئيسية عند الطفولة، إذ إنّ ما نحمله من تعقيدات ومخاوف وصراعات يبدأ في تلك المرحلة. فالزوج الراحل في المسرحية كان يعاني ترسّبات نفسية، وخضع لجلسات علاج نفسي، لكنه توقّف عنها، ممّا أعاده إلى حالة من الصراع مع الذات.

وانطلق معتوق في قصته من واقع يعيشه اللبنانيون، إذ إنّ 65 في المائة منهم يعانون اضطراباً نفسياً، وإنّ شخصاً واحداً يُقدم على الانتحار كلّ يومين. وهي أرقام موثّقة، وفق النص، من جمعية «إمبرايس» (Embrace)، التي تهدف إلى تقديم الدعم النفسي والوقاية من الانتحار. وقد استند إليها معتوق في كتابة نصّ العمل.

يضيف مسرح «ديستريكت 7» بُعداً حميمياً إلى القصة. فمساحته التي لا تتجاوز 4 أمتار تولّد تفاعلاً لا شعورياً بين الممثلين والحضور، وهو ما شجّع معتوق على اختياره، لأنه يناسب قصة من هذا النوع، وكذلك تفادياً لتشتّت انتباه المشاهد. ويوضح: «اختياري (ديستريكت 7) لم يأتِ مصادفة. فالقرب من الجمهور، ومن مسافة مختصرة جداً، يزيد من متابعة العمل بدقّة».

تحضر يمنى بو حنّا في المسرحية بمواهب متعدّدة من بينها الغناء (رالف معتوق)

وتترك المسرحية أثرها في مشاهديها، إذ توقظ لديهم وعياً بأهمية العلاقات الإنسانية عموماً. وهو ما يؤكده معتوق، قائلاً: «سعدتُ بهذه النتيجة، إذ تلقّيت ردود فعل مباشرة من الحضور. فقد أكّدت لي إحدى السيدات أنها، ما إن تصل إلى بيتها بعد العرض، حتى تذهب لتقبيل أطفالها النائمين، كي لا يفوتها التعبير عن حبّها لهم. واعترفت سيدة أخرى بأنّها لن تؤجّل بعد اليوم احتضان أخيها وشقيقتها ومعانقتهما. فالحبّ يكون بالقول والفعل، ويأتي قبل الخبز أحياناً». أمّا عن أهمية المسرحية من الناحية المهنية في مشوار رالف معتوق، فيوجزها: «لا تشبه أيّ عمل آخر سبق أن كتبته أو أخرجته. انطلقتُ من موضوع حميم ودافئ، ليشكّل العمل تجربة خاصة لكلّ مَن يشاهده».


لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
TT

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)

تزاحم المئات في هونغ كونغ، الثلاثاء، لمشاهدة لوحة لفنسنت فان غوخ لم تُعرض على الجمهور منذ أكثر من 6 عقود، وذلك قبيل بيعها في مزاد تنظّمه دار «سوذبيز» في نيويورك، إذ يُتوقّع أن تُحقّق نحو 180 مليون دولار.

ووفق «رويترز»، من المقرّر أن يختبر المزاد، الذي سيُنظّم في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، متانة سوق الفنّ الراقية، التي ظلّ فيها هواة الاقتناء يتنافسون على الأعمال النادرة المرموقة، من دون أن تثنيهم حالة عدم اليقين الاقتصادي السائدة.

وتُعدّ لوحة «شاتينييه إن فلور» أو «أشجار الكستناء المزهرة»، التي رُسمت في مايو (أيار) 1890، من أبرز أعمال الفنان الهولندي في أيامه الأخيرة في قرية أوفير سور واز الفرنسية، التي لفظ فيها أنفاسه بعد نحو شهرين، وهو في الـ37 من عمره.

واللوحة على وشك تسجيل رقم قياسي جديد في المزادات لأعمال فان غوخ، وفق سكوت نيشيل من قسم الفنّ الحديث والمعاصر في دار «سوذبيز» بنيويورك.

في اللوحة ربيعٌ لا يشبه خريف صاحبها (رويترز)

وقال: «هذا عمل يتجلّى فيه تفاؤل استثنائي وطاقة محمومة وحماسة وشغف وألوان زاخرة في مسيرة الفنان الإبداعية».

واللوحات التي أنجزها فان غوخ في مرحلة «أوفير سور واز» الأخيرة، بُعيد خروجه من مصحّة للأمراض النفسية في «سان ريمي دو بروفانس»، نادراً ما تُطرح في المزادات، وسيستقطب هذا الحدث اهتمام هواة الاقتناء والمتاحف والمستثمرين.

وقالت عاشقة الفن البالغة من العمر 50 عاماً، لي شانشان، التي قطعت نحو ساعتين ونصف الساعة قادمةً من مدينة شنتشن الجنوبية لمشاهدة اللوحة: «لم أسمع بهذه اللوحة من قبل، فأردت أن أراها بعيني».

وستُباع اللوحة، التي تُصوّر شجرة كستناء ضخمة مزهرة بتاجٍ من الأزهار يهيمن على التكوين بأسره، ضمن مجموعة من 12 لوحة طال غيابها عن الأنظار، تضمّ أعمالاً لبول سيزان وكلود مونيه.

وشملت الأعمال الخمسة التي كُشف عنها في دار «سوذبيز» بلندن أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي لوحة «هارلكين» للفنان سيزان، ولوحة «حديقة التويلري» للفنان مونيه.

وبعد رحيل فان غوخ في يوليو (تموز) 1890، انتقلت لوحة «شاتينييه إن فلور» إلى شقيقه ثيو، ثم إلى أرملة الأخير يوهانا فان غوخ بونغر وابنهما فنسنت ويليم.

ثم آلت ملكيتها إلى الناشر الألماني صامويل فيشر، مؤسّس دار «إس فيشر فيرلاغ»، قبل أن تنتقل إلى مجموعة جورج «بادي» ديسيلفا، كاتب الأغنيات الأميركي ومنتج الأفلام والمؤسِّس المشارك لشركة «كابيتول ريكوردز».

وعام 1953، اقتنت اللوحة جامعة الأعمال الفنية هارييت هاريس جوناس، التي كانت مجموعتها تحظى بأهمية دفعت متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك إلى تنظيم زيارات لرعاته لمشاهدة أعمالها في شقتها على جادة فيفث أفينيو.

وعام 1975، انتقلت اللوحة إلى عائلة بلاكييه، التي اقتنتها من تاجر الفن وايلدنشتاين.