لقاحات «كوفيد 19» بحاجة لمزيد من الاختبارات

لقاحات «كوفيد 19» بحاجة لمزيد من الاختبارات

الخميس - 9 جمادى الأولى 1442 هـ - 24 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15367]

إذا كان هناك موضوع مشترك في أخطاء استجابة الولايات المتحدة لجائحة فيروس «كورونا» المستجد، فهو القدر المذهل من الهدر، فقد أضاع قادتنا الوقت، فضلاً عن ثقة الجمهور والموارد الاقتصادية والعاطفية للناس، كما أهدروا فرصة القيام بعمل علمي جيد، مثل اختبار الأدوية واللقاحات بطريقة تخدم المصلحة العامة، وليس خدمة مصلحة شركات الأدوية.

وصحيح أنه ليس هناك شك في أن لقاحات وعلاجات «كوفيد19» ستنقذ كثيراً من الأرواح، لكننا لا نجري أنواع الدراسات العلمية اللازمة لتحديد أفضل اللقاحات والعلاجات لتحقيق أقصى قدر من إنقاذ الأرواح وتقليل الأسابيع التي نتحمل فيها هذه القيود الاجتماعية والاقتصادية غير المسبوقة. ولكن لم يفت الأوان لتغيير هذا المسار.

لم يفت الأوان بعد؛ على سبيل المثال، لاختبار ما أثاره البعض بأن العودة إلى الوضع الطبيعي يمكن أن تتقدم بأشهر إذا جرى إعطاء جرعة واحدة فقط من لقاح شركة «فايزر» الأميركية، ورغم أن التجارب السريرية قد حددت معدلات السلامة والفاعلية بعد تناول جرعتين، فإن الإمدادات قد باتت تنفد، وهناك بعض الأدلة على أن الجرعة الواحدة توفر بعض الحماية.

وكما يقول الطبيب ومدير مختبر تسعير الأدوية في «مركز ميموريال سلون كيترينغ للسرطان»، بيتر باخ، فإنه يمكن لشركة «فايزر» اختبار هذه الفكرة عن طريق اختيار مجموعة من المتطوعين في البداية للحصول على جرعة واحدة، ومقارنتهم مع أولئك الذين حصلوا على جرعتين، وبذلك ستكون التجربة هي الطريقة الوحيدة لتبرير إعطاء الناس جرعة واحدة وليس جرعتين.

ويضيف باخ أنه يلتزم أيضاً بالتوصية التي قدمها في سبتمبر (أيلول) الماضي، بضرورة اختبار اللقاحات بمقارنة بعضها ببعض، وهو الأمر الذي يقول إنه سيوفر كثيراً من البيانات القيمة التي يمكن جمعها بسرعة نظراً لوجود أكثر من 40 لقاحاً في مرحلة الاختبار، والتي طُورت وفقاً لكثير من الأساليب التكنولوجية المختلفة، حيث يستخدم بعض هذه اللقاحات فيروسات غير نشطة، فيما يستخدم البعض الآخر أجزاء من الفيروس، والبعض الآخر يستخدم الحمض النووي الفيروسي المغلف بأنواع مختلفة من الفيروسات غير الضارة، ثم هناك اللقاحان المتصدران عناوين الأخبار اللذان يستخدمان الـ«mRNA» وهو «الحمض النووي الريبوزي المرسال».

وكما أخبرني الباحثون في الربيع الماضي، فإنه قد يكون بعض هذه اللقاحات أفضل في حماية الأشخاص المعرضين لخطر كبير من الإصابة بحالات خطرة تؤدي للموت، في حين أن البعض الآخر قد يكون أفضل في حماية الأفراد الأقل تعرضاً لخطورة نشر الفيروس، وسيكون بعضها أرخص وأسهل في التصنيع، وسيحدث البعض آثاراً جانبية أقل، ويتطلب منتج شركة «فايزر» التبريد الشديد أثناء حفظه ونقله، فيما لا تتطلب بقية اللقاحات هذا الأمر، حتى إن بعض اللقاحات يؤخذ عن طريق الفم بدلاً من الحقن.

وقد لا تكون اللقاحات الأولى التي شارفت على الوصول لخط النهاية للحصول على ترخيص «إدارة الغذاء والدواء الأميركية» هي الأفضل لتحقيق مناعة عالية، فكما ذكرت «STATnews» في سبتمبر (أيلول) الماضي، فإن كثيراً من «السلاحف» في السباق، مثل اللقاحات من إنتاج شركتي «ميرك» و«سانوفي»، تبدو قوية جداً.

ويقول باخ: «لن تخسر أي شيء إذا قمت بتطعيم 50 ألف شخص بلقاح شركة (فايزر) الأميركية مقابل التطعيم بلقاح شركة (جونسون) البريطانية، فالأمر لا يبدو كما لو كنت تبدد لقاحات شركة (فايزر)، فمثل هذه الاختبارات ستصب في المصلحة العامة، حيث إننا سنضمن حصولنا على أكبر قدر ممكن من البيانات في أقل وقت ممكن».

فالطريقة التي تعمل بها التجارب السريرية عادة هي أن تصمم الشركات تجاربها الخاصة ضمن بعض القيود التي وضعها المنظمون مثل «إدارة الغذاء والدواء»، لكن لا يجب دائماً أن يكون الأمر كذلك، ففي ظل هذا الموقف غير المسبوق، فإنه يجب أن يكون لدينا معيار أكثر توحيداً للاختبارات العلمية. ويقول باخ إنه في الواقع وضعت «إدارة الغذاء والدواء» بالفعل بعض الإرشادات التجريبية القياسية لمصنّعي اللقاحات، في يونيو (حزيران) الماضي، ولكن «جرى تجاهل ذلك تماماً».

وقد يكون المعيار الإلزامي قد أعطانا معلومات مطلوبة بشدة حول مدى جودة لقاحات شركتي «فايزر» و«موديرنا» المعتمدة حديثاً في الحماية من العدوى عديمة الأعراض، وبالتالي فهي تساعدنا جميعاً في تحقيق مناعة القطيع، وكان من الممكن أن يخبرنا الاختبار بانتظام لـ«كوفيد19» بهذا، لكن «فايزر» و«موديرنا» لم تجمعا هذه البيانات، ولكن جمعت تجربة شركة «أسترازينيكا» بالفعل بيانات عن الحالات التي لا تظهر عليها أعراض، وذلك رغم أن الاختبارات شابها خطأ جسيم في الجرعات، وقد تساعدنا مسألة تتبع المخالطين في معرفة ما إذا كان الأشخاص الذين جرى تطعيمهم يمكنهم نقل العدوى الصامتة إلى الآخرين أم لا، وصحيح أن هذه ليست إجراءات عادية، لكن الوضع الحالي ليس طبيعياً أيضاً.

واللغز الآخر الذي يلوح في الأفق هو: إلى متى تستمر المناعة التي يوجدها اللقاح؟ وأفضل طريقة للتعرف على الأمان والفاعلية على المدى الطويل هي الاستمرار في إجراء التجارب التي يجري التحكم فيها باستخدام الدواء الوهمي، لكن شركة «فايزر» تتحدث بالفعل عن إنهاء مثل هذه التجارب، ويبدو هذا القرار كأنه إيماءة بالإيثار، لكنه يتضمن جانباً أنانياً أيضاً، وذلك لأنه يقوض القدرة على الاستمرار في الحصول على البيانات والكشف عن مشكلات السلامة الأقل شيوعاً.

وتنطبق الفكرة نفسها على الأدوية التي يمكن أن تعالج «كوفيد19»، والتي يجب اختبارها في نظام موحد مصمم لمصلحتنا، ففي الربيع الماضي، تمت الموافقة على عقار «ريميديسفير» المضاد للفيروسات، على سبيل المثال، مع وجود الحد الأدنى من البيانات حول مدى فاعليته والتوقيت المناسب لتناوله وعدد الجرعات المطلوبة، ولكن ثبت فيما بعد أنه كان تجربة مخيبة للآمال.

ويشعر الناس الآن بالتململ لدرجة أننا نشعر بالامتنان لأي بصيص من الأمل، ولا نرغب في التساؤل عن شيء من شأنه أن ينهي الوباء، رغم أن شركات الأدوية ستحصل على صفقة كبيرة من هذه اللقاحات، فصحيح أن هذه الشركات تستحق بعض الثناء، لكن ليس بقدر ما يحتاج الجمهور لأفضل حملة صحة عامة ممكنة، وصحيح أن هذا لم يكن ما يحدث في 2020، ولكن لم يفت الأوان بعد للقيام بعمل أفضل.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة