خلاص.. خلاص.. خلاص

خلاص.. خلاص.. خلاص

الخميس - 8 ذو القعدة 1434 هـ - 12 سبتمبر 2013 مـ رقم العدد [12707]

للكلمات سحر لا يفوقه أي سحر. الكلمة تؤثر والمستمع يتأثر. وحين أمر الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم أن «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، أصبح الأمر فرضا على الإنسان أن يستمع وأن يقرأ.

حكايتي مع الكلمة امتدت عبر السنين. وإن صدق ما أكدته لي أمي، فأنا كنت طفلة اختصرت المسافات في السعي نحو الكلمة بحيث إنني تكلمت قبل أن يكتمل العام الأول من حياتي.

ولا أبالغ إن افترضت أنني كنت أسعى نحو الكلمة والكلمة تسعى نحوي إلى أن عثرت عليّ وأسبغت عليّ نعمة لا تعادلها أخرى. أبتسم خجلا ودهشة حين أتذكر أنني كنت أراسل المجلات الأدبية وأنا في الرابعة عشرة أملا في أن أصير كاتبة. وكم كتبت من الشعر أردأه في تلك المرحلة قبل أن أتسلح بالعلم والمعرفة. ثم جرفني تيار الدراسة فنسيت ذلك الطموح مؤقتا إلى أن دعتني الكلمة إلى بلاط صاحبة الجلالة. ودعاني رئيس التحرير، طيب الله ثراه إلى مكتبه يوما ليقول: أنتِ كاتبة بالفطرة فلمَ لا تكتبين عمودا تشاركين به الناس بالفكر والإحساس؟! ففعلت.

الكلمة لها فضل عليّ في العمل. وهو فضل لا يمكن إنكاره. وامتد الفضل أيضا إلى الحياة الشخصية. فمن القصص المتداولة في حياتي الأسرية أن والد ابنتي رآني لأول مرة منكبة على كتاب أقرأه والنظارة الطبية جالسة بهدوء على أرنبة أنفي. قال إنني كنت غائبة عن كل شيء سوى صفحات الكتاب. وفي ذلك اليوم أحب فيما رأى وأصر على الزواج بي بمثابرة وإلحاح كان لهما أبلغ الأثر في نفسي فقبلت الزواج به.

ورغم مضي قطار العمر ما زلت أحب الكلمة المكتوبة، وعلى وجه الخصوص أحب قراءة القرآن. وقد أدركت أن قراءة القرآن والاستماع إلى القرآن المرتل في الوقت نفسه هما وسيلتان محببتان للحفظ وتحاشي الخطأ في اللفظ والتشكيل.

أتصور أن الكلمات هي حبات من اللؤلؤ النفيس نشكل منه تكوينات تعجبنا وتدهشنا وترضينا، نصونها داخل علبة مغلقة في خزانة العقل. بين حين وآخر يحلو لنا أن نهز العلبة فتصدر من داخلها خشخشات موسيقية تمتعنا وتشجينا.

وقد يكون الدرس الأول الذي مارسته كأم هو التأكيد لابنتي أن تحتفظ بموسيقى الكلمات داخل علبة اللؤلؤ، وأن تحتمي بتلك الموسيقى من الإحساس بالعزلة والوحدة. فالكتاب خير جليس، والمعاني خير ونيس. والمهم هو أن نختار من اللؤلؤ أفضله.

وكبرت البنت وكبر معها معنى النصيحة فأصبحت تهديني كتبا وتلح عليّ أن أقرأها.

صباح هذا اليوم الجميل اكتشفت كلمة ذات معنى كتبته على جدران قلبي بحروف من نور. سمعت نفسي ألفظ تلك الكلمة وأنا أغادر مبنى مستشفى السرطان، حيث خضعت للعلاج على مدى ثمانية أشهر ونصف الشهر. كان صباح اليوم هو اليوم الأخير في علاجي. وفي نهاية الجلسة العلاجية الأخيرة كانت الممرضات يتحركن من حولي كفراشات بيضاء ويبتسمن لي مشجعات ويهنئنني على اكتمال مراحل العلاج. وحين دفعت باب الخروج بقوة رنت الكلمة في أذنيّ وتسللت إلى القلب والوجدان. فسمعت نفسي أقول بعزم ورجاء: خلاص.

فما هو معني كلمة «خلاص»؟ خلاص تعني أن شيئا ما انتهى واكتمل. وإذا قيلت بشيء من الحزم فمعناها انتهينا ووضعنا حدا لخصومة أو شجار. والخلاص هو أيضا نجاة من كرب عظيم. والخلاص يفترض أن المخلِّص يخلصنا من الويل والثبور وعظائم الأمور. والمخلِّص هو الله الكريم الحليم العفو الرحيم.

قلت: خلاص. فقال زوجي: مبروك. فقلت: ولكني خائفة أن أطلق لفرحي العنان. فقال: هل أكرمك ربك؟ قلت: نعم. فقال: اشكري النعمة ولا تفقدي يقينك بكرمه.

وارتدت بي الذاكرة إلى بداية المشوار، إلى تورم الساقين واصطكاك الأسنان والعزوف عن الطعام وفقدان حاسة التذوق واختفاء وميض العينين واكتساب الوجه لونا طينيا جعل من المرايا عدو الداء. تذكرت أن زادي في تلك الأزمة كان يقيني بأن الله قريب مجيب. وقد دعوته ألا يحملني ما لا طاقة لي به.

مضت مرحلة العلاج وفي صباح هذا اليوم الجميل ما بين: الخلاص، والحمد لله تجدد حبي للكلمة التي أسمع وتلك التي أقرأ، وكلمة أهمس بها في قلب الليل أن يرحمني من كتب على نفسه الرحمة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة