مينا العريبي
صحافية عراقية-بريطانية، رئيسة تحرير صحيفة «ذا ناشونال» مقرها أبوظبي. عملت سابقاً مساعدة لرئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط»، وقبلها كانت مديرة مكتب الصحيفة في واشنطن. اختارها «منتدى الاقتصاد العالمي» ضمن القيادات العالمية الشابة، وتكتب عمود رأي في مجلة «فورين بوليسي».
TT

كرسي المرأة... بين البروتوكول والاستحقاق

منذ سنوات كان هناك رئيس تحرير لدى «الشرق الأوسط» يعرفني لمن يزور مقر الصحيفة بـ«مساعدتي». كان يقصد بذلك «مساعدة رئيس التحرير»، المنصب الذي شغلته لأكثر من 3 سنوات، وكان يقولها بفخر، إذ كنت أول امرأة تتسلم هذا المنصب. إلا أن التصور لدى العدد الأكبر من زوارنا الذين لم يلتقوني سابقاً كان يذهب إلى أن القصد من «مساعدتي» هو أنني أقوم بمهام مساعدته الشخصية. وبينما لا شك أن عمل المساعدة الشخصية من أهم الأعمال لدعم أي رئيس تحرير والحرص على إدارة مكتبه، فإن التصور التلقائي بأنني مساعدة شخصية بدلاً من أن أكون مساعدة رئيس تحرير لم يكن يحدث مع زملائي الرجال. وعندما يظهر الالتباس، كان رئيس التحرير آنذاك يصحح الصورة ويشرح لهم بأن القصد هو أنني «مساعدة رئيس التحرير». هذا مثال بسيط من التجارب التي تمر على غالبية النساء في مجال العمل، وخاصة إذا كانت المرأة تعمل في مجال لا يعتبر تقليدياً مجالها أو يكون عادة حكراً على الرجال. والأمر لا يقتصر على الشرق، بل ينطبق على العالم أجمع.
وعاد الحديث عن العقبات التي تواجه النساء في مجال العمل إلى الواجهة الأسبوع الماضي بعد أن انتشر تسجيل مصور للرئيس التركي رجب طيب إردوغان وهو يستقبل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل في أنقرة. ويذكر أن فون دير لاين وميشيل يعتبران بمنصب «رئيس» على الصعيد الدبلوماسي ويتمتعان بالمكانة نفسها من حيث البروتوكول، إلا أنه عندما جاء إردوغان ليجلس معهما لإجراء محادثات رسمية كان هناك كرسي واحد فقط بجواره في صدر القاعة، وجلس عليه ميشيل، بلا أي تردد، مما اضطر فون دير لاين إلى الجلوس على أريكة جانبية.
لوهلة، أعربت فون دير لاين عن استغرابها، وظهر ذلك أمام كاميرات التصوير، إلا أن الرجلين جلسا واستمرا من دون الاكتراث للحرج الدبلوماسي. وتداركت فون دير لاين الموقف وجلست على الأريكة وكان عدم الارتياح واضحاً على وجهها رغم ارتدائها الكمامة. البعض حاول التبرير وقال إن الخطأ ربما حدث لأن المسؤولين الأوروبيين بالمرتبة نفسها وربما حدث لبس. إلا أن الخطأ الدبلوماسي والبروتوكولي لم يحدث عندما كان رئيس الاتحاد الأوروبي رجلاً؛ إذ عندما زار سلفها جان كلود يونكر تركيا مع رئيس المجلس الأوروبي آنذاك دونالد تاسك عام 2017، حيث وضع ثلاثة كراسي للرجال الثلاثة واستقبل في أنقرة المسؤولان الأوروبيان على أنهما في المستوى نفسه. إذن لم يحدث هذا اللبس سابقاً، فلماذا حدث الآن؟
من اللافت أن فون دير لاين، وهي وزيرة دفاع سابقة لألمانيا وتتمتع بشخصية قوية، حاولت أن تقلل من شدة الحرج ولم تتحدث كثيراً عن الواقعة. وهذا أسلوب أغلب النساء المهنيات اللواتي لا يحبذن جلب الانتباه عليهن أو لجنسهن، بل يفضلن التركيز على العمل وكفاءة المهنة. إلا أن كونها امرأة جعل هذه القضية تأخذ صدى أبعد وعلينا ألا نتجاهل ما حدث لنتعلم منه. بالطبع، كان هناك خطأ دبلوماسي وبروتوكولي. ولكن عندما وقع، كان يجب أن يتم تداركه بشكل سريع، وذلك لم يحدث.
فبعد أيام من الصمت، صرح رئيس المجلس الأوروبي ميشيل في مقابلة تلفزيونية بأنه قد ندم مما حدث، وقال: «إنني لا أنام منذ واقعة الكرسي»، معبراً عن أسفه على ما جرى. ومن الواضح أنه يشعر بخجل، خاصة أن القضية تم تداولها عبر جميع وسائل الإعلام وكان العتب الأكبر عليه. فإذا كان الرئيس التركي وفريق البروتوكول قد أخطأوا، كان عليه هو أن يصحح الخطأ وألا يسمح لنفسه أن يتقدم على زميلته. العبرة من هذه الحادثة هي أن الرجل الذي يعمل مع المرأة تملي عليه المسؤولية الأخلاقية أن يحترمها ويحترم مكانتها ومكانة مؤسسته. فميشيل، وهو رئيس وزراء بلجيكا سابقاً، يمثل الاتحاد الأوروبي الذي هو من نصب امرأة رئيسة عليه ويجب أن تتمتع بكل المزايا البروتوكولية المستحقة.
التسجيل أظهر كيفية تعامل كل طرف مع هذه الواقعة. الرئيس التركي لم يرَ أي خطأ فيما حدث، بينما عبرت رئيسة الاتحاد الأوروبي عن استيائها ولكن بشكل هادئ وتداركت الأمر. أما رئيس المجلس الأوروبي، فكان تعاطيه مع القضية كرجل يشعر بأنه يستحق أن يتقدم على زميلته وحتى وإن كان هناك خطأ واضح أو انعدام التبرير لهذا السبق.
هناك عوامل عدة تؤثر على مكان المرأة في سوق العمل، من البيئة المتوفرة في المنزل التي تعطي الفتاة والمرأة الجرأة والثقة، إلى فرص التعليم التي تحصل عليها وتهيئها لسوق العمل، إلى التشريعات الموجودة في كل دولة لحماية حق المرأة ومكانتها. ولكنْ هناك عامل أساسي هو الجو المجتمعي العام وما يعتبره المجتمع مقبولاً وما لا يتقبله. الضجة التي حدثت بعد هذه الواقعة تظهر أن بعض المجتمعات لم تعد تتقبل تجاهل المرأة وعدم احترام موقعها. ولكن استمرار مسؤولين مثل إردوغان وميشيل في الجلوس والحديث رغم الخطأ البروتوكولي وحدوثه مع الرئيسة الأولى للاتحاد الأوروبي يظهر بأن الحصول على منصب رفيع المستوى للمرأة لا يحل كل مشاكل التمييز التي تتعرض له غالبية النساء.
ولقد نشر منتدى الاقتصاد العالمي الشهر الماضي تقريره السنوي حول مكانة المرأة في مجال العمل، وأفاد بأن جائحة (كوفيد - 19) ساهمت في تراجع فرص وصول المرأة إلى موقع المساواة مع الرجل في مجال العمل بما يعادل «جيل كامل»؛ إذ كان من المتوقع أن يستغرق سد الفجوة بين المرأة والرجل في مجال العمل مدة تصل إلى 99.5 عام عندما صدر تقرير عام 2020، إلا أن هذا العام أصبحت هذه المدة 135.7 عام، والسبب وراء ذلك هو أن النساء تضررن بشكل أكبر من الآثار الاقتصادية السلبية للجائحة. فـ5 في المائة من معدل النساء العاملات خسرن وظائفهن خلال العام الماضي بسبب الأزمة الاقتصادية، بينما فقد حوالي 3 في المائة من الرجال وظائفهم.
بالطبع هذا لا يعني أن العالم لا يتقدم في هذا المجال. فهناك إنجازات مهمة تحققها المرأة، ومع كل خطوة إلى الأمام في مجال ما، تفتح الفرص أمام النساء حول العالم. والسبت الماضي، أعلنت دولة الإمارات عن اختيار أول امرأة عربية لتكون رائدة فضاء، إذ تأهلت الشابة نورا المطروشي وزميلها محمد الملا ليصبحا رائدي فضاء من بين 400 شخص تقدموا بطلب الانضمام هذا العام لبرنامج الفضاء الإماراتي. وبينما تستعد نورا للانطلاق إلى الفضاء، علينا نحن على الأرض أن نوفر الكراسي الملائمة للنساء ليأخذن مكانهن المناسب أينما كان.