خمسة أعوام من التحولات الكبرى

خمسة أعوام من التحولات الكبرى

الأربعاء - 17 شهر رمضان 1442 هـ - 28 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15492]
محمد بن عبد الله الجدعان
وزير المالية ووزير الاقتصاد والتخطيط السعودي المكلّف

كانت المملكة على موعد مع التاريخ، لتصنعه ويشهد عليه العالم أجمع؛ فقبل خمسة أعوام، وبالتحديد في يوم 25 أبريل (نيسان) 2016م، أطلق ولي العهد بموافقة خادم الحرمين الشريفين «رؤية المملكة 2030»؛ خريطة طريق مستقبلنا ومستقبل الأجيال المقبلة من بعدنا. ولم تكن أهداف التحوّل إلى مجتمع حيوي ينعم باقتصاد مزدهر في وطن طموح، مجرد شعارات أو مقولات رفعتها الرؤية، وإنما كنا أمام أهداف واعدة بحجم وطن وفكر قيادة حكيمة سرعان ما ترجمت الأهداف إلى خطط وبرامج تجاوزت مرحلة التخطيط إلى التنفيذ؛ لنشهد اليوم، وبعد خمسة أعوام فقط من إطلاق الرؤية، الحصاد وجني الثمار في جميع قطاعات الدولة، ومنها القطاع المالي والاقتصادي محور هذا المقال.
المتابع لأحوال الوطن والمواطن خلال الفترة الأخيرة، يمكنه أن يلمس موجة واسعة من التغيرات المتلاحقة التي تعكس حجم الجهود الحكومية في مختلف القطاعات الحيوية، خاصة التعليم والصحة والنقل والدعم اللوجيستي والسياحة والترفيه وتمكين المرأة وبقية القطاعات المهمة، وهذا يبرهن على أن الأهداف الطموحة تبدأ برؤية واضحة وخطط مدروسة للتنفيذ بما يصب في مصلحة الوطن والمواطن.
استهدفت برامج «رؤية المملكة 2030» منذ إطلاقها بناء اقتصاد مزدهر لدعم وطن طموح في سبيل الوصول إلى مجتمع حيوي، من خلال إصلاحات هيكلية لاقتصاد المملكة، تمثلت أبرز أدواتها في تعزيز الاستدامة المالية ورفع كفاءة الإنفاق وتطوير القطاع المالي والتخصيص؛ للمساهمة في تنمية وتنويع الاقتصاد عبر تعزيز مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد عن طريق: تحرير الأصول المملوكة للدولة أمام القطاع الخاص، وتخصيص خدمات حكومية محددة، وتطوير سوق مالية متقدمة، وتمكين المؤسسات المالية من دعم نمو القطاع الخاص.
ربما يسأل البعض: هل تحققت بعض التطلعات الطموحة لـ«رؤية المملكة 2030»؟ وهل قطعنا شوطاً في توفير كل ما من شأنه بناء مستقبل واعد في بيئة جاذبة وواعدة للمستثمرين؟ الإجابة، هناك تقدم كبير على مستوى مختلف القطاعات، سواء في معدلات النمو أو مستويات التوظيف أو توفير فرص العمل أو حجم المشروعات المخطط لها والتي تم إنجازها بالفعل، إضافة إلى حجم ومكانة المملكة إقليمياً ودولياً وفق المؤشرات الدولية.
نستطيع أن نقول بكل ثبات، إنَّ قطار «الرؤية» قد انطلق من محطة الأهداف والأفكار الطموحة، إلى محطة النتائج والتحولات الكبرى؛ فقد ساهم برنامج تحقيق التوازن المالي (الاستدامة المالية) في انخفاض مستوى العجز كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، من 15.8 في المائة في عام 2015م إلى 4.5 في المائة في 2019م، كما استهدف البرنامج تنويع وتنميـة الإيــرادات بشــكل هيــكلي ومســتمر واعتبارها مصــدراً رئيــسياً ومســتداماً، وقد نمت الإيرادات غير النفطية من 166 مليار ريال في عام 2015م إلى 369 مليار ريال في عام 2020م.
وأدى تنفيذ البرنامج إلى رفع مستوى التخطيط المالي وجودة تنفيذ الميزانية، وساهمت هيئة كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية في تحقيق وفورات في التكاليف والنفقات الرأسمالية والتشغيلية بلغت نحو 430 مليار ريال.
وبلغ عدد العقود والتعميدات على منصة اعتماد الرقمية التي سهلت إجراءات التعاملات المالية مع القطاع الخاص، نحو 462 ألفاً بقيمة تجاوزت 983 مليار ريال، وبلغ عدد أوامر الدفع على المنصة نحو مليون وتسعمائة ألف أمر دفع بقيمة تجاوزت تريليون ريال. ووصل عدد المستفيدين من برنامج حساب المواطن لتقديم الدعم للمواطنين في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2020م نحو 2.94 مليون رب أسرة و10.33 مليون تابع بإجمالي 13.27 مليون مستفيد حصلوا على أكثر من 86 مليار ريال.
أما إذا تطرقنا لأبرز إنجازات برنامج التخصيص، فيمكن القول، إن البرنامج استهدف تحسين جودة وكفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين؛ ليقدم أكثر من 160 فرصة في 16 قطاعاً، كما تمت ترسية 18 مشروع تخصيص وشراكة مع القطاع الخاص المحلي والدولي، ومنها: مشاريع إنتاج المياه المحلاة ومشاريع معالجة مياه الصرف الصحي، ومشاريع تطوير محطات الحاويات في ميناء جدة الإسلامي، وميناء الملك عبد العزيز بالدمام، ومحطة الشحن الثانية بمطار الملك خالد بالرياض، ومشروع المباني المدرسية 60 مدرسة في منطقة مكة المكرمة (مكة وجدة)، إضافة إلى مشاريع بيع الأصول مثل تخصيص أصول المؤسسة العامة للحبوب عن طريق بيع كامل حصص شركات المطاحن الأولى والثانية والثالثة والرابعة، ومشروع الوحدة الطبية التابعة للخطوط السعودية بمدينة جدة، في حين لا يزال هناك 21 مشروعاً في مراحل مختلفة من الطرح في قطاع البلديات والإسكان وقطاع الصحة وقطاع التعليم وقطاع البيئة والمياه والزراعة وقطاع العمل، وقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات وقطاع الإعلام وقطاع الرياضة وقطاع الصناعة والثروة المعدنية.
وخلال عام 2020م، وعلى الرغم من جائحة كورونا، تم إكمال عدد من مشاريع التخصيص في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والبيئة والمياه والزراعة باستثمارات من القطاع الخاص بنحو 15 مليار ريال.
ويسعى نظام التخصيص الجديد إلى تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ونقل ملكية الأصول الحكومية، وتحرير الأصول المملوكة للدولة أمام القطاع الخاص، وتخصيص خدمات حكومية محدّدة، والتوسع في مشاركة القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة المقدمة للمواطنين والمقيمين. كما يهدف نظام التخصيص إلى خلق بيئة تسمح برفع حجم ومستوى الخدمات المقدمة للمواطن والمقيم، ووضع المرونة اللازمة في البيئة التنظيمية والاستثمارية لمشاريع التخصيص بالمملكة، وبما يدعم ويُعزز تنفيذ تلك المشاريع ضمن بيئة تنظيمية واستثمارية جاذبة ومُحفزة للاستثمار على المدى القصير والطويل.
وسيعمل النظام على تعزيز مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد وإتاحة الفرص الاستثمارية أمامه من خلال تنظيم الإجراءات المٌتعلقة بمشاريع التخصيص وتسهيل تقديم تلك الفرص للقطاع الخاص بشكل شفاف وعادل ونزاهة الإجراءات المرتبطة بالعقود، ورفع مستوى شمولية وجودة الخدمات وكفاءة الأصول ذات الصلة بمشاريع التخصيص، وتحسين مستوى إدارتها.
التوقف عند الأرقام كفيل بكشف حجم الفارق والطفرة والتحول الكبير الذي شهدته المملكة خلال خمسة أعوام فقط، والذي كان له انعكاسه المباشر على تحسُّن مستوى معيشة المواطنين.
وقد شهد برنامج تطوير القطاع المالي نجاحات كبيرة، بعضها يتعلق بزيادة عدد شركات المدفوعات المصرح لها في قطاع التقنية المالية، إضافة إلى زيادة حجم التداول في سوق الدين الثانوية المحلية بتداولات قيمتها أكثر من 70 مليار ريال في عام 2020م، مقارنة بـ10 مليارات ريال عام 2019م، أو بنسبة أكثر من 600 في المائة على أساس سنوي.
وعمل البرنامج عبر العديد من المبادرات لرفع نسبة القروض للمنشآت الصغيرة والمتوسطة كنسبة من قروض البنوك حتى الوصول إلى قرابة 8 في المائة، متعدية المستهدف لعام 2020م، والذي كان 6 في المائة. كما ساهمت مبادرة الإقراض غير المباشر في تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة بمبالغ تقدر بنحو 642 مليون ريال؛ لتخدم 611 منشأة صغيرة ومتوسطة.
وقد أثمر ذلك زيادة انفتاح السوق المالية السعودية (تداول) بانضمامها للمؤشرات العالمية؛ حيث تم إدراج «تداول» بمؤشرات: «إم إس سي آي»، و«ستاندرد آند بورز داو جونز»، و«فوتسي راسل»، وسرعان ما تحولنا إلى مجتمع غير نقدي، وإلى نظام المدفوعات الفورية، وتم إطلاق سوق المشتقات المالية، وزاد معدل عمليات المدفوعات الإلكترونية لقطاع التجزئة (الأفراد)؛ لتصل إلى نسبة 36 في المائة من إجمالي عمليات الدفع المتاحة كافة متجاوزة مستهدف البرنامج لعام 2020م المقدَّر بـ28 في المائة.
وخلال عام 2020م، لم يكن يَدُر بمخيلة أحدٍ من المراقبين والمحللين – حتى في أسوأ السيناريوهات - أن يشهد العالم حالة من الجمود والإغلاق والركود، لكن هذا ما جرى مع تفشي جائحة كورونا وخروجها عن السيطرة، وتأثر العالم أجمع بتداعياتها حتى اليوم، وعلى الرغم من ذلك حققت المملكة أرقاماً جيدة جداً إذا ما قارناها على مستوى دول مجموعة العشرين؛ إذ بلغ معدل تراجع النمو في الناتج المحلي غير النفطي 2.3 في المائة، وهو أفضل بكثير من متوسط ما شهدته هذه الدول من انخفاضات جراء الجائحة.
وعودة إلى رحلة «الرؤية» وما تحقق حتى الآن على أبرز المؤشرات الاقتصادية، نرى أننا نسير بخطى متسقة نحو تحقيق هدف التنوع الاقتصادي؛ إذ أصبح الناتج المحلي غير النفطي يمثل 59 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2020م مقارنة بـ55 في المائة في عام 2016م.
كما حقق القطاع الخاص ارتفاعاً من 38.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016م إلى 41.1 في المائة بحلول نهاية عام 2020م.
وخلال عام التحديات الكبرى 2020م، فرضت «رؤية المملكة 2030» مرونة في السياسة المالية العامة، مكّنت الحكومة خلال جائحة كورونا، من إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الاستراتيجي، وتوجيهها للقطاعات الأكثر إلحاحا لمواجهة وتجاوز أزمة «كورونا». كما أدت إدارة السياسة المالية خلال فترة الجائحة إلى تعزيز دور كل من صندوق الاستثمارات العامة، وصندوق التنمية الوطني، وبقية الصناديق التنموية، في تنويع القاعدة الاستثمارية، ودعم الاقتصاد الوطني، وتحريك عجلة النمو الاقتصادي.
وفي المقابل، توالت إنجازات المركز الوطني لإدارة الدَّين؛ حيث تمكن خلال الخمسة الأعوام الماضية منذ تأسيسه من دعم الميزانية العامة للمملكة بما يقارب 897 مليار ريال. كما شهد عام 2020م زيادة قاعدة المستثمرين الدوليين بنسبة 12.4 في المائة، وتم إصدار أول سندات دولية بعائد سلبي خارج الاتحاد الأوروبي في عام 2021م وثاني أكبر سندات خارج الاتحاد الأوروبي.
لقد قطعنا شوطاً معقولاً، ونواصل السير بخطى أسرع نحو المستقبل؛ حيث سيستمر الإنفاق على «برامج الرؤية» على المدى المتوسط بما يساهم في تحقيق مستهدفاتها، مع مراعاة ضبط المالية العامة بما لا يؤثر على المشاريع التي تستهدف تقديم الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين، وسيستمر الصرف على المشاريع الكبرى، وبرامج تحقيق «الرؤية»، وسيستمر الصرف على منظومة الدعم والإعانات الاجتماعية، وحُزم التحفيز؛ لدورها الكبير في إتاحة المزيد من الفرص أمام القطاع الخاص.
وتتوالى مسيرة التحوّلات الكبرى، عبر سلسلة من المشاريع الضخمة التي ستكون المحرك الأساسي لقطاعات النمو المستقبلي والاستثمار، ومنها الطاقة المتجددة والتكنولوجيا، والمشاريع والبرامج السياحية، ومنها السياحة البيئية في البحر الأحمر، والقدية الترفيهية، وستنعكس هذه المشاريع بالفائدة الكبرى على الوطن والمواطن؛ حيث سنشهد قفزة كبيرة في التوظيف وتعزيز الناتج المحلي الإجمالي.
ولا يفوتني أن أشير بكل فخر إلى نجاح المملكة الاستثنائي في رئاسة وتنظيم قمة قادة دول مجموعة العشرين خلال عام 2020م، حيث أظهرت تميزاً في قيادتها أعمال المجموعة، في ظل ظروف أكثر تحديا ممثلة بجائحة «كوفيد – 19» التي عصفت بالعالم أجمع، وهو الأمر الذي يعكس الدور المحوري للمملكة ودور الاقتصاد السعودي في الاستقرار العالمي.
وكرّست المملكة خلال رئاسة مجموعة العشرين، جهودها لبناء عالم أقوى وأكثر متانة واستدامة، يتوازى مع ما تشهده من تحول اقتصادي واجتماعي، كما قدمت العديد من المبادرات التي حظيت بتأييد دول المجموعة، لعل من أبرزها إطلاق المبادرة التاريخية لتعليق مدفوعات خدمة الدين، وكذلك العمل على توفير أكثر من 11 تريليون دولار لحماية الاقتصاد العالمي، ما يُعد جهداً غير مسبوق، أسهم في حماية الأفراد من فقدان وظائفهم مع الاهتمام بالمناطق الأكثر فقراً في العالم.
ومن منطلق اهتمام المملكة بالإنسان أولاً، عملت بالتوافق مع دول المجموعة على إقرار مبادرة توفير لقاحات «كورونا»، والتأكد من حصول جميع الدول المستهدفة عليه، كما قدمت 500 مليون دولار لجهود إنتاج اللقاح.
أيضاً من النتائج الاستثنائية خلال فترة الرئاسة مصادقة قمة العشرين على منصة الكربون الدائري التي تبرهن التزام المملكة بحماية البيئة ومكافحة التغيُّر المناخي في إطار اتفاقية باريس، والمواثيق الدولية ذات العلاقة، بجانب إطلاق مبادرة الرياض لإصلاح منظمة التجارة العالمية، كما اتفق أعضاء مجموعة العشرين على مبادرات بشأن التعافي الاقتصادي.
إن ما حققته المملكة، خلال خمسة أعوام فقط، يدعونا إلى الفخر، ويحفزنا على مواصلة السير على درب التنمية؛ فعلى بركة الله تتجدَّد الآمال وتتضاعف الجهود لتلبي تطلعات وطموحات قيادتنا الحكيمة، وليمضي قطار «الرؤية» السريع نحو تحقيق حلم السعودية، لتصبح «الرؤية» حقيقة، بأيادي أبناء وبنات هذا الوطن المبارك بمشيئة الله.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو