معاهدات صداقة وتعاون خلف الكمامات

معاهدات صداقة وتعاون خلف الكمامات

الثلاثاء - 4 رجب 1442 هـ - 16 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15421]
داود الفرحان
كاتب عراقي

رُبّ ضارة نافعة؛ هل تؤدي جائحة «كورونا» التي تجتاح الكرة الأرضية، من الصين إلى الصين، إلى نظام عالمي جديد يقوم على أساس «كمامة واحدة» في مواجهة الأمراض المستجدة والفيروسات المتجددة؟
لم يتوحد العالم من قبل مثلما تقارب في عامي 2019 و2020 وعامنا الحالي 2021. لن نجد شعاراً أفضل من الكمامة يجمع بين القارات الخمس ويوحّد بين أكثر من خمسة آلاف لغة متداولة. ربما سنحتاج إلى طبيب يتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة. وأستدرك فأقول: لعلنا سنكون أكثر احتياجاً إلى طبيبة لتكون أول سيدة تتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة بين تسعة أمناء رجال تعاقبوا منذ تأسيس المنظمة في عام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. ربما تصلح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أو تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، أو النجمة الناشطة السياسية أنجلينا جولي.
هذا المقال ليس عن «كورونا» ولا عن الأمم المتحدة، وإن كان ذا صلة. في الخمسينات والستينات من القرن الماضي شاعت ظاهرة سياسية اسمها «معاهدة الصداقة والتعاون» بين دول نامية ودول كبرى، كان محورها الأساسي «الاقتصاد والإعمار» وهدفها الوطني حماية الاتجاهات التحررية للشعوب التي كانت ما زالت خاضعة للاستعمار.
عربياً، عقد اليمن أول معاهدة للصداقة والتجارة مع الاتحاد السوفياتي في عام 1928 (قبل 93 عاماً)، بينما أُقيمت العلاقات الدبلوماسية بينهما في عام 1955. ثم عقد اليمن الجنوبي معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي عام 1979، وتلته الجمهورية العربية اليمنية في عام 1984، وانسحبت بنود الاتفاقيتين إلى الجمهوريتين بعد الوحدة الطوعية بينهما في عام 1990 تحت تسمية الجمهورية اليمنية. الآن لم يعد هناك اتحاد سوفياتي ولا معاهدة صداقة ولا يمن موحد.
ويمكن للمعاهدات الدولية أن تكون ثنائية إذا كانت بين دولتين، أو متعددة الأطراف إذا كانت بين عدد من الدول أو بناءً على دعوة من منظمة دولية. وتُعقد الاتفاقيات في العادة كتابةً وتوقيعاً كما نصّت على ذلك اتفاقية فيينا للمعاهدات.
وتُعد الاتفاقيات أو المعاهدات التي يعقدها مقر بابا الفاتيكان مع دول أخرى مختلفة عن المعاهدات الدولية الأخرى، وتسمى «الكونكوردات»، وهي كلمة يونانية استُخدمت لأول مرة في عام 1801 لتوصيف اتفاقية بين نابليون إمبراطور فرنسا، وبابا الفاتيكان بيوس السابع. وقيل وقتها إنه إذا كان يستحيل وضع رجل شرطة في كل مكان، فإن الآلهة موجودة في كل مكان لضبط المجتمعات بالوعظ والتهديد بعظائم الأمور التي ستصبّها الآلهة أو الرهبان المنزوون في الصحراء أو الأماكن النائية والقادرون على توجيه دعواتهم إلى الله سبحانه وتعالى الآمر الناهي على الكون والمخلوقات.
وندع «الكونكوردات» في حالها ونعود إلى معاهدات الصداقة والتعاون المعاصرة، فقد عقدت مصر معاهدة صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفياتي عام 1956 في أعقاب العدوان الثلاثي البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي عليها بسبب تأميم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قناة السويس. وتبلورت المعاهدة على أرض الواقع بإنجاز السد العالي وبناء مصانع كبرى في مصر ودعم القدرات العسكرية وحركات التحرر العربية والأفريقية والآسيوية والأميركية اللاتينية. لكن الرئيس الراحل أنور السادات فضّ المعاهدة من طرف واحد في عام 1975 بعد 19 عاماً على توقيعها.
وفي العراق، أقدمت بغداد على عقد معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفياتي، ليس خلال حكم الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان الشيوعيون العراقيون يؤيدونه، ولكن خلال حكم حزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1972 بتوقيع الرئيس الراحل أحمد حسن البكر عن العراق، وأليكسي كوسيجين عن الاتحاد السوفياتي. ووفّرت المعاهدة مساحات واسعة من التعاون السياسي والاقتصادي والنفطي والتسليحي والثقافي والتجاري. ورغم أن المعاهدة نصّت على «أن الطرفين ستبقى بينهما صداقة دائمة لا تنفصم عُراها» إلا أنها انتهت مع كابوس الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003.
أما المملكة العربية السعودية فقد وقّعت «معاهدة صداقة» بين مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها وألمانيا في عام 1929 قبل حكم هتلر وتأسيس المملكة بتسميتها الحالية. وكانت المعاهدة بداية تعاون اقتصادي وتجاري واسع بين البلدين، وساعدت على توسيع الاتصالات الدبلوماسية السعودية مع الدول الأوروبية الأخرى.
أوردتُ هذه الأمثال على المعاهدات العربية القديمة مع دول أخرى، لأصل إلى معاهدة حديثة تأسست في عام 1967 من إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلند، شكّلت «رابطة دول جنوب شرقي آسيا» وتُختصر بكلمة «آسيان ASEAN» وهي منظمة حكومية دولية إقليمية، مقرها جاكرتا عاصمة إندونيسيا، هدفها الدفاع عن الهوية الآسيوية والتعاون الحكومي الدولي وتسهيل التكامل الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري والتعليمي والاجتماعي والثقافي بين أعضائها والدول الآسيوية الأخرى. وهي منظمة بتصنيف «مراقِبة رسمية» في منظمة الأمم المتحدة. وأولت المنظمة اهتماماً خاصاً لتعزيز السلام والاستقرار في العالم والاحترام المتبادل. وهي تضم عشرة أعضاء أساسيين هم: بروناي وكمبوديا وإندونيسيا ولاوس وماليزيا وميانمار والفلبين وسنغافورة وتايلند وفيتنام. وانضمت تباعاً الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وتم تعديل نظامها بحيث يسمح بعضوية دول من خارج محيطها الإقليمي، فانضمت تيمور الشرقية وبابوا غينيا الجديدة وأستراليا والهند ونيوزيلندا وروسيا وألمانيا والولايات المتحدة وبنغلاديش وكندا ومنغوليا وكوريا الشمالية وباكستان وسريلانكا و«الاتحاد الأوروبي». ورفضت المنظمة في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2019 طلب إسرائيل الانضمام إليها بعد أن اعترضت ثلاث دول إسلامية هي ماليزيا وإندونيسيا وسلطنة بروناي. وينص النظام الداخلي للمنظمة على أن تكون الموافقة على أي عضوية جديدة بالإجماع.
حتى الآن، انضمت إلى «آسيان» ثلاث دول عربية فقط هي المغرب ومصر والبحرين. وفي عام 2013 استضافت البحرين اجتماعاً بين منظمة «آسيان» ومجلس التعاون الخليجي على مستوى وزراء الخارجية لتطوير العلاقات الاقتصادية وإقامة شراكات تجارية بين دول المنظمتين.
«آسيان» غير معروفة جيداً في بلداننا العربية مع أن المنظمة تهدف إلى تعزيز السلام الدائم والصداقة طويلة الأمد والتعاون بين شعوب الدول الأعضاء على أسس الاحترام المتبادل والسيادة والمساواة والسلامة الإقليمية والهوية الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتسوية الخلافات بالطرق السلمية ونبذ استخدام القوة النووية أو التهديد بها. وكل هذه الأهداف والمزايا لا تنطبق على دولة منبوذة اسمها: إيران. فهي دولة لا تؤمن بالسلام، وحين اضطر المرشد الإيراني الراحل الخميني في عام 1988 إلى القبول بوقف إطلاق النار في الحرب العراقية - الإيرانية قال كلمته الشهيرة: «قبلت وقف الحرب كأنّي أتجرع كأساً من السم»!
ومع أن الطابع العام لـ«آسيان» هو الاقتصاد والسلام والتعاون فإن الاتحاد الأوروبي أكد خلال الاجتماع الثاني والعشرين بين الاتحاد و«آسيان» عام 2019 في بروكسل، رفع مستوى العلاقات بين الدول الأعضاء إلى «استراتيجية». إلا أن هناك تحفظات من بعض دول «آسيان» التي ترفض الخروج عن الأسس التي قامت عليها رابطة دول جنوب شرقي آسيا، وهي السلام والاقتصاد والتعاون. وفي المقابل دعت الرابطة إلى تأكيد الشراكة في الاندماج ورفض «الحمائية» التي طالب بها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، وقاطع الاجتماع بسبب عدم الموافقة على هذا الشرط.
وشهدت السنوات الأخيرة من أجندة «آسيان» طرح قضايا غير الاقتصاد والتجارة، ومنها: الأمن السيبراني، والأمن البحري، وأمن الطاقة، والتنمية المستدامة، وحماية حقوق الإنسان، والاقتصاد الدائري، والطاقة النفطية، والمدن الذكية، والمحيطات الصحية لحماية البيئة والتنوع البيولوجي، ومكافحة الإرهاب. وأضع خطاً أحمر تحت عنوان «مكافحة الإرهاب»، وإيّاكِ أعني يا إيران.
من المفيد جداً أن تتعاون جامعة الدول العربية، كمنظمة إقليمية تمتد مساحتها من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، للتفاعل المثمر مع منظمة مثمرة وناشطة ومنفتحة. لقد أثبتت جائحة «كورونا» أن المستقبل الإنساني لن يعود إلى الازدهار إلا بالتعاون الدولي كمنظمات أولاً وكدول ثانياً.
باختصار: نحيا معاً... ولا نموت معاً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة