الفصام الروسي والعصا السحرية

الفصام الروسي والعصا السحرية

الاثنين - 7 شهر رمضان 1442 هـ - 19 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15483]

لعله من المبكر الحكم على السياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن قبل مرور مائة يوم على ولايته، وما يصعّب الأمر أكثر هو انقسام الداخل الأميركي على معظم القضايا ومنها السياسة الخارجية على الرغم من أنها لا تشكل أولوية لدى غالبية الأميركيين. بالنسبة إلى سياسة واشنطن تجاه منطقتنا، وهذا ما يهمنا، لا يغيب عن المراقب الفطن الحركة الدبلوماسية الروسية النشيطة والحيوية فيها بما يشير إلى أن موسكو التقطت عن خطأ أو صواب مواصلة الإدارة الأميركية الحالية سياسة الانسحاب من الشرق الأوسط وإنْ لم يتأكد ذلك تماماً، ولم يتبين إذا كان من قبيل إعادة التموضع أو من قبيل ترك الأمور في هذه المنطقة على حالها من الخراب الراهن والمقبل حسب توقعات التقارير الأمنية الصادرة في واشنطن.
مقابل التردد الأميركي هذا، تحاول الدبلوماسية الروسية مراكمة الجهود من أجل تحويل مكاسب ظرفية وموضعية، هي سمة لسياسة موسكو على أكثر من صعيد، إلى إنجازات استراتيجية راسخة. فالروس يسعون إلى فرض نفوذهم في البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي، ويجاهرون بطموحاتهم من أجل بناء نظام أمني للشرق الأوسط وفق مبادئ مؤتمر هلسنكي للأمن في أوروبا عام 1975، وهذا يفسر الاندفاعة الروسية للعب دور توفيقي بين الدول الفاعلة، واللافت في هذا الدور أنه يشي بحالة فصام بين ما تقوم به موسكو على الأرض وما تعلن عن سعيها إليه.
ففي الآونة الأخيرة، سعى الروس إلى فك القطيعة العربية مع نظام بشار الأسد تمهيداً لإعادة إنتاج شرعيته وتثبيت حكمه لولاية مقبلة وأملاً بإطلاق ورشة إعادة الإعمار تكون لهم فيها حصة الأسد، وتدعم المكتسبات المحققة في هذا البلد منذ عام 2015، تاريخ تدخلهم المباشر في الأعمال القتالية. وفي هذا السياق أيضاً، سعت موسكو دون إنجاز باهر إلى تليين مواقف المعارضة السورية الداخلية والخارجية لتثبيت موقع النظام، وكثفت ضغوطها من ناحية الأكراد باتجاه تعزيز تواصلهم مع النظام وإقامة قاعدة عسكرية لها على مقربة من الوجود الأميركي هناك. ويدخل في هذا الإطار أيضاً تلويحها بدور في عملية سلام بين سوريا وإسرائيل، في الوقت الذي تريد موسكو منح «حزب الله» صفة تمثيلية لديها، ارتضت إسرائيل ذلك أو مانعت.
أما في لبنان، يتلقى القادة الروس دعوات للمشاركة في إعادة بناء مرفأ بيروت، كما كلّفوا أنفسهم بالمساعدة على تذليل العقبات المستعصية أمام تشكيل الحكومة، فجاءت زيارة الرئيس المكلف سعد الحريري لموسكو الأسبوع الفائت، في إشارة دعم لا تخطئ في وقت كان الفشل فيه من نصيب فرنسا، الأم الحنون للبنان سابقاً.
كما لا بد من الاعتراف بأن روسيا استعادت مكاسب خسرتها في ليبيا ومصر بعد انخراطها في الحرب السورية، وها هي الآن موجودة في كل عواصم المنطقة، في استغلالٍ مكشوف لثغرات وخلافات بعضها مع واشنطن. وبكلام آخر، يتعزز الانطباع بعد هذا العرض الموجز أنه بعد الهنات التي لحقت بها إثر سقوط الاتحاد السوفياتي، أعادت روسيا - بوتين فرض نفسها في الشرق الأوسط واستعادت دورها كلاعب دولي يُحسب له.
هل هذا الانطباع صحيح، وهل موسكو قادرة على اجتراح التسويات والتفاهمات التي عجزت عنها واشنطن؟ صحيح أن الحركة الروسية نشطة وواثقة في المنطقة لكن من غير المؤكد أنها ستكون حقاً مثمرة رغم الإصرار على البقاء في الإقليم طويلاً.
إن الحراك الروسي قد يبدو غير مجدٍ لأكثر من حجة، أولاها علاقة طهران بموسكو التي تبرز كعقبة رئيسة أمام دور روسي وسطي في أكثر من مكان. فحتى الآن، يبدو أن إيران غير مستعدة للمساومة على مكتسباتها الكثيرة والقديمة المتجذرة في سوريا وبالطبع على هيمنتها في لبنان. هذا الأمر أكبر من تفاهمات ظرفية وأعمق من تسوية وزيارة من هنا ومكتب تمثيلي من هناك. كما أن كل المؤشرات على الأرض في سوريا تشي بأن طهران ممعنة في تعزيز وجودها وأن الامتعاض الروسي ليس أكثر من قشرة تطفو على السطح. فكيف تعتزم روسيا إقناع العرب بتعويم نظام الأسد والتطبيع معه ومساعدته قبل لجم التمدد الإيراني في بلاده، في وقت ترفض فيه هذه الدول العربية نفسها مساعدة لبنان النازف حتى الموت بحجة أنه محكوم من «حزب الله» وإيران؟
وكيف بمقدور موسكو أن تسوّي الصلف الإيراني تجاه دول الخليج العربية وعلى رأسها السعودية التي باتت تتعرض يومياً لمقذوفات من الحوثيين في اليمن المدعومين والمسلحين من إيران؟ وأيُّ نظام أمني للشرق الأوسط وفق مبادئ مؤتمر هلسنكي للأمن، قابل للتطبيق وسط هذه التهديدات، وقبل أن تقتنع طهران بأنها دولة وليست ثورة مستمرة وللتصدير؟ أيُّ نظام أمني إقليمي مع إمعان طهران بابتزاز العالم يومياً عبر تهديداتها بالحصول على قدرات نووية؟
وفي مقلب آخر، هل من عاقل يعتقد أن موسكو قادرة على إقناع إسرائيل بأن تُقْدم على سلام مع نظام يتهاوى ويتعكز للاستمرار كواجهة نتيجة للدعم الإيراني والروسي المتقاطع المصالح؟ هذا علماً بأن موسكو لم تنجح حتى الآن في تهدئة تل أبيب وتطمينها من مخاطر السلاح الإيراني عليها في سوريا بعد أكثر من سنتين على وعودها الخائبة؟
إن سياسة موسكو ستكون ناجحة بمقدار تلكؤ الإدارة الأميركية الجديدة في صياغة رؤية للشرق الأوسط، وستكون ناجحة بمقدار استمرار واشنطن في اعتبار السياسة الخارجية بمثابة استكمال لسياستها الداخلية وإصرار كل إدارة على شيطنة سياسات الإدارة السابقة ومعاكستها، وستكون ناجحة بمقدار متابعة إدارة بايدن التصدي للمشكلات والخلافات مع موسكو وبكين وغيرها دفعة واحدة مثل مناكفتها في الصراع مع أوكرانيا بإرسال البوارج الحربية إلى البحر الأسود إضافةً إلى عقوبات اقتصادية، وستكون ناجحة إذا استمر الإسراف بالتهديد والشح بالفعل، وستكون ناجحة بمقدار الاستمرار بالتعاطي مع موسكو وبكين وطهران على أنها دول عادية تشارك واشنطن المبادئ والقيم نفسها، وستكون ناجحة بمقدار إمعان واشنطن في التخلي عن حلفائها في المنطقة وعدم إشراكهم في تسويات تخصّهم وتعنيهم.
جدوى الكلام؛ إن ما يهمنا في الإقليم وسط انعدام الثقة بين الغرب وروسيا وبكين، هو تمتين الرؤية العربية لمصالحها المشتركة في زمن تتحول فيه موازين القوى في النظام الدولي على الرغم من الوهم السائد أن روسيا تحمل دون غيرها العصا السحرية في الشرق الأوسط.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة