الصعود الاقتصادي بعد «بريكست» يزداد زخمه

الصعود الاقتصادي بعد «بريكست» يزداد زخمه

الثلاثاء - 18 رجب 1442 هـ - 02 مارس 2021 مـ رقم العدد [15435]

مغادرة المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي كانت وما زالت من الأفكار السيئة للغاية. ولقد صوتُ ضد هذا القرار ولا أشعر بالندم على موقفي حتى الآن. ومن الناحية الاقتصادية، تعتبر المملكة المتحدة قد أطلقت الرصاص على قدميها من خلال الانفصال عن أكبر تكتل للتجارة الحرة في العالم، والتي تقع مباشرة بمحاذاة حدودها. ولا يمكن أبداً تصور أن مغادرة الاتحاد الأوروبي يعد من الخيارات الجيدة في شيء.
في الأثناء ذاتها، وصفت السياسة البريطانية في التعامل مع جائحة فيروس «كورونا» بأنها كارثة مستمرة منذ عام كامل، واتسمت بتحولات غير متوقعة تماماً، مع قرارات إغلاق صارمة أعقبتها حالات من التساهل في غير أوانها، وانتهت بالسقوط المريع في براثن أول تحور كبير يشهده الفيروس حول العالم. كان موقف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في إقناع الشعب بالتعايش مع أولى الكوارث الوطنية موقفاً مخزياً للغاية. وكانت قيادته للبلاد إبان الكارثة الثانية فاقدة للانتظام بصورة ميؤوس منها.
وبعد أن طرحت رأيي فيما يتعلق بالأمر، أعتزم الآن الحديث عما تبدو أنها حجة قوية للتفاؤل الاقتصادي في مستقبل المملكة المتحدة، والذي يسلط الأضواء أيضاً على الموقف الإيجابي لمجموعة من الأصول الأخرى حول العالم، والتي ينبغي أن تستفيد من الانكماش والانتعاش الاقتصادي المتعلق بالوباء.
وهناك ثلاث نقاط رئيسية وضرورية في ذلك؛ أولاً، أن المهم في الأسواق هي الأنباء الموجودة بشأن الأسعار وقت الشراء، وإذا كانت السوق قد قللت بالفعل من أثر الأنباء السيئة، ربما لا يزال هناك استثمار كبير بين يديك. ثانياً، في حين أن المملكة المتحدة قد أطلقت الرصاص على قدميها بقرار بريكست، إلا أنها لم تطلق النار على رأسها بعد.
لا يزال بإمكان الحكومة البريطانية العمل والتجارة مع الاتحاد الأوروبي، وإنما وفق شروط أقل تفضيلاً عما سبق، وربما تتمكن من حيازة بعض المكاسب البسيطة عبر الصفقات التجارية مع أطراف أخرى. ومع أنها من السمات السلبية بالنسبة للاقتصاد البريطاني، إلا أن مغادرة الاتحاد الأوروبي لن تكون نهائية. ثالثاً، طرح الوباء الراهن جملة من التحديات أمام الحوكمة، ولا يقول الأداء القوي من جانب الحكومة في إحدى مراحل المعركة إن الأمور سوف تستمر على نفس المنوال في المراحل التالية. فمع إساءة إدارة قرارات الإغلاق بصورة مريعة، تتصدر المملكة المتحدة بلدان العالم راهناً في توفير التطعيمات للمواطنين.
ومن الممكن على الدوام أن يجلب الفيروس الراهن قدراً من الرعب المتجدد، غير أن سجل توفير التطعيمات الجيد للغاية حتى الآن من شأنه أن يُحدث فارقاً معتبراً.
ومن زاوية الاقتصاد المحلي، جلبت ليلة الاستفتاء في يونيو (حزيران) من عام 2016 أكبر تخفيض لقيمة الجنيه الإسترليني، عانت منه أي عملة رئيسية في نصف القرن الماضي على أسعار صرف العملات العائمة. غير أن الثقة بالعملة الوطنية البريطانية في طريقها للعودة. ففي الأسبوع الماضي، تجاوز الجنيه الإسترليني الدولار الأميركي بواقع 1.40 نقطة للمرة الأولى منذ 3 سنوات. ولقد رجع إلى مستواه الأعلى الذي كان مستقراً عنده عشية الاستفتاء.
هل يعني ذلك ضياع فرصة من فرص الجنيه الإسترليني بحيث لم يعد منافساً قوياً في سوق العملات؟ كلا، ليس بالضرورة. بالنظر إلى أداء الجنيه الإسترليني في مقابل سلة العملات المرجحة تجارياً (تلك التي يهيمن اليورو عليها بصورة طبيعية)، لا يزال الجنيه الإسترليني تقريباً في الموضع الذي كان يحتله بعد الاستفتاء مباشرة. ولقد كان يتحرك في نطاق واضح للغاية منذ أن قررت المملكة المتحدة مغادرة عضوية الاتحاد الأوروبي. ولقد أسفرت حالة التفاؤل التي شاعت خلال الأسابيع الماضية عن إعادة الجنيه الإسترليني إلى قمة ذلك المستوى.
ومع البدء في استعادة الثقة، وهي من الأهداف المهمة، لا يزال الجنيه الإسترليني يملك القدرة على التنافس، وأمامه مجال مفتوح للارتفاع أكثر من ذلك في الفترة المقبلة. وتطرح مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس ليمتد» الاستشارية الحالة التصاعدية للجنيه الإسترليني على النحو التالي:
كان الجنيه الإسترليني يتصرف كمثل الأصول المحفوفة بالمخاطر أكثر من كونه ملاذاً آمناً للمدخرات منذ اندلاع الوباء. وفي واقع الأمر، كانت الصلة ما بين مؤشر (إف تي إس إي 100) وبين الجنيه الإسترليني مرتفعة بصورة حادة منذ بدايات عام 2020 الماضي. ولذلك، حتى مجرد الارتفاع البسيط في معنويات المستثمرين من شأنه أن يعزز الجنيه الإسترليني كثيراً.
أسفر الطرح العاجل للقاح فيروس «كورونا» في المملكة المتحدة إلى تحسين التوقعات الاقتصادية عند المقارنة بأقرانها من البلدان الأخرى لا سيما داخل الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، ربما يشرع المستثمرون في الاهتمام بالأصول البريطانية على سواها في أماكن أخرى، الأمر الذي ربما يسبب ضغوطاً تصاعدية على الجنيه الإسترليني.
وقد تراجع البنك المركزي البريطاني في الآونة الأخيرة عن الاستعانة بأسعار الفائدة السلبية، واستناداً إلى توقعاتنا على أقل تقدير، لم يُقدم البنك على توسيع المشتريات المستندة إلى التيسير الكمي. وفي الأثناء ذاتها، من المرجح أن يواصل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي في برامج التيسيرات الكمية لمدة عام آخر على الأقل. ومن شأن ذلك أن يرفع من توقعات أسعار الفائدة في المملكة المتحدة، عند المقارنة بمثيلاتها الموجودة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع قيمة الجنيه الإسترليني.
وإذا نظرنا إلى فروق أسعار الفائدة، فيمكننا رؤية المدى الذي كانت عمليات البيع الأخيرة مدفوعة فيه بالخوف الكبير من الفيروس الراهن، فضلاً عن التقدم المحرز على مسار صفقات مغادرة المملكة المتحدة لعضوية الاتحاد الأوروبي. ولقد حققت عوائد السندات الحكومية في المملكة المتحدة والهند والعديد من بلدان الكومنولث الأخرى ارتفاعاً يفوق بكثير معادلات وزارة الخزانة للعام الماضي، والتي كان من المفترض بها أن تؤدي إلى ارتفاع قيمة الجنيه الإسترليني، ولكن العكس هو ما حدث.
لماذا ينبغي علينا التوقع باستمرار أسعار الفائدة البريطانية في دعم الجنيه الإسترليني على طول المسار؟ لفترة من الوقت، كانت التوقعات تدور حول أن البنك المركزي البريطاني سوف يكون مسالماً للغاية، مع الموجات الجديدة من عمليات شراء الأصول ذات التيسيرات الكمية الرامية إلى التخفيف من آثار أوضاع التداول إثر مغادرة المملكة المتحدة للاتحاد الأوروبي. ولم يتوقع أحد على الإطلاق ارتفاع أسعار الفائدة في أي فترة قريبة، بل كان من المرجح لدى الجميع احتمال طباعة المزيد من البنكنوت بُغية المحافظة على دوران عجلة الاقتصاد، تلك التوقعات التي تراجعت بصورة حادة. ومن بين الأسباب لذلك أن توقعات التضخم في المملكة المتحدة لا تزال مرتفعة للغاية وبأكثر مما كانت عليه لدى بقية دول العالم. ويرجع ذلك في جزء منه إلى الاعتقاد بأن الجنيه الإسترليني الأرخص قيمة سوف يؤدي إلى ارتفاع الأسعار.


- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة