الدولة الرخوة ليست بالضرورة دولة فاشلة

الدولة الرخوة ليست بالضرورة دولة فاشلة

الأربعاء - 22 جمادى الأولى 1442 هـ - 06 يناير 2021 مـ رقم العدد [15380]
داود الفرحان
كاتب عراقي

من المصطلحات السياسية التي بدأ انتشارها في العقود الأخيرة في وسائل الإعلام، مصطلح «الدولة الرخوة»، وهو يستخدم في معرض انتقاد بعض الدول «الفاشلة» أو «الضعيفة» أو «المفككة» أو «الهشة» أو «المحتلة».
يرجع تعبير «الدولة الرخوة» (Soft state) إلى عالم الاقتصاد السويدي كارل جونار ميردال (1898– 1987) الحائز جائزة «نوبل» في العلوم الاقتصادية، مناصفة مع عالم الاقتصاد النمساوي– البريطاني فريدريك أوغست حايك.
لنتوقف أولاً أمام كلمة «الرخوة» المشتقة من كلمة «الرخاء». والرخاء هو سعة العيش وحُسن الحال، وورد في الأحاديث الشريفة: «اذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدة». وفي علم الاقتصاد يُقصد بالرخاء مرحلة انتعاش الأسواق وارتفاع الأجور والأسعار. ومن المعاني الأخرى: «فرس رخو العنان سهل القياد». وفي الاشتقاق: رخو ورخاوة ورخوة واسترخى ومسترخٍ واسترخت حاله بعد الشِدة والضيق. وفي اللغة 13 حرفاً تسمى الحروف الرخوة، هي: الثاء والحاء والذال والزاي والظاء والصاد والضاد والغين والفاء والسين والشين والهاء والخاء.
أستدرك بأن هذا المقال ليس درساً في اللغة أو النحو؛ ولكن المفردة لها استعمالات أخرى كثيرة لدرجة تصاب فيها بالملل وأنت تطالعها، إلا أنني لن أفك زمام «الدولة الرخوة».
في كل فترة يخرج علينا بعض كُتاب المقالات المستنسخة من فكرة لكاتب عالمي شهير، يغرفون منها ما يشاءون ويُفَصلون من قماشتها بدلة على مقياس هذه الدولة أو تلك، متجاهلين أنَّ هذا الأمر يشبه ما نسمعه في المحاضرات عن إعادة اختراع العجلة. والتعبير الذي أمامنا عما يسمى «الدولة الرخوة» أياً كانت التي توصف بأنها دولة «فاشلة»، هي في الواقع ربما ليست كذلك؛ فهي دولة تستجيب لمتطلبات مجتمعات تجاوزت الديكتاتوريات القديمة والجديدة، ولا تعرف ما الذي فعله إرهابي إيراني دولي اسمه قاسم سليماني في دول كانت في قرون سابقة أساس حضارات وديانات وثقافات، لا تزال آثارها شاخصة، مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن. فهذه الدول الأربع لم تعد بعد الاحتلال الفارسي دولاً يفيض فيها الرخاء الاقتصادي والثقافي والعلمي والحضاري، كما كنا نقرأ في كتب التاريخ عن السلالات العبقرية التي كانت تتعاقب في هذه الديار. وشعوب هذه الدول الأربع لم تعد «مسترخية» تحت شمس سواحل البحار وشواطئ الأنهار، ولا عاد «الرخاء» يغمرها بخيره ويفيض، كما قرأنا في «ألف ليلة وليلة»، و«السندباد البحري»، ومقدمة عالم العلماء ابن خلدون، وأشعار المعلقات، وأبي نواس، والمتنبي.
بعض الدول التي تحكمها اليوم أنظمة سياسية «رخوة»، تقف في الصفوف الأولى للتقدم والرفاهية والازدهار والرُقي والجمال. خذ مثلاً النمسا، عاشت في القرون الوسطى حروباً لا تنتهي مع جيرانها، تلقت فيها هزائم متتالية مع روسيا وألمانيا والدنمارك والدولة العثمانية، وكانت المرة الأولى التي سمع فيها العالم اسم «النمسا» في عام 996م، وفي عام 1914 تم اغتيال الأرشيدوق فرانز ديناند ولي عهد النمسا من قبل صرب البوسنة، ما أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى.
أما بعد انتهاء سنوات الحروب، فقد اندثرت النمسا كدولة مستقلة، وصارت تارة ضمن غنائم حروب الزعيم النازي هتلر الذي كان مسقط رأسه في إحدى مدن النمسا نفسها، وتارة تحت راية الدولة العثمانية. نسي العالم كله تاريخ النمسا الدموي، وتذكروا فقط موسيقى موزارت وهايدين وشوبرت وشتراوس في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. من المفارقات أن فيينا عاصمة النمسا اشتهرت عند العرب بعد أن غنت أسمهان «ليالي الأنس في فيينا». لم تكن النمسا دولة «رخوة» ولا فاشلة ولا ضعيفة؛ لكن حسابات الحرب تختلف عن حسابات البورصة.
ومن النمسا ننتقل إلى سنغافورة. شعب هذه الجزيرة خليط من الصينيين والملاويين والهنود والقوقازيين والباكستانيين والأفغان واليابانيين والأوروبيين. الجميع مشغولون بالعمل وجني الأموال، ولا وقت لديهم لأي نزاع عنصري أو طائفي أو سياسي. تحمل الدولة أو المدينة لقب المدينة الأكثر عولمة في العالم. واحتلت المركز الحادي عشر في مؤشر «جودة الحياة» الذي تنشره مجلة «الإيكونوميست» البريطانية، والمركز الأول في آسيا، وتمتلك تاسع أعلى احتياطي نقدي في العالم، وجواز السفر السنغافوري يحتل المركز السادس على مستوى العالم في عدد الدول التي تسمح لحامله بدخولها من دون تأشيرة؛ حيث يمكن دخول 167 دولة. كل معالم الحياة في سنغافورة تشجع على الرخاء، وليس في ذهنها أي صراع مع دول الجوار القريبة أو البعيدة، على الرغم من أنها تملك جيشاً مسلحاً بشكل جيد وحديث. في باب مطار سنغافورة الذي توقفت فيه الطائرة التي تنقل وفدنا قبل أكثر من ثلاثين عاماً تقتنع في سوقها الحرة بأنها دولة رخاء، و«رخوة» لا تعرف الفشل. أما تاريخها المكتوب فيعود إلى القرن الثامن عشر، حين أقامت بريطانيا مستعمرة تجارية فيها، وكانت الجزيرة ضمن اتحاد ماليزيا في عام 1963؛ لكنها انسحبت منه بعد عامين، وأعلنت استقلالها. ويقف وراء معجزة هذه الدولة الصغيرة رئيس وزرائها لي كوان يو، صاحب نظرية «تنظيف الفساد يبدأ مثل السلالم، من الأعلى نزولاً إلى الأسفل». وله قول آخر يمكن أن نهديه إلى دول عديدة في المنطقة العربية: «حين يسير اللصوص في الطرقات آمنين، فهناك سببان: إما أن يكون النظام السياسي لصاً كبيراً، أو أن غباء الشعب أكبر»! وفي السياق نفسه قال وفعل لي كوان يو: «كان لديَّ خياران؛ إما أن أمارس السرقة وأُدخل أسرتي في قائمة (فوربس) لأغنى أغنياء العالم وأترك شعبي في العراء، وإما أن أخدم وطني وشعبي وأُدخل بلدي في قائمة أفضل عشر دول اقتصادية في العالم، وأنا اخترت الخيار الثاني».
اليابان أيضاً عرفت هذا الطريق في الخمسينات وما بعدها، بعد التئام جراح الحرب العالمية الثانية. ألزمت نفسها قبول الشرط الأميركي بالابتعاد عن النزاعات المسلحة أو المشاركة في الحروب بعد أن اعترفت بهزيمتها في تلك الحرب، وتذرعت بالدستور الياباني لعدم إرسال بعض قواتها العسكرية للمشاركة في حرب الكويت عام 1991، ولكنها قدمت مساهمة مالية ضخمة في تمويل عاصفة الصحراء. أما في الحرب الأميركية لاحتلال العراق في 2003، فقد شاركت اليابان بناء على طلب أميركي في تقديم مساعدات إنسانية عاجلة للاجئين العراقيين الفارين من ساحات القتال، ومساعدات مالية لدول جوار العراق المتضررة من الحرب، والمساعدة في إعادة إعمار العراق بعد الحرب، وهو الأمر الذي لم يتحقق حتى هذه اللحظة.
وأكتفي بمثالين إضافيين: أحدهما من أفريقيا هي جنوب أفريقيا منذ تولي الرئيس الراحل نيلسون مانديلا كرسي الحكم، بعد زوال النظام العنصري السابق. والثاني إمارة موناكو، وتبلغ مساحتها نحو كيلومترين مربعين، يسكنها نحو 38 ألف نسمة، وتعد بذلك البلد الأكثر كثافة سكانية في العالم، ونظامها ملكي دستوري، وألقت عبء الدفاع الوطني عنها على عاتق فرنسا المجاورة، وأبقت لها الرخاء على سواحل الريفييرا.
الدولة الرخوة الناعمة لا تعني بالضرورة أنها فاشلة، وكذلك الدولة القوية المتماسكة لا تعني أنها ناجحة. وأكاد أقول إنَّ العالم السويدي ميردال أخفق في التفسير السلبي للرخاء، وهو لم يقصد العراق وسوريا ولبنان واليمن، فهذه دول كانت قبل أن يتوفى ميردال معافاة مشافاة لم يصل إليها فيروس «كورونا إيران الملالي» وميليشياتها الإرهابية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة