استحالة الفيدرالية في غياب نقيضها

استحالة الفيدرالية في غياب نقيضها

الخميس - 24 شهر رمضان 1442 هـ - 06 مايو 2021 مـ رقم العدد [15500]

بين تأسيس لبنان وثمانينات القرن الماضي، كان السجال حول الكيان السياسي بين المسلمين والمسيحيين يقيم بين حدين أقصيين: التلويح بالتقسيم والفيدرالية من جهة الأولين، والمطالبة بالوحدة العربية أو الانضمام إلى سوريا من الطرف الثاني. لكل من الجانبين مآخذه على لبنان الذي تتطلب إدارته سلمياً إجادة لفنون التوازن (والتكاذب) ومزيجاً من الممارسات السياسية الحديثة والعشائرية وإضمار الاستعداد للجوء إلى العنف في كل حين.
تسوية الاستقلال عن فرنسا قالت إن على المسيحيين التخلي عن حلمهم بالبقاء في ظل الحماية الفرنسية والغربية عموماً، مقابل تخلي المسلمين عن طموحات الوحدة العربية أو السورية. وكان صائباً تعليق الصحافي جورج نقاش أن «نفيين لا يصنعان أمة»، حيث كان خطاب التقسيم وطلب الحماية الغربية للمسيحيين يواجهه التهديد بالوحدة سواء مع الجمهورية العربية المتحدة الناصرية أو مع سوريا البعثية.
كانت خطابات الانكفاء (حتى عندما تتخذ صفة الانفتاح على العالم الغربي أو العربي) تزداد مع كل أزمة تقع فيها صيغة الحكم في لبنان. وليس غريباً أن يصل الخطاب هذا إلى ذروته أثناء الحرب الأهلية لينكفئ انكفاء واسعاً بعد اتفاق الطائف الذي جمع عروبة لبنان بنهائية الكيان. فبات مخالفاً للدستور الذي عُدّل ليتلاءم مع «الطائف»، إنكار انتماء لبنان العربي والدعوة إلى الوحدة العربية في الوقت ذاته. كرّس «السلام السوري» بين 1990 و2005 نموذجاً مشوهاً لهذه الفكرة من خلال قمع المسيحيين وبدرجة أقل باقي الطوائف واستتباع الجميع لخدمة مصالح الحكم في دمشق والتي كان لا يقبل شراكة من أحد في تحديدها أو تعريفها.
وعلى جاري عادة قديمة، طرح الانهيار السياسي والاقتصادي الحالي البحث في شكل الكيان للنقاش من جديد، وتتصدر وسائل الإعلام كل يوم تقريباً مقابلات ومقالات عن مشاريع الفيدرالية يتحمس للدفاع عنها في الغالب حقوقيون وأكاديميون مسيحيون يرون أن بقاء لبنان دولة مركزية بعد الفشل الذريع لتجربته منذ الاستقلال مروراً بكل الحروب والنزاعات وصولاً إلى الوضع الحالي، يؤكد من دون لبس استحالة تعايش الجماعات اللبنانية مع بعضها في نظام سياسي مركزي تقليدي، مع العلم أن اللامركزية الإدارية الموسعة هي إحدى النقاط التي ركّز اتفاق الطائف عليها. بيد أن وجود هذه النقطة في اتفاق جرى نعيه وإعلان موته، لا يكفي لإعادة النظر في الدعوات الفيدرالية.
أنصار الفيدرالية ما زالوا يمارسون حقهم في شرحها وتسويغها والدعوة إليها رغم اعتراضات وجيهة سيقت في السابق، وهي أن الفيدراليات تحافظ في العادة على ثلاثة مكونات من السلطة الموحدة ولا تمسها؛ وهي المال والسياسة الخارجية والدفاع، في حين أن المكونات هذه تقع في صلب الانقسام اللبناني الحالي. والاعتراض الثاني أن الجماعات الطائفية اللبنانية تنطوي كل واحدة منها على تناقضات كفيلة بتفجير حرب أهلية صغيرة إذا لم تجرِ تسويتها. فالحرب الأهلية اللبنانية لم تكن فقط قتالاً بين لبنانيين وغير لبنانيين ولا بين أبناء طوائف مختلفة فحسب، بل أيضا سلسلة من الحروب بين تشكيلات تنتمي إلى طائفة واحدة («حرب الإلغاء»، حرب «أمل» و«حزب الله»، معارك حركة التوحيد للسيطرة على طرابلس... إلخ.). وأخيراً، تكثر الدعوات الفيدرالية من البحث في قدرة كل مكون على تدبر أمره بمفرده لكنها تُهمل إمكان حياة دولة فيدرالية متباينة مستويات التنمية وسط عواصف الولاءات الأهلية والخارجية.
لكن هذه الاعتراضات المعروفة، على أهميتها، تغفل أن إعادة النظر في الكيان اللبناني يجب أن يقابلها خطاب ما، سيان أكان وحدوياً عربياً أو إسلامياً أو أممياً بروليتارياً. والحال أن الوضع العربي قد حرم أصحاب الطرح المقابل كل فرصة لبناء خطابهم النقيض. لا مجال للحديث عن وحدة عربية اليوم والعالم الإسلامي منقسم ومشتت، فيما تحمل قوى إرهابية دموية راية المشروع الإسلامي السياسي. ولا نموذج أممي يستحق هذا الاسم ليتيح المجال أمام العلمانيين واليساريين الترويج له كمخرج من المأزق اللبناني.
وخلافاً للطريقة السائدة في الفكر السياسي اللبناني، أي ابتكار مكونات أكثرها متخيل ثم السعي إلى إنزالها إلى أرض الواقع، فإن خطاب الفيدرالية كي يتقدم ويكسب أرضاً عبر الحوار السياسي مع الطوائف والقوى غير المسيحية (المسلمة أو العلمانية واليسارية) يحتاج، للمفارقة، إلى خطاب نقيض. تماماً مثلما شكّل التناقض بين دعوتي الحماية الغربية والوحدة العربية دافعاً إلى التسوية التاريخية في 1943.
دمار المشروع الوحدوي العربي وفشل الإسلام السياسي وانعدام وزن الأحزاب العلمانية، تترك كلها طروحات الفيدرالية وحيدة على ساحة النقاش النظري. لكنها وحدة لن تنعم بانتصار ولا بتحقيق أهداف أصحابها؛ ذلك أن استحالة قيامها كانت تتطلب استحالة مقابلة، كاستحالة الوحدة العربية أو الخلافة الإسلامية أو الجمهورية الشعبية، لتستطيع كل من الاستحالتين التقدم إلى التسوية الوسطية.
وعليه، لن يجد البرم المسيحي من فشل الدولة اللبنانية في تحقيق تصور المسيحيين عن أنفسهم نهاية قريبة له. ولعلها واحدة من مآسي اللبنانيين أن تكون مصائرهم متداخلة بحيث يخنق اللبنانيون بعضهم بعضاً ببؤسهم المشترك، على عكس أفكارهم السارحة في الخيال.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة