عودة «كونفوشيوس»

عودة «كونفوشيوس»

الجمعة - 23 ذو القعدة 1442 هـ - 02 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15557]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"

احتفلت بلاد التنانين، بالمئوية الأولى لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني. شاءت الصدف أن تأتي الاحتفالية بعد عام ونصف من الجائحة، خارت خلالها اقتصادات، وكسدت أسواق، وتحطمت مسلّمات، وتحولت الصين التي شفيت في وقت قياسي، إلى مزود لبقية العالم باحتياجاته، ولقاحاته وكماماته، وأجهزته الإلكترونية. خطب الرئيس الصيني شي جينبينغ، موجهاً كلامه إلى «الأمة الصينية العظيمة»، وهو يتربع على ثاني أكبر اقتصاد في العالم. الصين التي كانت مضرب مثل في الفقر والقهر والظلم والموت، تحولت إلى مشتهى في ازدهارها وموضع فضول وتساؤل: كيف تغلبت أمة المليار ونصف المليار على عجزها؟
لم يذكر الرئيس الصيني مرة واحدة اسم «كونفوشيوس»، المعلم الأكبر، الذي عاد إلى حياة الصينيين ملهماً، ورمزاً قومياً. لكن عبارات الرئيس لم يغب عنها الكلام عن «التراث» و«التاريخ الطويل من خمسة آلاف سنة»، و«الحضارة العظيمة» و«التقاليد». كان الحكيم الأيقونة قابعاً في ظل الكلمات، ويطل من بين الجمل، كأنه الحاضر المقيم.
على عكس ماو تسي تونغ، بثورته الثقافية، التي حطمت تلك الموروثات وهمّشتها، تعود الصين منذ ثمانينات القرن الماضي إلى ذاتها، تستولد روحها من ملهمها، الذي نُحيَّ جانباً لفترة طويلة. ترجع إلى تعاليمه، لا للتعبّد والتقديس، بل للاستعانة به في رسم ملامحها الإنسانية وأخلاقها وقيمها، ومسارها بين الأمم.
كونفوشيوس لم يدّعِ نبوة، وإنْ رُفع إلى مصافّ الآلهة في بعض الفترات. فهو صاحب مذهب إنساني قبل أي شيء آخر. وفي حواراته الشهيرة الكلمة الأولى هي «تعلّم». وصية يُنظر إليها في الصين الحالية، كمنقذ من الضلال. وأهم ما يجب أن تتعلمه هو أن «تكون إنساناً» فتلك ليست عطية نتوارثها أو نولد وهي من عجين فطرتنا، وإنما سلم نرتقيه ونختبره، بصحبة الآخرين ومعية شخص واحد آخر على الأقل. إذ لا إنسانية بصيغة المفرد، على المنوال الغربي، وإنما تأتينا من فعل التقاء ونحت واختبار مع الآخر.
تخرج الصين منتصرة بعد قرن من الدمار والإذلال، استمر من حرب الأفيون عام 1860 إلى الخروج منهكة من نظريات ماو تسي تونغ التدميرية. تكالبت عليها قوى الاستعمار، أُخضعت بمعاهدات، شُرذمت، وأُفقرت. تتالت محاولات الإنقاذ الوطنية، لكن التجاريب، ولو كانت مخلصة، تتعثر وقد لا تولِّد، وهي غير ناضجة بعد، سوى مزيد من الفشل.
وجدت الصين أخيراً، الخلطة السحرية التي يصفها شي جينبينغ على النحو التالي: «تطبيق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، والالتزام بالدمج بين المبادئ الأساسية للماركسية والواقع الملموس الصيني والثقافة التقليدية الممتازة، والعمل على مراقبة مستجدات العصر ومواكبتها، ومواصلة تطوير الماركسية في الصين المعاصرة للقرن الحادي والعشرين». لم يعد رجالات الصين آيديولوجيين قساةً كما عهدناهم، صارت لهم مرونة وليونة مستقاة، من تقاليدهم القديمة، ومن طبيعة لغة الماندرين، التي لا تعثر في قاموسها كله على مفردة «مطلق». فكل ما حولنا نسبيّ ومتحول. ولا يستخدم الصيني كما جنابنا، كلمات تدل بشكل جازم على إيجاب أو نفي، بل يترك إجابته في خانة الاحتمالات الكثيرة الممكنة.
كونفوشيوس بنى حكمه الأخلاقية البديعة، أساساً لا على المثاليات التي أغرقت الصين والشرق كله بالعبث، وإنما على حسن معرفة التعامل مع الواقع، تدجينه، فهمه، استيعابه، التعامل معه بتحرر من القرارات المسبقة. وهذا أحد أسرار الصين الحديثة، وقد يكون الفكر الديناميكي، وراء الابتكار الغريب الذي حيّر المنظّرين ألا وهو «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية». مصطلح ذكره الرئيس ما يزيد على عشر مرات في خطابه التاريخي. إنها اشتراكية السوق، وماركسية الانفتاح، ويمكنك أن تخلط ما تشاء بما تريد، ما دام الأمر يذهب بك إلى ما هو أفضل وأسمى. تلك حيوية فكرية، لا تأتي من فراغ. «المجتمع الاشتراكي المتناغم» هدف لا بد من الوصول إليه. والتناغم عند كونفوشيوس ليس بين البشر فقط بل بين الإنسان والطبيعة بالدرجة الأولى. فغضب الطبيعة قد يكون مدمراً. والفطنة هي في إيجاد الحلول بالاستعارة من الخارج عند اللزوم، لكن الصيغة النهائية تُستخلص من مصالحة هذا المستعار مع الموروث، مع معتقدات، عاشتها الصين آلاف السنين واكتشفت أنها لن تبلغ الخلاص بالطلاق معها بل بتناغم ماضيها مع العصر.
من سوء حظنا أننا لا نعرف من الصين سوى منتجاتها، ولا نقاربها ثقافياً إلا من خلال عيون غربية رسمت لهذا البلد صورة استشراقية مشوّهة -كما تقول المؤرخة الفرنسية آن تشانغ- لا تقلّ استعلاءً بروحها الاستعمارية عن التي رسمتها للمنطقة العربية وشرحها إدوارد سعيد بمهارة. صارت الصين في أعين المستعمر المندحر، بعد صعودها، هي «الشيء الذي يحب أن يكرهه» حتماً لا بسبب الديكتاتورية، ولا انتهاك حقوق الإنسان، فتلك شعارات وحجج، تسقط عند أول اختبار، بل لأن الصين المهيضة الجناح، المكسورة، الرقيقة، الهشة، نبتت لها أجنحة، وهي تهدد بالطيران أعلى ممن ظنوها إحدى ممالكهم الأبدية.
هذا لا يعني أن بلاد شي جينبينغ ستحتفل بمؤيتها الثانية بأبهى من الأولى تحت مظلة أكبر حزب في العالم يضم 45 ألف عضو كما وعد الرئيس... فلهذا البلد مشكلاته وعثراته؛ من إثنياته، إلى انقسامات التيارات فيه التي بدأت تعوم على السطح، إلى الحركات الاحتجاجية، من عمالية وتداعي بعض البنى التحتية. لا شيء نهائياً، والمتغيرات تضرب الصين بسرعة كما كل ما حولنا. لكن من المؤسف حقاً، أننا لا نريد أن نتعلم شيئاً، من تجربة تشبهنا، في انحداراتنا وانكساراتنا، والتيه، أكثر من دول عددناها مثلاً ونموذجاً، ولا نزال نتمسك بها كأنها الملجأ النهائي والوحيد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو