كان رحيله مؤلما، عبد الله بن عبد العزيز، الذي طوّعت له القلوب حبا وولاء، وانصهرت ولاءات المجتمع من أطرافه لسلطانه وحكمه وقوله، وأسس لأنماط من التداخل بين رجال السياسة والنخبة، وقوّى المؤسسات المدنية وأحياها بعد طول ترهّل، وجعل الثروة بآثارها ماثلة أمام شعبه ليستمتع بها. وإذا كان عهد الملك خالد ومن ثم عهد الملك فهد قد شهدا البنية التحتية الأساسية للسعودية، فإن عصر الملك الراحل عبد الله شهد نقلة مفصلية في مجال البناء والتأسيس، يمكن أن يطلق عليها «تجاوز» تراكمي، لكنه ليس تجاوزا يقطع من الأسس الأولى التي وضعت على عهد الملك المؤسس عبد العزيز. استطاع أن يجفف ما أمكنه من منابع الإرهاب والفساد، وأن يضخّ بكل قوة خطابات التسامح والمحبة، وأن يشيد صروحا للتنوير والسلام، لهذا كان رحيله فجيعة كبرى، ذلك أن روحه وعقله ورؤيته وجرأته كانت تحرس السعودية من أخطار طيور الظلام وأفاعي العنف والإجرام.
غير أن تولّي الملك سلمان بن عبد العزيز أشاع روح الطمأنينة بين الناس، وجعلهم أمام تشوّف طموح لما سيخطه في تاريخ المملكة، ذلك أن المنجز السعودي الذي بدأ في الثلاثينات من القرن العشرين كان تراكميا، ولم يشهد حالة «قطائع» بين المنجزات أو الرؤى. على سبيل المثال التراكم في محاربة الظلام، فقد عانت السعودية منذ تأسيسها من الإرهابيين والقتلة من الذين يحملون فكرا ضد العصر وحركة الحياة. وخاض الملك عبد العزيز معركة السبلة ضد «إخوان من طاع الله» الذين نزعوا البيعة وأرادوا قطع العلاقة مع الغرب وإيقاف بناء المؤسسات الحديثة في الدولة والانكفاء على الماضي، وأغاروا على المدن والبلدان والتجار، وأثاروا الفوضى في حدود العراق، غير أن نفاد صبر عبد العزيز جعله يؤسس لجيش عرمرم ليشهد يوم 30 مارس (آذار) 1929، هزيمة أشرس نماذج التطرف آنذاك. خاض الملك فيصل هذه المعركة مع والده عبد العزيز، ومع اشتداد المعركة حاول بعضهم الفرار، فترأّس الملك فيصل الخيّالة لملاحقة المنهزمين الهاربين القتلة. واستمر التحدّي الإرهابي في عهد خالد حين ضرب الجماعة السلفية المحتسبة بقيادة جهيمان إبان احتلالها للحرم المكي في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، وفي عهد الملك فهد أدّب مجموعة من المتمردين المتطرفين في بريدة عام 1995. وقد شهد العالم كله ما فعله عبد الله في عهده بمكافحة الإرهاب منذ 2005 وإلى 2015، وقد كان عهده هو الذروة في استئصال الإرهاب.
السعودية استطاعت فعل الكثير هذا ما يعلمه العالم كله، لكنها أيضا تستطيع فعل المزيد، وآية ذلك أن النهج الملكي الممتد والمتواصل يمكنه أن يغير طرق العمل المؤسسي، وأن يعيد الترتيب في العلاقات بين الحقول الاجتماعية، وأن يستثمر سمات المجتمع الخام، ومن ثم يتم استئناف العمل لتقريب التأثر والتأثير بين المجتمع المدني والدولة لغرض إدماجهم في المساهمة من أجل تجاوز التحديات التي تواجهها المنطقة.
من حق الدولة أن تسنّ القوانين التي تحمي حدودها وبلادها من الاضطرابات، وعلى المجتمع المدني أن يكون منضويا معها، وهذا هو تعبير الفيلسوف توماس هوبز حين كتب: «لا يمكن للقانون أن يكون غير عادل، القانون تشرّعه القوة ذات السيادة، وكل ما تفعله تلك القوة مبرر ومطلوب».
إن المشكلة التي تطرحها فكرة «فصل» المجتمع المدني عن الدولة - كما يطرحها جون لوك - أنها تبعد الخطابات العامة، وسياسات التعليم، وأسس التوجيه، وأدوات الإدارة، وصيغ التنفيذ، عن الرؤية التي يراها السلطان، وهذا هو وجه الفرق بين رؤية هوبز التي تساوي بين المجتمع المدني والدولة، وبين رؤية توماس هوبز الفاصل. لقد تحدثتُ من قبل عن أن الملكيات العربية هي الأقدر على تجاوز الأخطار المحيطة بالمنطقة، ذلك أنها تمتلك المشروعية الطبيعية، ولديها الطاقة البشرية، ولديها رصيد وترسانة من المكائن التي تحرّك بها المجتمع بوصفها دولا راعية تستطيع أن تؤثّر وتغير وتنسج وتقولب، ولديها القدرة على الأمر والنهي.
يجب ألا تكون هناك مسافة بين الرؤية الملكية وإرادة السلطان وبين سياسات مؤسسات المجتمع المدني، وحين يتم الربط بين هذين الأمرين تكون البنية الأساسية للحركة مع العصر وفيه أكثر صلابةً من أي وقتٍ مضى. لقد بقيت الدول الملكية متماسكة رغم أخطار هددتها منذ الاتحاد السوفياتي، إلى الخطر العراقي، وصولا إلى التهديد الإيراني، والاضطرابات العربية الكارثية طوال السنوات الأربع التي مضت.
أثبتت السعودية أنها ناجحة بامتياز، وأنها مركز دولي مهم في المنطقة، ولعل توافد زعماء دول العالم المهمة إليها، ووصول قادة القوة على هذا الكوكب، يعبر عن امتنان عميق، وعن اعتراف مطلق بضرورة هذا الكيان المشيّد القوي، والذي هزم كل عاتيات الرياح منذ التأسيس وإلى اليوم، كما كتبوا في الملك سلمان الذي كان منذ الأساس حاكما عبر إداراته التنفيذية مع والده، ومن ثم في منطقة الرياض ووزارة الدفاع، وصولا إلى سدة الحكم، فهو خبير بدهاليز الأمم وأخطار الأقاليم وتربص المتربصين.
إنه زمن نضج الملكيات، وأفول وتلاشي الديمقراطيات.
13:30 دقيقه
TT
السعودية.. هيبة الحكم وأنماط النفوذ
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
