بين صلابة الديمقراطية الأميركية و«الترمبية»

بين صلابة الديمقراطية الأميركية و«الترمبية»

الاثنين - 12 جمادى الآخرة 1442 هـ - 25 يناير 2021 مـ رقم العدد [15399]

بعد احتفال تنصيب الرئيس الأميركي السادس والأربعين جو بايدن، بدا أن المبالغة كانت سمة التعليقات والتحليلات والتوقعات التي تلت اقتحام الغوغاء مبنى الكابيتول في السادس من الشهر الجاري ومسعاهم الفاشل لتعطيل جلسة التصديق على انتخاب الرئيس، لا سيما تلك التي وصفته بانقلاب سيحوّل أميركا إلى جمهورية موز مترحِّمة على الديمقراطية ومبشِّرة بانهيار الهيكل الأميركي. وطالت المبالغة أبعاد العملية وذيولها كما إجراءات الأمن الاستثنائية التي شهدتها واشنطن والتي قد تكون ردعت من يفكّر في القيام بعمل ما إبان الاحتفالات، إنما تبين أن بقية الولايات وعواصمها ومدنها الكبرى لم تشهد أي حادث أو مظاهرة أو مظاهر رفض واستنكار لتنصيب الرئيس.
ليس الهدف من هذا التوصيف التخفيف من وطأة الأزمة التي تمر بها الولايات المتحدة منذ بداية حملة الانتخابات الرئاسية وحتى قبلها، حين فتح الرئيس دونالد ترمب باب التشكيك في نزاهة الانتخابات وفي صدقية الإعلام الحر إلى حد إعلانه صراحةً أنه لن يعترف بالنتيجة إذا أتت لغير صالحه. وهذا ما حصل بعد فرز النتائج وإعلان فوز خصمه بايدن، وحتى الآن لم يوجه إليه تهنئة مباشرة، بل جلّ ما تمناه هو التوفيق والنجاح للإدارة الجديدة مع رسالة شخصية وُصفت بالكريمة، وقاطع حفل التنصيب مسجلاً بشعبويته أنه من خارج هذه الفئة الحاكمة.
هذا المسار الطويل، منذ الحملة حتى يوم التنصيب، إن دلّ على شيء فعلى فرادة الديمقراطية الأميركية، وأهمية دور المؤسسات على اختلافها سياسية كانت أم قضائية أو أمنية وتناغمها وثباتها، ما يسمح باعتبار ما حصل نجاحاً ثلاثياً للديمقراطية الأميركية.
الأول، هو انتهاء اقتحام مبنى الكابيتول بساعات قليلة وسيطرة القوى الأمنية بعدها على الموقف ومباشرة ملاحقة المهاجمين ومساءلتهم بتهم من ضمن القوانين المرعية من دون إسراف أو إساءة استعمال أو تعدٍّ على حقوق المواطنين، على الرغم من خطورته وما كشفته التحقيقات لاحقاً.
الثاني، هو إصرار أعضاء الكونغرس على متابعة العملية الديمقراطية مباشرةً وفي اليوم نفسه ورفض أي محاولة للتأجيل والتقاط الأنفاس، فاستأنف المشرّعون الجلسة والمناقشات والاستماع إلى الآراء المختلفة ومنها تلك المشككة في نتائج التصويت في بعض الولايات والتي طالبت بإبطالها. كما برز دور نائب الرئيس مايك بنس الذي ترأس الجلسة ولم ينصع لرغبات رئيسه بتعطيلها التزاماً منه بنتائج التصويت. وكما بنس، كذلك فعل رئيس الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتشل ماكونيل، حتى إنه حمّل ترمب مسؤولية تحريض المتظاهرين على مهاجمة الكابيتول وتعطيل جلسة الكونغرس وهو المعروف بدعمه للرئيس. إن أداء ماكونيل يعبّر بوضوح عن أهمية المؤسسات ودورها وتفوقها على الأمزجة والمصالح الحزبية القصيرة المدى، وحتى لو أظهر ذلك ملامح انقسام في أوساط الجمهوريين.
والنجاح الثالث هو الانتقال السلس والاحتفالي الرائع للسلطة من على شرفة مبنى الكابيتول بحضور رموز بارزة ورئيسية من الحزبين وكامل أعضاء المحكمة العليا، تحلقت كلها حول الرئيس المنتخب ونائبته في تعلق ظاهر بطقوس احتفالية عمرها أكثر من مائتي سنة بدأت في عام 1801 مع تنصيب الرئيس الثالث توماس جيفرسون.
إن هذه النجاحات للديمقراطية في أميركا وقوة مؤسساتها وثباتها، لعلها قادرة على تحجيم الظاهرة «الترمبية» التي كثر الحديث عنها في العديد من الأدبيات التي تناولت الأزمة التي تمر بها أميركا إما ذمّاً وإما مدحاً. فما تسمى «الترمبية» نسبةً للرئيس ترمب وأسلوبه في الحكم، يحتاج ليتحول إلى تيار سياسي إلى عناصر كثيرة لا يزال معظمها مبهماً؛ أولها معرفة مدى قدرة الرئيس السابق على الاستمرار في العمل السياسي بعد تركه البيت الأبيض، وهل سيتمكن من خطف قاعدة الحزب الجمهوري الرئيسية وبالتالي خطف الحزب برمّته أم سيعرّضه لخسارة قسم من جمهوره وإنشاء حزب قومي جديد بقيادته، أم أنه سيتحول إلى ممثل فاشل يبحث عن الأضواء وهو يقود مجموعة من الكومبارس؟
ومع صعوبة الإجابة الحاسمة عن هذه الأسئلة الآن، لا بد من التنويه إلى أن ما يسميه البعض «الترمبية» هو مجرد توصيف لمظاهر وأسلوب وأداء شخصية ملتبسة وصلت إلى البيت الأبيض بخطأ في التقدير ارتكبه الحزب الجمهوري عام 2016 عندما وافق على ترشيح ترمب خوفاً من الهزيمة وفوز هيلاري كلينتون، ولخشية غير مبررة من قدرة ترمب يومها على أخذ شريحة من الحزب إلى جانبه وبالتالي خسارة الجمهوريين الانتخابات إذا ترشح منفرداً. ومهما كانت الأسباب وما وراءها، لا بد من الاعتراف بأن الحزب الجمهوري يدفع اليوم ما تجنب دفعه يومها بعدما اختبر تجربة ترمب الرئاسية والتي يحاول قادته احتواءها والحفاظ على تماسك الحزب وعدم تشظيه.
مهما كانت خطط ترمب ومشاريعه المستقبلية، ستبقى الكرة في ملعب الحزب الجمهوري، لأنه يصعب بناء تيار سياسي فاعل على مواقف سالبة وعلى فوضى وتخبط ونزق في إدارة شؤون الدولة ومع شخص لطالما رأى، كمواطن وكرئيس، أن قوته غير محدودة وأنه فوق القانون ويجوز وصفه بالمضارب أكثر منه بالسياسي، يكره الخسارة ولا يتحملها، وبالعاشق للسلطة، وهو الذي وصف يوم خروجه من البيت الأبيض بأنه «نهاية أعظم سلطة في تاريخ الرئاسة وبداية معركة أخرى لجعل أميركا عظيمة مجدداً». إن نظرة سريعة على السنوات الأربع الماضية تراها تتميز بالسلبية: جدار فاصل، عوائق لسمات الهجرة، فصل الأطفال عن ذويهم من اللاجئين، خلافات واستعلاء مع الحلفاء وتهشيم صورتهم، مكابرة وسياسات اعتباطية حتى مع جائحة «كورونا»، يضاف إليها كمّ كبير من أخبار التهرب الضريبي، إلى فوضى الإقالات والاستقالات غير المسبوقة التي طالت مناصب رئيسية من وزراء ومديرين ومستشارين مدنيين وعسكريين.
صحيح أن هناك فئة ناشطة متشددة يعبّر عنها سلوك ترمب وأفكاره، إنما يصعب كثيراً تحولها إلى قوة سياسية متماسكة تقوم فقط على السلبيات والرفض والمعاندة، بلا مشروع واضح المعالم لبلد بحجم الولايات المتحدة وقوتها. ولا بد من التذكير بأن هذه الفئة ليست بطارئة بل هي موجودة تاريخياً في الولايات المتحدة ولا تشكل جماعة واحدة بل تشكل أطيافاً كثيرة تجمع جماعات تفوّق العرق الأبيض والمسيحيين الإنجيليين وأنصار الكونفيدرالية وغيرهم. الجديد أنها وجدت في شخص ترمب وأدائه، وهو على رأس الدولة، ما يشجعها على الحراك. وصحيح أيضاً أن ترمب حصد ملايين الأصوات في الانتخابات، إنما أغلبها كان لصالح أي مرشح جمهوري وليس بالضرورة لشخص ترمب.
يبقى أن الرئيس الجديد حدد في خطاب التنصيب سياسة إدارته إزاء التحديات الداخلية عندما قال إن المواجهة هي مع تحديات المستقبل وليس الماضي، كما ظهرت ملامح مقاربته للتحديات الخارجية منذ اليوم الأول في القرارات التنفيذية التي أصدرها لترسم صورة مختلفة عن سياسة الإدارة السابقة تشي بالمصالحة مع أدبيات الديمقراطية الأميركية.
وبأهمية دور الرئيس الجديد، ستتجه الأنظار إلى الحزب الجمهوري الفاقد للأغلبية في المجلسين، كيف سينهض بعد تكبد فواتير سياسات ترمب ليلعب دور المعارضة الفاعلة والقادرة على فرز قيادات تمثّل حقيقة أميركا وجوهر الحزب التاريخي على مثال السلف من دوايت أيزنهاور إلى رونالد ريغان وجورج بوش الأب، كما رموز سياسية مثل جون ماكين، وهنري كيسنجر، وكاسبار واينبرغر، وجيمس بيكر، وجورج شولتز، وغيرهم كثر، ليرفع الظلم الذي لحقه خلال سنوات ترمب الأربع في البيت الأبيض، لا سيما أنه منذ عام 2004 لم يحصل في الانتخابات الرئاسية على الأغلبية الشعبية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة