ما يجري في المنطقة: الفرص الثمينة قد لا تتكرر!

ما يجري في المنطقة: الفرص الثمينة قد لا تتكرر!

السبت - 3 شوال 1442 هـ - 15 مايو 2021 مـ رقم العدد [15509]

كعادتها كانت السعودية في الفترة الماضية في قلب الأحداث وقبلة الدبلوماسية والمكان الذي تصاغ فيه الترتيبات الإقليمية وحلحلة الملفات العالقة. هذه هي الأجواء وما أدراك ما الأجواء! ثمة حراك ملحوظ ومفاجئ وجولات ولقاءات وأحاديث حول تفاهمات وانفراجات وتوافقات في منطقتنا. صحيح أنه لم تعلن تفاصيل عما يدور ويجري، إلا أن ما يلوح في الأفق كاف ليكشف حجم الزخم والتوقعات بفتح قنوات تواصل وطاولة حوارات بين العديد من دول المنطقة بما فيها دول إقليمية مؤثرة.
بعض المحللين يرون أن هناك أجواء تهدئة وربما مصالحات أو حل للخلافات، أو ما يسميه البعض إطفاء الحرائق في المنطقة، وقد يكون في هذا بعض الصحة، إلا أن الأكثر صحة أن حديث ولي العهد السعودي الأخير جاء كانعطافة لافتة بما تضمنه من مبادرة لحل الأزمة اليمنية وخطابه الجديد تجاه إيران؛ ما شكل تحولاً مهماً في مسار الملفات القائمة وطبيعة الخلافات وتداعياتها. تزامن ذلك مع جولات حوار سعودي – إيراني، وكذلك رغبة تركية في المصالحة بإصلاح العطب الذي ارتكبته بحق العلاقة مع السعودية. انطلق أيضاً نقاش صريح وجاد لمعالجة الأزمة التركية - المصرية. كان واضحاً الإصرار التركي بحل الأزمتين؛ بدليل زيارة وزير خارجيتها للرياض ونائبه إلى القاهرة. شهدنا أيضاً لقاءات خليجية - خليجية لإكمال ملف المصالحة الخليجية، وكان ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد قد زار جدة، وكذلك فعل أمير قطر الشيخ تميم والتقيا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. الأمير خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع السعودي، قام بزيارة مهمة للعراق أعطت دفعة كبيرة للعلاقات وتكثيف الجهود لمواجهة «داعش». وهناك أنباء غير مؤكدة عن عودة سوريا للحضن العربي وإن كان لم يعلن أي شيء رسمي حتى الآن.
هل ما يجري مصالحات أم انفراج وقتي في ملفات إقليمية تدعمها وتقف خلفها إيران وتركيا؟ لا نعلم على وجه الدقة، ولكن القراءة الموضوعية تحيل إلى عدم رفع سقف التفاؤل، وليس المهم أيضاً المسميات بقدر ما يرشح عن تلك اللقاءات من توجهات وقرارات وتغيير مسارات تصب في تعزيز التهدئة والحوار والتوافق، وبالتالي الخروج من أجواء الحرب الباردة أو الحرب بالوكالة وكل مناخات التوتر والقطيعة لتدخل منطقتنا عصر الأمن والاستقرار وتتفرغ دوله للتنمية والرفاهية.
تأمل ما يحدث في عالمنا العربي تجده مشهداً لا يخلو من فوضى ونزاعات وأزمات وصراعات ذات امتدادات إقليمية ودولية. انظر لأزمة العراق المستمرة بتدخلات خارجية وممارسات ميليشياوية خارج القانون، واحتجاجات كربلاء الأخيرة ورسالتها الواضحة ضد إيران، ولا تحتاج إلى بلّورة سحرية لتعرف من يعرقل أزمة اليمن، فكلما طرحت مبادرات جادة وقُطعت أشواط في المفاوضات واقتربنا من الحل تعنت الحوثي كعادته وماطل منفذاً أوامر طهران، في حين أن لبنان ما زال يحقق الرقم القياسي في عدم قدرة زعاماته على تشكيل حكومة والمواطن اللبناني هو الضحية، ولا يفوتك ما يدور في ليبيا وصراع الأطراف في تفاصيل الملفات الأمنية والعسكرية رغم التقدم الجيد على المسار السياسي، في حين يظل ملف الأزمة السورية الملف الأكثر إيلاماً لأنه طال أمده بسبب تعدد مصالح أطراف إقليمية ودولية من جهة وتجاهل أطراف أخرى لما يحدث هناك من جهة أخرى.
لحظة فاصلة تعيشها المنطقة اليوم تستدعي من الجميع أن يغتنم الفرصة، وخاصة تركيا وإيران اللتين اقترفتا بعض الأخطاء السياسية التي لم تثمر سوى التصعيد والتأزيم والمساس بسيادة وأمن واستقرار دول الجوار، ناهيك عما قامتا به في بعض الدول الافريقية (تركيا في ليبيا، وايران في المغرب) من تدخلات. لسنا اليوم بصدد المحاسبة وجرد التجاوزات ودعونا ننظر إلى نصف الكوب الممتلئ ولا يعني ذلك أن نتجاهل النصف الفارغ ولكن قد نعيش بارقة أمل في المنطقة. ما يحدث تحول غير عادي لأنه يسير في مسار متشابك مع بقية الملفات، وبالتالي المخرجات في حال نجاح الحوار واللقاءات لن تكون مقتصرة على هذه القضية أو تلك، بل على عموم الملفات الملتهبة؛ لأن من يمسك مفاصل هذه القضايا هم أنفسهم المعنيون بالحوار. قد تكون هي انفراجات سياسية، رغم سحب التشاؤم والغموض، وقد تساهم في تغيير ما هو قائم لما هو أفضل، خاصة ما يتردد عن تفاهمات ما زالت تنضج على نار هادئة، وليس بالضرورة أن تؤدي إلى معالجات نهائية الآن وليس المطلوب أن تكون كذلك. نعلم أن أمراً كهذا ليس هيناً ولا باليسير تحقيقه في فترة وجيزة، بل يحتاج إلى وقت طويل وتكثيف الحوار والبناء عليه. غير أن ما يزيد من تعقيد المشهد رغم الضوء في نهاية النفق أن دولاً كإيران وتركيا من الصعوبة بمكان الوثوق بمدى التزامهما استناداً إلى تجارب سابقة، بل إن هناك من يتهم الدولتين بأنهما تمارسان تكتيكاً مؤقتاً بسبب الضغوط عليهما، وأنهما سرعان ما ستعودان إلى أساليبهما القديمة عندما تتحسن ظروفهما، وربما هذا ما يفسر تريث السعودية في ردة الفعل إزاء المبادرة التركية التصالحية أو حتى التعاطي مع التصريحات الإيرانية الإيجابية، وهذا حق مشروع لها كونها تريد اختبار رغبة الدولتين ومدى جديتهما.
البعض يرى أن إيران لم تكن جادة في السلام والحوار خلال العقود الماضية، فما الذي يجعلها تظهر بصورة مغايرة، وما الجديد هذه المرة؟ هناك اعتقاد يقول إن إيران تمر بوضع اقتصادي كارثي غير مسبوق وترى أن إدارة الرئيس بايدن لا تختلف عن إدارة سلفه ترمب ويبدو أنها لا مناص من القبول بما يطرح في فيينا من تعديلات حول الاتفاق النووي وكذلك الانفتاح على دول الجوار. كما أن تركيا تمر بظروف ضاغطة منها الداخل التركي وظروف اقتصادية والانتخابات القادمة ما يجعلها تصرّ على إصلاح العلاقة مع السعودية؛ كونها تعوّل عليها كدولة وازنة ومهمة لها.
على أي حال، هذا المناخ قد يولد استقراراً وسلاماً لم تعشهما المنطقة من قبل ومتى ما توفرت الإرادة الجادة والبحث عن مخارج توفيقية فقد تخرج المنطقة من حالة اللاسلم اللاحرب التي استنزفت مقدرات دول المنطقة.
قواعد اللعبة الدولية أيضاً هي في طور التغيير مع قدوم إدارة جديدة في البيت الأبيض ما يعني تموضعاً جديداً للسياسة الدولية في منطقتنا والمؤشرات تدفع باتجاه دعم حالة الانفراجات وما يدور في الكواليس الدولية يعزز الجدية بضرورة غلق الملفات الملتهبة؛ لأنه من الصعب أن يستمر الوضع بهذه الصورة.
من الصعب التنبؤ بما سيحدث في القادم على اعتبار أن أزمات المنطقة متداخلة، فلا يمكن الفصل ما بينها أو التعاطي معها بطريقة منفردة؛ فالحل الشامل يحتاج إلى إرادة والتزام وجدية تستغل الفرص الثمينة التي قد لا تعوض مستقبلاً؛ ولذا دعونا ننتظر ونرَ.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة