خطة بايدن للإغاثة من الوباء ليست مبالغة

خطة بايدن للإغاثة من الوباء ليست مبالغة

السبت - 9 جمادى الآخرة 1442 هـ - 23 يناير 2021 مـ رقم العدد [15397]

لم تتعافَ الولايات المتحدة تماماً من الركود العظيم. وإحدى فوائد حزمة 1.9 تريليون دولار للإغاثة من وباء كورونا المستجد - التي كشف عنها الرئيس جوزيف بايدن، وتتمثل في أنه بالإضافة إلى مساعدة المواطنين الأميركيين المتضررين من الوباء، يمكن لتلك الحزمة مساعدة الولايات المتحدة في بلوغ هذه الغاية.
وعند هذه المرحلة، من شأن السياسات الأميركية أن تعود بأمان إلى المناقشات بشأن ما إذا كانت الزيادات الضريبية أو تخفيض الإنفاق أمثل الطرق للإقلال من العجز الاقتصادي، أم لا. وربما تتسم المناقشات بنوع من الإجهاد، ولكن إن كان الأمر يعني أن الولايات المتحدة قد تعافت أخيراً من ندبات الركود العظيم السابق، فإنَّ هذا الإجهاد يكون موضع ترحيب كبير.
وخلال السنوات التي تلت الانكماش التقليدي المعتاد، يمر الاقتصاد الأميركي بفترة نمو فوق المتوسط تلك التي تعوض المكاسب التي فقدها من قبل. ومع استثناء احتمال وقوع انتعاش قصير في أواخر عام 2017 وحتى منتصف عام 2018، لم يشهد الاقتصاد الأميركي مثل تلك الفترة فيما بعد الركود العظيم. وفي واقع الأمر، كان الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في الربع الفصلي الأول من عام 2020 الماضي يقف عند نسبة 5 نقاط مئوية أدنى من مساره المسجل قبل وقوع الأزمة.
ومع بداية عام 2018، كانت هناك بعض الأدلة على أن تلك القوى المؤثرة قد بدأت في التراجع من تلقاء نفسها. إذ كان أرباب الأعمال في مسيس الحاجة إلى العمال بأكثر من أي وقت مضى. وشرع البعض في توسيع نطاق الأفراد الذين يستعدون لتعيينهم، وبالتالي جلب مزيد من الأفراد إلى القوى العاملة. واختار آخرون تجربة التقنيات الموفرة للعمالة التي أسفرت عن ارتفاع الإنتاجية.
ثم شرع الرئيس دونالد ترمب في شن الحرب التجارية، ومن ثم تباطأ الازدهار الاقتصادي تبعاً لذلك. وبدأت الأوضاع في التحسن الطفيف مرة أخرى بعد التوقيع على اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا في أواخر عام 2019، ولمحت الحكومتان الأميركية والصينية إلى أنهما على وشك الاتفاق. وكان ذلك بالضبط عندما اندلعت أزمة وباء كورونا المستجد، الأمر الذي نتج عنه الانكماش الاقتصادي مرة أخرى وإنما بوتيرة قياسية.
وبقدر الوباء وما فرضه من ترويع في حياة الناس، فإنه ألهم الكونغرس أيضاً للشروع في تدابير الإغاثة الاقتصادية الأكثر جرأة في تاريخ البلاد. وبلغ إجمالي حزمة الإغاثة التي خصصها الكونغرس على مدار عام 2020 الماضي نحو 4.5 تريليون دولار. وكانت حزمة الإغاثة من القوة بحيث إنها أسفرت عن تحسين ميزانيات الأسر الأميركية بصورة كبيرة. وارتفعت المدخرات جراء ذلك، مع تراجع ديون البطاقات الائتمانية، وبات عدد أقل من المواطنين الأميركيين يعانون من الضوائق المالية.
أما الآن، فتستعد الإدارة الأميركية الجديدة للمطالبة بمبلغ 1.9 تريليون دولار أخرى للإغاثة من الوباء الراهن. وربما يبدو هذا الرقم من قبيل المبالغات المفرطة - ولكن المبالغة الحقيقية هي بالضبط ما يحتاج إليه الاقتصاد الأميركي في جبر الفجوة الباقية من الركود العظيم.
وفي السيناريو المثالي، حيث تقلل الأمصال من الحاجة إلى احترام التباعد الاجتماعي ثم تلغيها تماماً في خاتمة المطاف، من شأن إنفاق المستهلكين أن يرتفع على الترفيه، وتناول الطعام في الخارج، وممارسة الأنشطة الأخرى التي تعين على المواطنين الأميركيين التخلي عنها بسبب الوباء. ومن شأن هذه الفورة أن تسفر عن إعادة التوظيف السريع لكل من العمال الذين حصلوا من قبل على الإجازات، والعديد منهم قد فقدوا وظائفهم بصورة دائمة.
لكن بعض الشركات الصغيرة التي أغلقت أبوابها لن تتمكن من معاودة العمل مرة أخرى، وهذه مأساة حقيقية سوف تعيق من مجريات التعافي الاقتصادي. ولكن إن كانت زيادة الإنفاق قوية بما فيه الكفاية، فإن أولئك الذين نجوا من الأزمة الراهنة سوف يتمكنون من التوسع في الأعمال، الأمر الذي يؤدي إلى استبعاد مزيد من العمالة خارج قوائم البطالة الحالية.
وبحلول نهاية العام الجاري أو بداية العام الجديد، ربما يرتفع الطلب على العمالة لمستويات شديدة، لدرجة أن أرباب الأعمال سوف يتجهون مرة أخرى إلى توظيف العمالة المهملة سابقاً مع الاستثمار في تقنيات توفير العمالة.
وهذا هو السبب في أن حزمة الإغاثة التي تقوم بالحد الأدنى من تعويض الشركات عن الخسائر ذات الصلة بالموجة الأخيرة من الوباء لن تكون كافية بحال. وبالتالي فنحن في حاجة إلى أي حزمة جديدة تهدف إلى محاولة تحسين ميزانيات الأسر الأميركية.
وإذا نجحت تلك الجهود، فلن تؤدي إلى رفع الإنتاجية وزيادة حجم القوة العاملة فحسب، وإنما سوف يزداد التضخم أيضاً. وربما يكون هذا من الأمور السيئة، ولكن وجود بعض التضخم أمر ضروري في التشغيل السليم للاقتصاد الحديث.
وإذا نجحت هذه الجهود، فسيكون الاقتصاد الأميركي مختلفاً جذرياً بحلول عام 2023 عما عليه الأوضاع الآن.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة