البيروقراطي يفتعل أزمة مع الطبيب

البيروقراطي يفتعل أزمة مع الطبيب

الأحد - 17 جمادى الآخرة 1442 هـ - 31 يناير 2021 مـ رقم العدد [15405]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

الأزمة التي صعَّدتها - إن لم تكن افتعلتها - المفوضية الأوروبية، مع معامل أدوية «أسترا زينيكا - أكسفورد» بشأن مصل «كوفيد - 19» المستجد، وتهديداتها بمنع «تصدير» الأمصال والأدوية المنتجة داخل الاتحاد الأوروبي إلى بلدان خارجية، تثير عدة ملاحظات.
أولها سوء الإدارة، كأمر حتمي للأنظمة شبه الأوتوقراطية؛ خصوصاً في تجمعات ضخمة بأغراض سياسية، تطبيقاً لشعارات رنانة، كالوحدة الفيدرالية التي تديرها بيروقراطية مشلولة على حساب الواقع العملي للدولة القومية، كتجربة سقوط الاتحاد السوفياتي التي لم تستوعبها مفوضية بروكسل.
ثانيها الصفوة الحاكمة التي لا تخضع لمحاسبة ناخب يمكنه تغييرها، تحاول صرف الانتباه عن فشلها بافتعال أزمة مع طرف خارجي. وصحيح أن الصراع مع الخصوم اليوم ليس بمواجهات عسكرية؛ بل بوسائل قانونية واقتصادية.
وثالثها الصراع دائماً يُلحق خسائر بالطرفين، فمن سيدفع ثمن المواجهة؟
والإجابة، كأي صراع عبر التاريخ: الشعوب؛ خصوصاً البسطاء والفقراء والكادحين والأضعف في المجتمع، وليس الصفوة الحاكمة.
ما هي الحقائق والمعلومات المتوفرة التي نطرحها أمام القراء ليستخلصوا النتائج بأنفسهم؟
رغم أن المفوضية تقول للصحافيين إنها لا تريد منع تصدير الأمصال والأدوية المنتجة في البلدان الـ27، فإن الأمر الإداري «بطلب الشركة المعنية إذناً مسبقاً من الحكومة التي تتبع المعامل أراضيها، للتصدير» يعني منع نقل مصل «فايزر» المنتج في بلجيكا إلى بريطانيا لابتزازها، كي تضغط على الشركة فتحول 50 مليوناً من جرعات المصل المنتج في معامل «أكسفورد» إلى أوروبا، وتحرم منها مواطني بريطانيا خرقاً للاتفاقية.
منع التصدير سيحرم النرويج وسويسرا وآيسلندا وبقية بلدان العالم من الأمصال.
الأمصال التي تنتج في معامل بلدان الاتحاد الأوروبي اثنان فقط؛ مصل «فايزر» الذي تنتجه الشركة الألمانية، وهو مصل صرحت اللجنة الطبية للاتحاد الأوروبي باستخدامه لمن سمتهم «المواطنين الأوروبيين» (لا معنى لهذه المواطنة في القانون الدولي)؛ ومصل «أسترا زينيكا» الذي أنتجته الشركة بالمشاركة مع المعامل الطبية في جامعة «أكسفورد» العريقة، بمعامل في بلجيكا وفرنسا وألمانيا، وهي معامل صغيرة الحجم مقارنة بمعاملها في بريطانيا. هذا المصل لم تصرح اللجنة الطبية الأوروبية باستخدامه إلا الجمعة أول من أمس فقط، فلماذا الخصومة بشأن مصل قبل التصريح باستخدامه طبياً بأيام؟
لهذا اخترت تعبير «افتعلت الأزمة»؟ لأن المفوضية تريد صرف الانتباه عن تأخرها وتقصيرها وعدم كفاءتها في إدارة الأمر، بعد انتقادات في الصحافة، وبعد سبق بريطانيا، التي تعمل بشكل منفصل عن الاتحاد؛ حيث تم تطعيم قرابة تسعة ملايين شخص حتى مساء الجمعة بمتوسط ربع مليون في اليوم، أي أكثر من جميع من تم تطعيمهم في بلدان أوروبا مجتمعة.
بروكسل تعاقدت مع «أسترا زينيكا» على أكثر من 90 مليون جرعة مصل، وقدرة معامل الأخيرة في أوروبا اليوم الإنتاجية 31 مليون جرعة، والبقية على مراحل في الأشهر القادمة. المفوضية تهدد بالمقاضاة، وبما يبدو عقوبة طبية جماعية لمواطني بريطانيا.
هنا نشبِّه الموقف بصاحب عقار سمع بمصمم أزياء، فدعاه إلى الإقامة مجاناً في البناية، ودعمه بالمال لشراء المعدات والقماش، ثم دفع الثمن مقدماً (19 جنيهاً تدفعها بريطانيا لجرعة المصل) لملابس تكفي أسرته، سبعة أشهر قبل افتتاح المحل؛ لأن طابور الطلب على الملابس سيزداد طولاً عندما يحل الشتاء؛ وبعد خمسة أشهر يأتي غريب ظل يفاوض صاحب المحل على الثمن، فخفضه من 19 إلى 14 جنيهاً. وعند فتح المحل يقفز من آخر الطابور ويريد انتزاع ثياب أسرة صاحب العقار!
في فبراير (شباط) العام الماضي، اجتمع ممثلو شركات ومعامل الأدوية البريطانية، وقرروا التعاون ومشاركة المعلومات، والبحث، وتوحيد الجهود للخروج بمصل لمكافحة فيروس «كورونا» بأسرع وقت، مع تقديم طلب للحكومة للمساعدة. هذا لم يحدث في أوروبا بسبب مركزية وبيروقراطية الاتحاد. الخزانة البريطانية قدمت دعماً للمعامل والأبحاث، وكان نصيب معامل «أكسفورد - أستراز ينيكا» 20 مليون جنيه (28 مليون دولار).
حكومة بريطانيا تعاقدت مع أكثر من 12 شركة معامل أدوية وأمصال على شراء مئات الملايين من الجرعات، قبل أن تبدأ المعامل البحث، ناهيك عن الإنتاج، وهذا أيضاً ما لم يخطر ببال المفوضية الأوروبية التي كانت مشغولة باختيار رؤساء جدد، وابتزاز المفاوض البريطاني، وإثارة المشكلات مع آيرلندا، كورقة ضغط على بريطانيا، بدلاً من التركيز على دعم معامل إنتاج الأمصال، وتمويل البحث الطبي، وتأسيس معامل جديدة (وهي نقطة في بحر، مقارنة بستة مليارات يورو تنفقها المفوضية الأوروبية على بروباغندا تلميع صورتها والعلاقات العامة).
وزارة الصحة البريطانية في تعاقدها مع الشركات لم تحدد فقط عدد الجرعات ومواعيد التسليم؛ بل وضعت شروطاً أساسية تتعلق بالمعامل التي تنتج الأمصال على الأراضي البريطانية، بأن تكون الأولوية للبريطانيين؛ خصوصاً المعامل التي تلقت دعماً من الخزانة (أي من دافع الضرائب). وفور أن يتم الإعلان عن ظهور مصل جديد، يكتشف الصحافيون أن بريطانيا تعاقدت في العام الماضي على شراء المصل بثمن طلبته الشركة، من دون إضاعة وقت في محاولات تخفيض الثمن، فجميع معامل الأدوية اليوم تحت مجهر الصحافة العالمية، ومنظمة الصحة العالمية، وكلها تعمل بأقصى الجهد لتوفير الأمصال بثمن الإنتاج، بلا أرباح تذكر، ومجاناً للبلدان الفقيرة. (التطعيم بمصل الكوليرا يتكلف 40 جنيهاً، والجدري 99 جنيهاً، والدفتريا 80 جنيهاً، على سبيل المثال).
مثلاً: يوم الجمعة أعلنت معامل «جانستين» البلجيكية (تابعة لشركة «جونسون آند جونسون» البريطانية العالمية) نجاح مصلها الجديد بنسبة 66 في المائة. وكانت وزارة الصحة البريطانية قد تعاقدت على 30 مليون جرعة العام الماضي، وجمعت أبحاث الشركة.
وحتى الصحافة الموالية للاتحاد الأوروبي، كـ«الغارديان» البريطانية التي تقود جوقة الإنشاد للاتحاد الأوروبي، انتقدت المفوضية في «إضاعتها ثلاثة أشهر في التفاوض حول بضعة جنيهات، بدلاً من الإسراع في التعاقد على توريد الدواء». أما «الفايننشيال تايمز»، منبر البقائيين في الاتحاد، فانتقدت المفوضية ونصحتها «بالإسراع في الاعتراف بتقصيرها، وتوظيف الجهد والوقت للتنسيق مع شركات الدواء والحكومات القومية، لتوفير المصل لمن يحتاجه».
لماذا لا تعمل المفوضية بنصيحة الصحف؟
فخوض معركة قانونية مع «أسترا زينيكا» سيتكلف الملايين، يذهب معظمها إلى جيوب المحامين والفئات المرتزقة، ومن الأفضل استثمارها في زيادة قدرات معامل إنتاج المصل الأوروبية، بدلاً من تعريض حياة مئات الملايين للخطر بتعطيل تطعيمهم ضد الوباء.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة