د. محمد النغيمش
كاتب كويتي
TT

التفويض وهاجس السيطرة

استمع إلى المقالة

التفويض مهارة إدارية معاصرة، لكنها جاءت إلينا من ساحات المعارك. فكثير من أبجديات علوم الإدارة انتقلت إلى عصرنا من الجيوش. قبل الثورة الصناعية، كان التفويض ممارساً في عالم السياسة، لا سيما في البلدان المترامية الأطراف. بعد الثورة، صارت المصانع بحاجة ماسة لممارسة التفويض في الشركات العابرة للقارات.

ويحسب الفضل الأكبر في تطوير التفويض إلى ألفريد سلون الرئيس التنفيذي لشركة «جنرال موترز» الذي بنى شركة عملاقة بعيداً عن متاهات المركزية وعبر وحدات مستقلة منحت صلاحيات واضحة النطاق. ويصعب تخيل مشروع عظيم من دون تفويض.

التفويض باختصار منحُ طرف صلاحيات القيام بأنشطة محددة، خلال فترة زمنية معينة، مع بقاء المسؤولية على عاتق المُفوِّض. هي محاولة لتخفيف العبء عن كاهل المسؤولين، وتمكين الصف الثاني، وإعداد قيادات المستقبل.

كما أن التفويض يوفر الكثير من الوقت المُهدر. فبحسبة بسيطة، إذا كان المسؤول يقضي ساعة واحدة يومياً في مهام يمكن تفويضها فهذا يعني أنه يهدر 240 ساعة سنوياً أي ما يعادل ثلاثين يوم عمل في أعمال لا تستحق تدخله. ويمكن حساب ذلك عبر ضرب 60 دقيقة في 5 أيام عمل، ثم ضرب الناتج في 48 أسبوعاً سنوياً تقسيم 60 دقيقة ثم قسمته على ثماني ساعات عمل. بمعنى كل ساعة تهدر يومياً توازي شهراً كاملاً سنوياً.

وقد اطلعت على عدد كبير من الدراسات الرصينة التي وجدت رابطاً بين التفويض، وارتفاع الرضا الوظيفي وتحسن معنويات الناس. وكلما كانت هناك جودة في الصلاحيات الممنوحة تشكل قيمة مرضية للمتلقي كان ذلك أدعى لحماسته وبقائه في المنظمة. كما أظهرت إحدى الدراسات أن الفرق التي تمنح صلاحيات أوسع تتعامل مع الأحداث الطارئة بصورة أفضل بنسبة 40 في المائة.

ورغم كل ذلك، يتحاشى متخذ القرار التفويض خوفاً من فقدان السيطرة، ووهم المقدرة على فعل كل شيء بمفرده.

لم يعد التفويض في المؤسسات الحديثة خياراً بل هو مؤشر نضج، فالشركات التي لا تفوض لا تتوسع والتي لا تثق لا تستمر. ولذلك كان من بديهيات التفويض وضوح نطاق الصلاحيات والتوقعات... والمساءلة.