الليبرتارية لم تمت... إنها تعيد بناء نفسها فقط!

الليبرتارية لم تمت... إنها تعيد بناء نفسها فقط!

الخميس - 3 شهر رمضان 1442 هـ - 15 أبريل 2021 مـ رقم العدد [15479]

منذ ما يزيد على العام، أعلن أحدهم أن «الليبرتاريين» المخضرمين تخليهم عن الحركة التي «أصبحت جوفاء إلى حد كبير». ومن بين الأسباب التي ساقها أن الحركة لم يعد بمقدورها «حل أو تناول عدد من المشكلات الكبرى، وأبرزها التغييرات المناخية». وسبب آخر جرى ذكره تمثل في أن ثقافة الإنترنت شجعت الأشخاص «الأذكياء والفضوليين» على البحث عن وجهات نظر انتقائية وتوليفها معاً، الأمر الذي جعل الليبرتارية بصورتها النقية في حكم الماضي.
أيضاً تم ذكر أن خليفة الليبرتارية فكر جديد أطلق عليه «ليبرتارية قدرة الدولة»، وهو آيديولوجيا تعترف بكل من قوة السوق والحاجة للحكومة. أما المصادفة المثيرة، فهي أنني أعرف هذا الكاتب الذي ذكر كل ما سبق.. إنه كان أنا!
وبالنظر إلى «عملية السرعة القصوى» في دفع الولايات المتحدة خارج أزمة الجائحة، ما زلت أشعر بالرضا إزاء ما كتبت. ومع ذلك، لم يرُق التوجه الذي اتخذته لجميع الليبرتاريين، خاصة الجزء المتعلق بـ«قدرة الدولة».
في الواقع، بالنظر إلى كل ما شهده العام الماضي من أحداث، من المهم أن نعاود النظر في السؤال من جديد؛ ما الذي يعنيه اليوم أن يكون المرء ليبرتارياً؟ من جانبي، أعتقد أن ثمة صوراً أكثر نقاءً من الليبرتارية آخذة في التطور، من مواقف تجاه قضايا سياسية، إلى سلسلة من المشروعات لبناء عوالم سياسية جديدة تماماً.
ومن أجل استيعاب هذا الأمر، من الضروري إلقاء نظرة تاريخية. خلال سبعينات القرن الماضي، كانت الليبرتارية على النسق الأميركي حركة جديدة لديها كثير من التوصيات المفيدة في مجال السياسات. واشتكى الليبرتاريون من التضخم الكبير ومعدلات الضرائب الهامشية الشديدة الارتفاع وتنظيم شركات الطيران والحمائية المفرطة والمميزات التي تتمتع بها النقابات العمالية (خاصة داخل المملكة المتحدة)، من بين قضايا أخرى.
ويتمثل النبأ السار هنا في أن الفوز كان حليف الحركة في كثير من هذه المعارك، ولو بصورة جزئية على الأقل. وتركت الآراء الليبرتارية تأثيراً كبيراً على التيار الرئيسي. إلا أن المفارقة تمثلت في أن هذه القضايا ذاتها لم تعد حاسمة بالنسبة لليبرتاريين.
ومن بين المواقف الكبرى الأخرى التي ميزت الليبرتاريين معارضتهم من حيث المبدأ للتخطيط المركزي والشيوعية. وقد قدّم لنا عالم الواقع خدمة كبيرة بتفكك وتداعي غالبية الأنظمة الشيوعية الكبرى، ودفع الصين على الأقل باتجاه إصلاحات كبيرة في السوق عززت النمو لديها.
علاوة على ذلك، روّج الليبرتاريون لأفكار كبرى أخرى، مثل انتقاد المشاركة الحكومية الكبيرة في الرعاية الصحية، وانتقادهم نموذج دولة الرفاه بشكل عام. إلا أن مثل هذه الأفكار لم تلقَ نجاحاً، فرغم إقدام كثير من الدول على تنفيذ إصلاحات باتجاه اقتصاد السوق، فإن كثيرين لم يفككوا دول الرفاه الاجتماعية لديهم.
اللافت أن الولايات المتحدة على وجه التحديد تحركت باتجاه مشاركة حكومية أكبر في هذه المجالات. كما تحركت دول أخرى مثل شيلي وسنغافورة، التي نفذت إصلاحات اقتصادية مبكرة، باتجاه مزيد من الاعتماد على برامج الرفاه الاجتماعي.
في السابق، شددت الليبرتارية على جذورها المناهضة للحرب، ذلك أنه منذ نصف قرن مضى، استقت الحركة طاقتها وإلهامها من الإخفاقات المستمرة لحرب فيتنام، التي ذكّرت الناس على نحو يوميّ بأن الدولة الأميركية يمكن أن تتحول لقوة شر كبرى.
على النقيض، نجد اليوم أن الحروب التي تفتقد الشعبية لا تثير غضباً عارماً لفترة طويلة. ورغم أن التكتيك الراهن المعتمد على شن ضربات متكررة باستخدام طائرات من دون طيار ربما يكون خطأ فادحاً، يبدو من الصعب دفع الرأي العام الأميركي للشعور بغضب شديد تجاهه.
في الواقع، يعتبر فشل الحركة الليبرتارية في خلق معارضة عامة.. حتى اهتمام عام بالنطاق الواسع لسلطة الحكومة كان أكبر من مجرد هزيمة، وإنما تسبب في ما يشبه تحولاً تكتونياً، فبدلاً عن التأكيد على إخفاقات الأنظمة الحالية، تتركز طاقة الليبرتاريين حالياً على إمكانات أنظمة جديدة تماماً. ويتركز جزء كبير من المجهود الفكري داخل الدوائر الليبرتارية حول فكرتين على وجه التحديد؛ مدن الميثاق والعملات المشفرة.
في وقت قريب للغاية، أُعلن عن إطلاق «مدينة ميثاق» في هندوراس، تتميز بقوانينها ومواثيقها الخاصة المصممة بهدف إطلاق حالة ازدهار اقتصادي. ويسعى رواد الأعمال لبناء مثل هذه المدن في مختلف أرجاء العالم، كجيوب لهم داخل الوحدات السياسية القائمة بالفعل. ولا يتوقع الليبرتاريون أن تعكس مثل هذه المدن الفكر الليبرتاري بحذافيره، وإنما ينظرون إليها باعتبارها تحسناً وخطوة للأمام عن منظومات الحكم السائدة، تماماً مثلما حققت هونغ كونغ نتائج أفضل عن الصين تحت قيادة ماو.
ويتمثل مجال آخر، يجذب جزءاً كبيراً من اهتمام الليبرتاريين في الوقت الراهن، في العملات المشفرة. والملاحظ أن البيتكوين على وجه التحديد يجتذب قدراً كبيراً من الاهتمام، لكنه نظام ثابت. في المقابل، يبدو مشروع إيثيريوم، الذي يقوده فيتاليك بوتيرين، أكثر طموحاً، ذلك أنه يسعى لبناء عملة جديدة ونظام قانوني جديد ومجموعة من البروتوكولات لاقتصادات جديدة على «بلوكشين».
وعلى خلاف الحال مع بيتكوين، يمكن إدارة إيثيريوم على نحو يجعله أكثر تناغماً مع متطلبات السوق. تخيل مستقبلاً تكون فيه أسواق التوقعات في كل مكان، والمدفوعات الصغيرة سهلة، وتصبح العقود الذكية الذاتية التنفيذ جزءاً طبيعياً من الأعمال، ويمتلك المستهلكون بياناتهم الخاصة ويتداولونها وتصبح شبكات التواصل الاجتماعية غير مركزية. ومن الممكن أن تتحول أسس الأعمال المصرفية والتمويل إلى هذا المجال الجديد.
وبالتناغم مع هذه التطورات نجد أن أكثر الشخصيات الليبرتارية المؤثرة اليوم شخصيات فاعلة قوية، مثل إيلون ماسك وبيتر تيل وبوتيرين، وإن لم يكن أحد منهم يمكن وصفه بأنه ليبرتاري رسمي. ويمتلك جميع هؤلاء جذوراً راسخة بقوة داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي ربما ساعد في تحريرهم من الجدالات السياسية التي شغلت اهتمام الليبرتاريين الأميركيين لفترة طويلة.
ورغم ما سبق، يبقى من غير المؤكد ما إذا كانت تلك الحركات ستنجح. وتظل تساؤلات من عينة هل ستتنازل الكثير من الحكومات القائمة عن جزء من سيادتها لمدن الميثاق، وهل ستحافظ هذه الوحدات السياسية الجديدة على مصداقيتها ونزاهتها، قائمة.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة