علي العميم
صحافي ومثقف سعودي بدأ عمله الصحافي في مجلة «اليمامة» السعودية، كتب في جريدة «الرياض» وكتب في جريدة «عكاظ» السعوديتين، ثم عمل محرراً ثقافياً في جريدة «الشرق الأوسط»، ومحرراً صحافياً في مجلة «المجلة» وكتب زاوية أسبوعية فيها. له عدة مؤلفات منها «العلمانية والممانعة الاسلامية: محاورات في النهضة والحداثة»، و«شيء من النقد، شيء من التاريخ: آراء في الحداثة والصحوة في الليبرالية واليسار»، و«عبد الله النفيسي: الرجل، الفكرة التقلبات: سيرة غير تبجيلية». له دراسة عنوانها «المستشرق ورجل المخابرات البريطاني ج. هيوارث – دن: صلة مريبة بالإخوان المسلمين وحسن البنا وسيد قطب»، نشرها مقدمة لترجمة كتاب «الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة» لجيميس هيوارث – دن مع التعليق عليه.
TT

تدليس وتحايل مختص بغلادستون

يقول الدكتور يوسف حسين عمر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة الأقصى بغزة، في بحثه «غلادستون والمسألة البلغارية 1875 - 1876»: «كما طالب غلادستون في كتيبه بطرد الأتراك العثمانيين، قائلاً: تلك الوحشية والشيطانية... الأتراك نوع من البشر عديمي الإنسانية... لا يستطيع مجرم في أحد سجوننا أو أحد آكلي لحوم البشر من بحار الجنوب أن يسمع هذه القصة دون أن يغضب... العلاج هو إرغام الأتراك على أن يخلصونا من مساوئهم بالطريقة الوحيدة الممكنة، وهي أن يخلصونا من أنفسهم بأن يرحلوا بأنفسهم (كذا) ومعهم ضبطييهم، ومديريهم، وبمباشيهم، ويزباشيتهم، وقائمي مقامهم، وباشواتهم، كل هؤلاء جميعاً (كذا) بكل أحمالهم يرحلوا (كذا) عن الولاية التي خربوها ودنسوها» (101).
يحيل الدكتور يوسف حسين عمر في هذا الاقتباس في هامش رقم «101» إلى كتاب غلادستون «الفظائع البلغارية والمسألة الشرقية» في طبعته الأولى، طبعة عام 1876 مع رقم الصفحة. وأعقبه بالإحالة إلى كتاب مؤلف باللغة التركية لمؤلفه بورهان أوغوز مع رقم الصفحة. عنوانه - كما ترجمه لي - الدكتور سهيل صابان أستاذ التاريخ العثماني بجامعة الملك سعود هو: «حقيقة الألمان والأتراك عبر القرون». ثم أحال إلى مجموعة من الكتب مكتوبة باللغة الإنجليزية مع أرقام الصفحات بلغ عددها أحد عشر كتاباً، وكان من بين الكتب التي أحال إليها في هذه المجموعة كتاب أندريه موروا عن حياة دزرائيلي. وقد جاء ترتيبه قبل الكتابين الأخيرين.
بحث الأكاديمي الفلسطيني منشور في مجلة علمية محكمة، هي - كما أشرت في مقالي السابق - مجلة كلية الآداب الصادرة في جامعة القاهرة، ومع هذا لم يتوقف محكمو البحث أمام هذه الإحالة العجيبة. فالاقتباس في أول إحالة أحاله إلى صاحبه غلادستون وأخذه من مصدره الأصلي الذي هو كتابه عن «الفظائع البلغارية والمسألة الشرقية». فلماذا لم يسأل المحكمون أنفسهم: ما حاجته، وقد أرجع الاقتباس إلى مصدره الأصلي، إلى أن يحيل إلى كتب أخرى بأرقام صفحاتها ذكرت ما قاله غلادستون في هذا الاقتباس؟! فهل هذه الكتب تعزز من مصداقية إحالته الأولى، وتثبت صحة ما قاله غلادستون في الاقتباس المأخوذ من كتاب هو ألفه بنفسه؟!
قبل أن أقرأ بحث الدكتور يوسف حسين عمر هذا، وبحثه الآخر (غلادستون والمسألة الأرمنية 1894 - 1896) معاً، كنت قد قرأت ترجمة حسن محمود لكتاب أندريه موروا: «حياة دزرائيلي»، ولما قرأت الاقتباس في بحثه الأول، تذكرت أني قد قرأت ترجمته حرفياً في كتاب أندريه موروا عن دزرائيلي، فطفقت أقارن بين الاقتباسين، لأتأكد من صدق ظني، ورحت أدقق في هامش الإحالة في بحث الدكتور يوسف حسين عمر. وهو التدقيق الذي قادني إلى الملحوظة الجوهرية السالفة، التي عرفت منها أن محكمي البحث أجازوه للنشر في تلك المجلة المحكمة من دون تدقيق في إحالاته. ووصلت إلى أنه لم يترجم الاقتباس من كتاب غلادستون، وإنما نقله من ترجمة حسن محمود لكتاب أندريه موروا عن دزرائيلي إلى اللغة العربية. وأدلتي على ذلك هي ما يلي:
اقتباس الدكتور يوسف حسين عمر من كتاب غلادستون يبدأ بجملة «تلك الوحشية والشيطانية»، وتضمن ثلاث علامات حذف (...)، واقتباس أندريه موروا بدأ بتلك الجملة، وتضمن ثلاث علامات حذف في الموقع نفسه من نص الاقتباس. وهذا يستحيل أن يحصل عند كاتبين، بخاصة إثبات جملة وحذف جملة أو جمل في فقرة أو فقرات متصلة.
تصرف الدكتور يوسف حسين عمر في طريقة كتابة الرتب العثمانية، وفي صياغة بعض الجمل ليخفي أنه ينقل من اقتباس مترجم إلى اللغة العربية.
في الاقتباس الذي نقل منه، العبارة هي: أحد أكلة لحوم الآدميين. وهو غير «الآدميين» إلى «البشر».
وفي الاقتباس الذي نقل منه، العبارة هي: أن يسمع هذه القصة بلا غضب، وهو غير «بلا غضب» إلى «من دون أن يغضب».
قد يلحظ القارئ معي أنه بهذا التصرف في هذا العبارة قد أضعف من درجة الغضب. وهذا ما لا يريده غلادستون في كتيبه الغاضب الهائج. إذ إن عبارة «بلا غضب» هي أقوى بكثير من عبارة «من دون أن يغضب».
وفي الاقتباس الذي نقل منه، العبارة هي: وهي أن يخلصونا من أنفسهم. ومع أن هذه الجملة جملة مكتملة، إلا أنه أضاف إليها في هذا السياق جملة ركيكة، شكلاً ومعنى، هي: بأن يرحلوا بأنفسهم. فمن ناحية المعنى جعلت السياق وكأن القضية فيه هي أن الأتراك لا يريدون أن يعتمدوا على أنفسهم في الرحيل عن أرض البلقان، وإنما كانوا ينتظرون من غيرهم أن يتحمل مؤونة ترحيلهم. وزاد الركة في هذه الجملة المضافة ركة في جملة أخرى حين قال: «ومعهم ضبطييهم، ومديريهم...» في حين أن العبارة في النص الذي نقل منه، وإني لا أرجو أن ضباطهم ومديريهم...
مشكلة الزيادة في الركة أنها تقلب القضية، وتوهم القارئ بأن مطلب غلادستون الأساسي في كتيبه، هو ترحيل الأتراك المستوطنين في أرض البلقان، لكنه مع سعار هذا المطلب عنده انفعل وقال: «ومعهم ضباطهم ومديريهم»...
والقضية هي بخلاف ذلك، فمطلبه الأساسي رحيل الغازي التركي من أرض البلقان، بعسكرييه وسياسيه وإدارييه.
أما تصرفه في طريقه كتابة الرتب العثمانية، فسأذكرها حسب ورودها في الاقتباس الناقل والاقتباس المنقول منه.
في الاقتباس المنقول منه: «ضباط»، وكتبها: «وضبطييهم». كلمة ضبطييهم من الكلمات العربية المتركة في اللغة التركية. وغلادستون في كتيبه كتب الرتب العثمانية كما هي في اللغة التركية وكما ينطقها الأتراك. وهو قد كتبها بصورة مقاربة لكتابة غلادستون لها. أي zapiehs.هو يعرف كيف تكتب وتنطق في اللغة التركية. لأنه في بحثه استعان بكتب في اللغة التركية. تصرفه في كلمة ضباط كان تصرفاً خاطئاً، لأن القارئ سيعتقد أن كلمة ضبطييهم تعني الناس الموكل إليهم مهمة تدوين المضابط أو السجلات.
وفي الاقتباس المنقول منه: «وبمبأشياتهم»، وقد كتبها «وبمباشيهم». وبمبأشياتهم هي الجمع لمباشي. أما مباشيهم فهو اسم مفرد. وفي كتيب غلادستون وردت بصيغة الجمع.
وفي النص المنقول منه: «ويوزبأشياتهم». وقد كتبها «ويزبأشياهم»، ويوزباشاتهم هي الرسم الصحيح لهذه الكلمة، أما يزبأشيانهم فهو رسم خاطئ لها.
وفي الاقتباس المنقول منه: «والقائمين مقامهم»، وقد كتبها: «قائمي مقامهم». وهذا التصرف الوحيد منه الذي كان تصرفاً صائباً. فهو قد أدرك أن ما يعنيه غلادستون هو رتبة قائم مقام، لأنه كان يتحدث عن الرتب العثمانية. وعلاوة على ذلك هناك أخطاء نحوية في رسم هذه الكلمات في السياق الذي وردت فيه، إذ كان عليه أن يقول: ضبطيوهم ومديروهم وبمباشيوهم وقائمو مقامهم.
وقد صورت الفقرة التي وردت في الاقتباسين من كتيب غلادستون، وأرسلتها عبر «الواتساب» للدكتور سهيل صابان، فقال: «إن غلادستون أخطأ في كتابة قائم مقام فهو كتبها بهذه الصورة (Kaimakarns)، وكتابتها الصحيحة من أجل أن يفهمها التركي والعربي هي: Kaymakam»
في الاقتباس المنقول منه، العبارة هي كل هؤلاء وأحمالهم يرحلون عن الولايات التي خربوها ودنسوها، وتصرف فيها، وصاغها بركة حيث قال «كل هؤلاء جميعاً بكل أحمالهم يرحلوا عن الولاية التي خربوها ودنسوها»، مع أنها كانت في الأصل الذي نقل منه أبلغ وأدق.
الدليل الأخير على أن الدكتور يوسف حسين عمر نقل اقتباسه من كتاب أندريه موروا المترجم إلى اللغة العربية، ولم يترجمه من كتيب غلادستون، هو أن أندريه موروا في اقتباسه من كتيب غلادستون تصرف في ترتيب الجمل، بما يخالف ترتيب ورودها في كتيب غلادستون، بحكم أنه يكتب بطريقة صحافية وأدبية وليس بطريقة أكاديمية. وقد حذا الأكاديمي يوسف حسين عمر حذوه القدة بالقدة!
الضبطية - كما أوضح لي الدكتور سهيل صابان - تعني الجندرمة، وهم المحافظون على الأمن العام، وليسوا ضباط الجيش.
وبمناسبة إيضاح الدكتور سهيل صابان هذا، يطيب لي أن أضيف: أن لبنان وسوريا أيام السيطرة العثمانية وأيام الاستعمار الفرنسي عرفت نظام الجندرمة، لفظاً وتنظيماً عسكرياً، وكذلك عرفتها تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا إبان استعمار فرنسا لهذه البلدان. وفي لبنان والجزائر والمغرب وموريتانيا ترجم هذا التعبير الذي هو لفظاً وتنظيماً عسكرياً، فرنسي، إلى الدرك. وما زال هذا التعبير الفرنسي المترك يستخدم في تركيا.
فضحي للتدليس في اقتباس الدكتور يوسف حسين عمر من كتيب غلادستون، لا يعني أن أشكك في أنه قرأ هذا الكتيب، وأنه اطلع على كتاب أندريه موروا عن دزرائيلي باللغة الإنجليزية، فما فصلت فيه هو أن الاقتباس ليس من ترجمته، وإنما من ترجمة حسن محمود مترجم كتاب أندريه موروا عن دزرائيلي. وقد أتيت بهذا المثال على تدليسه لغاية سأوضحها فيما بعد.
بحثا الدكتور يوسف حسين عمر: (غلادستون والمسألة البلغارية 1875 - 1876)، (غلادستون والمسألة الأرمنية 1894 - 1896)، هما من الأبحاث التي تقوم على الاقتباس المباشر التي يذكر في الهوامش اسم الكتاب واسم مؤلفه ورقم الصفحة المأخوذ منها النص المقتبس، ومكان نشر الكتاب، وتاريخ طبعته التي اعتمدها في اقتباسه. في بحثه الأول المكون من تسع عشرة صفحة وما يقرب من نصف الصفحة اعتمد على ثمانية وتسعين مصدراً منها ثلاثة مصادر تركية ومصدر مترجم إلى اللغة العربية، والباقي مصادر إنجليزية. وفي بحثه الثاني المكون من تسع وعشرين صفحة وربع الصفحة اعتمد على ثلاثة وثمانين مصدراً، منها أحد عشر مصدراً تركياً ومصدر فرنسي ومصدر عربي، وهو بحثه الأول، والباقي مصادر إنجليزية.
وتفسيراً للملحوظة التي استرعت انتباهي في المقال السابق، وهي أني فوجئت بأنه في هذين البحثين لم يتعرض للعبارة المنسوبة إلى غلادستون، لا بالنفي ولا بالإثبات، أقول: هو فضل أن يتجاهلها لأنه من ناحية لا يستطيع إثباتها من مصدر إنجليزي أصلي أو ثانوي، وبحثاه يقومان على الاقتباس المباشر، ومن ناحية ثانية يصعب عليه روحياً وثقافياً لإسلاميته أن ينفيها.
وبرغم التقييد الشكلي الصارم المفروض على الأبحاث التي تقوم على الاقتباس المباشر، فلقد حاول أن يثبت العبارة المنسوبة إلى غلادستون بطريقة غير مباشرة. وذلك من خلال قوله في ملخص بحثه - وملخص البحث معفى من الإحالة إلى مصادر -: موقف غلادستون المعادي للدولة العثمانية باعتبارها دولة إسلامية!
ودسّه لكلمة المسلمين في خطبة غلادستون في ذكرى ميلاده في 29 ديسمبر (كانون الأول) 1894، التي استشهد بفقرات منها. هذا الدس كان في العبارة التالية: «ضد الأتراك والمسلمين». وادعاؤه في هامش من هوامش استشهاده بفقرات من الخطبة: أن غلادستون في كثير من خطاباته وخطبه يستخدم كلمات وألفاظاً فيها سب وقدح بشخص نبينا، لذلك هو تجاوزها في بحثه!
وقوله في خاتمة بحثه - وخاتمة البحث معفاة أيضاً من الإحالة إلى مصادر - عن غلادستون: «لذلك قام بحملات دعائية عدائية ضد السلطان عبد الحميد والدولة العثمانية على خلفية دينية متعصبة، وهو ما اتضح من خلال استخدامه الكلمات القاسية المتهجمة على الإسلام والمسلمين».
وقوله في ملخص بحثه الأول: «جعلت غلادستون يعود مجدداً للحياة السياسية في بريطانيا مدفوعاً بخلفيته الدينية المسيحية المتعصبة».
هذه الأقوال التي قالها في ملخص بحثيه، وفي خاتمة بحثه الثاني لم يقلها في متني البحثين، لأن قولها في المتن، يستلزم الإحالة إلى مصدر. هذا التحايل المسؤول عنه محكمو هذين البحثين، إذ إن ملخص البحث وخاتمته في الأبحاث المقيدة بضوابط شكلية صارمة، يجب أن يكونا منتزعين من متنه.
إن الغاية من فضحي لتدليسه في هامش رقم «101» ومتنه، هي إطلاع القارئ أنه ليس ثقة في النقل والإحالة. وللحديث بقية.