خيرية نظمي لـ«الشرق الأوسط»: حياتي الفنّية بدأت بعد الخمسين

بطلة الفيلم السعودي «هجرة» تتحدَّث عن انتقالها من الكوميديا إلى الدراما التعبيرية

خيرية نظمي في مشهد من فيلم «هجرة» (الشرق الأوسط)
خيرية نظمي في مشهد من فيلم «هجرة» (الشرق الأوسط)
TT

خيرية نظمي لـ«الشرق الأوسط»: حياتي الفنّية بدأت بعد الخمسين

خيرية نظمي في مشهد من فيلم «هجرة» (الشرق الأوسط)
خيرية نظمي في مشهد من فيلم «هجرة» (الشرق الأوسط)

في مسيرة بعض الممثلين، تأتي الأدوار المهمّة في وقت متأخر، وهو ما حصل مع الممثلة السعودية خيرية نظمي، بطلة فيلم «هجرة»، التي تحدَّثت بشفافية لـ«الشرق الأوسط»، قائلةً: «حياتي الفنّية بدأت بعد الخمسين»، مُعبّرةً عن سعادتها الغامرة بهذه التجربة التي نقلتها إلى منطقة مختلفة، بوصفها ثمرة رحلة طويلة من التراكم الفنّي والتجربة الإنسانية.

بطولة «هجرة» جاءت في مرحلة شعرت فيها خيرية بأنّ علاقتها بالتمثيل أصبحت أوضح وأكثر هدوءاً. وتتحدَّث عن هذه التجربة بثقة، مؤكدةً أن مرحلة ما بعد الخمسين حوَّلت العمر من مجرّد رقم إلى رصيد من المشاعر والمواقف والقدرة على قراءة الشخصيات بعمق، ممّا غيّر زاوية نظرها للأمور، وجعل اختياراتها أكثر وعياً ومسؤولية.

وللمرة الأولى، سارت خيرية نظمي على السجادة الحمراء في مهرجانات عالمية بصفتها نجمة سينمائية عبر بطولتها فيلم المخرجة شهد أمين «هجرة»، الذي كان عرضه العالمي الأول في مهرجان البندقية، وهناك حصد جائزة «نيتباك» لأفضل فيلم آسيوي، ثم واصل حضوره في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي» بجدة، ليفوز بجائزتين هما «جائزة اليسر من لجنة التحكيم» وجائزة «فيلم العلا لأفضل فيلم سعودي».

خيرية، التي التقتها «الشرق الأوسط» في «البحر الأحمر»، تُشير إلى أن الفرق بين الأدوار الرئيسية وتحمُّل بطولة كاملة يكمُن في الإيقاع اليومي للتصوير، وفي الالتزام الجسدي والنفسي المستمرّ، قائلةً: «التصوير في (هجرة) امتد ساعات يومياً، وعلى مدى شهرين ونصف الشهر تقريباً، وهو ما تطلَّب جهداً مضاعفاً، وانغماساً كاملاً في الشخصية». هذا التعب، كما تصفه، أثمر لاحقاً مع خروج الفيلم إلى الجمهور، وظهور ردود الفعل في العروض الأولى، والإشادات التي ركّزت على الأداء والنظرة والتعبير الصامت.

خيرية نظمي على السجادة الحمراء (مهرجان البحر الأحمر)

سنوات من الكوميديا

قبل «هجرة»، رسَّخت خيرية حضورها في الأعمال الكوميدية، وتتوقَّف عند هذه المرحلة بكونها مدرسة أساسية في مسيرتها، تعلَّمت خلالها الإيقاع، والتوقيت، والقدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة. وتستذكر تجربتها في مسلسل «سكة سفر» من خلال شخصية «بركة»، التي تقول إنها كانت قريبة من روحها، وتفاعلت معها بعفوية عالية. تبتسم وهي تتحدَّث عن «بركة»، مضيفةً: «هذه الشخصية خرجت مني بشكل تلقائي»، موضحةً أنها تعاملت مع النص بطاقة مفتوحة، وسمحت للارتجال بقيادة كثير من اللحظات. هذا التفاعل العفوي، كما ترى، وصل إلى الجمهور السعودي والعربي، وصنع حالة قبول واسعة، وأكد قدرتها على حمل الدور الكوميدي وصناعة شخصية تعيش خارج إطار الحلقة.

وتشير إلى أنّ «سكة سفر» شكّل إحدى أبرز تجاربها، ضمن مسار متنوّع سبقها، مؤكدةً أنّ انغماسها في الكوميديا أثبت نجاحه، وساعدها على بناء علاقة مباشرة مع الجمهور، وهي مرحلة منحتها ثقة إضافية، ووسَّعت أدواتها، إذ ترى أنّ الكوميديا فنّ يحتاج إلى حسّ داخلي عالٍ وصدق في الأداء.

خيرية نظمي وحفيدتها في الفيلم لمار فادن في مشهد من «هجرة» (الشرق الأوسط)

«هجرة»... اختبار العمق

في تلك المرحلة، كانت خيرية تتطلَّع إلى تنويع أدوارها، وتؤمن بأن التنقّل بين الأنواع يكشف عن جوانب مختلفة من الموهبة، ويمنح الممثل فرصة أوسع للتجريب. هذا التطلُّع قادها إلى أدوار تحمل ثقلاً مختلفاً، وتضعها أمام تحدّيات جديدة، خصوصاً في الدراما، وهو ما وجدته في فيلم «هجرة»، إذ انتقلت إلى منطقة أكثر كثافة، ودور يعتمد على الحضور الداخلي أكثر من الحوار المباشر.

في «هجرة»، قدَّمت شخصية «ستي»، الجدّة التي تعتزم الذهاب إلى الحج برفقة اثنتين من حفيداتها، وفي أثناء الرحلة تضيع إحداهن، فتتحمّل مسؤولية البحث عنها. وهي شخصية مركّبة، حازمة في ظاهرها، قوية في مواقفها، وتحمل في داخلها ضعفاً إنسانياً واضحاً. وتصف خيرية هذا التركيب بأنه «تحدٍّ حقيقي، لأنّ التوازن بين الصلابة والانكسار يحتاج إلى وعي نفسي دقيق، وقدرة على الإمساك بالتفاصيل الصغيرة».

وتضيف: «كثير من المَشاهد اعتمد على النظرة أكثر من الكلمة، وعلى الصمت أكثر من الحوار»، مؤكدةً أنّ ذلك جاء نتيجة مباشرة للتدريب والتحضير المُسبَق. وتولي خيرية أهمية كبيرة لمرحلة التحضير، مشيرةً إلى أنّ وجود المُخرجة شهد أمين، وحرصها على بناء الشخصية من الداخل إلى الخارج، صنعا فارقاً واضحاً في الفيلم الذي اختارته المملكة لتمثيلها في سباق «الأوسكار» لعام 2026.

ترى خيرية أنّ فيلم «هجرة» يشكّل مرحلة تحوّل في مسيرتها الفنّية (مهرجان البحر الأحمر)

رَمش العين... التحدّي الأكبر

تتوقف خيرية عند تفصيل صغير، وتبتسم وهي ترويه، موضحةً أنّ المخرجة طلبت منها تخفيف الرَّمش، لأن الكاميرا الكبيرة تلتقط كل حركة. في البداية، شعرت بالغرابة، ثم عادت إلى البيت وهي تفكر في وجهها، وفي عادات ملامحها، وفي تفاصيل تؤدّيها تلقائياً. وتضحك وهي تقول إنّ عضلات وجهها اعتادت الابتسامة حتى في لحظات السكون، كأنّ الوجه تعلَّم هذا التعبير مع الزمن.

وتؤكد أن شخصية «ستي» احتاجت إلى وجه جامد، ونظرة ثابتة، وحضور صامت يخلو من أي ليونة. التحكُّم في رمشة العين، كما تقول، تحوّل إلى تمرين يومي ومحاولة واعية للسيطرة على فعل طبيعي، مضيفةً: «هذه التجربة جعلتني أدرك أنّ التحكُّم في النظرة يكشف عن جوهر الممثل أكثر من التحكُّم في الكلام أو الحركة، لأنّ العين تفضح الإحساس قبل أن يُقال».

تحدَّثت خيرية نظمي عن أصعب اللحظات التي واجهتها خلال التصوير (إنستغرام)

طبقات الحزن والفرح

عند الحديث عن التوحُّد مع الشخصية، تتحدَّث خيرية عن علاقتها بالألم الشخصي، وتقول: «كلّ إنسان يحمل في داخله تجارب موجعة». وتستدعي هذه التجارب خلال الأداء، بما يمنح المشهد صدقاً داخلياً ويجعل التعبير أقرب إلى الواقع. كما توضح أنّ هذا الإحساس رافقها بعد انتهاء التصوير، مع استمرار جولات الفيلم في المهرجانات، وردود الفعل التي تلقتها من الجمهور.

وعن المرحلة المقبلة، تتحدَّث بنبرة هادئة وحاسمة، مؤكدةً أنّ خياراتها تتّجه نحو أدوار تحمل عمقاً حقيقياً، وتمنحها فرصة لاكتشاف مساحات جديدة في أدائها، قائلة: «كلّما كان الدور أقوى، ازدادت حماستي له، لأني أرى في التحدّي جوهر التجربة الفنية».

وتتوقّف عند تقييمات المخرجين والمنتجين، التي تعدّها مرآة مهمّة لتطورها، مشيرةً إلى أنّ أحدهم قال لها إنّ من أبرز نقاط قوتها قدرتها على خلق طبقات متعدّدة من الحزن والفرح، بما يمنح المخرج مرونة كبيرة في بناء المشهد، سواء احتاج إلى إحساس هادئ، أو دمعة واحدة، أو انفعال كامل.

وفي ختام حديثها، تعود خيرية إلى فكرة السلام الداخلي، مؤكدةً أنها تعيش حالة رضا وتصالح مع الذات، وترى أنّ هذا الشعور انعكس على أدائها، ومنحها حضوراً أكثر هدوءاً وثباتاً أمام الكاميرا. هذا السلام، في رأيها، يرتبط بمرحلة نضج إنساني يصل إليها الإنسان بعد رحلة طويلة من التجربة، وفي هذه المرحلة يصبح التعبير أكثر صدقاً، ويصبح الصمت أبلغ، وتصل الأدوار في توقيتها الصحيح.


مقالات ذات صلة

هل الكاريزما موهبة فطرية أم مهارة يمكن تعلمها؟

يوميات الشرق وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)

هل الكاريزما موهبة فطرية أم مهارة يمكن تعلمها؟

هل الكاريزما سمة شخصية، أم مهارة، أم موهبة؟ وكيف يمكن للفرد امتلاك الكاريزما؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جورج حبيقة اسم لا يُنسى في الذاكرة اللبنانية (جومانا حبيقة)

جومانا حبيقة: والدي من عمالقة الفنّ في لبنان... لكنّه مغيّب عن التكريم

كان سكان الأشرفية يحبّون إلقاء التحية على المايسترو الذي رافق أهم نجوم عصره...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ما عجزت السنوات عن محوه تمحوه الأسماء واحداً تلو الآخر (أ.ف.ب)

أبناء براد بيت يتخلّون عن اسمه... زهرة ثالثتهم

باتت زهرة جولي بيت، ابنة براد بيت وأنجلينا جولي، تحمل رسمياً اسم زهرة جولي، بعدما تخلَّت قانونياً عن لقب والدها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يؤكّد أنه لن يمتهن الغناء وأن «تمارا» مجرّد تجربة (جاد وهبي)

«تمارا» تُعيد صوت حكمت وهبي إلى ذاكرة الأجيال

«تمارا» ثاني عمل غنائي تطلقه شركة «مودزيكا» ضمن مشروعها الهادف إلى إحياء مجموعة من الأغنيات القديمة...

فيفيان حداد (بيروت)

بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
TT

بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)

قالت رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدونو، السبت، من ألمانيا، عقب عودتها إلى الأرض، إنها اختبرت «جميع المشاعر الإنسانية، من الأكثر فرحاً إلى الأشدّ صعوبة»، خلال الأشهر الثمانية التي أمضتها في مدار الأرض.

وكانت مركبة «دراغون»، التي تقلّ أدونو وطاقم مهمة «كرو - 13»، قد هبطت الخميس في المحيط الهادي قبالة سواحل كاليفورنيا، عائدةً من محطة الفضاء الدولية.

وبذلك تكون أدونو قد أمضت 235 يوماً على متن المحطة، محطّمةً الرقم القياسي لأطول إقامة متواصلة في المدار لرائد أو رائدة فضاء من أوروبا.

رحلة انتهت على الأرض ولم تنتهِ في داخلها (أ.ف.ب)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن أدونو قولها السبت، من مركز التدريب التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في مدينة كولونيا الألمانية، والدموع تغالبها بين الحين والآخر، أن الأرض تبدو من ارتفاع 400 كيلومتر «بلا انقسامات ولا حدود»، بل مجرّد «كوكب ثمين يتشاركه الجميع».

وبدا الإرهاق واضحاً على رائدة الفضاء البالغة 44 عاماً لدى وصولها إلى ألمانيا، برفقة طبيبين من وكالة الفضاء الأوروبية.

وفي الفضاء، يتكيَّف الجسم مع انعدام الجاذبية، ممّا يؤدي إلى هشاشة العظام، وفقدان الكتلة العضلية، وتدهور صحة القلب، ومشكلات في الرؤية. وستخضع أدونو خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة لبرنامج خاص لاستعادة عافيتها.

وقالت في مؤتمر صحافي: «انتابني مزيج من المشاعر المدهشة. إنه لأمر مذهل. من الرائع العودة إلى الأرض، لكن هذه العودة ترافقها مجموعة من التحديات، لا سيما الجسدية منها».

دموع عند الهبوط وحنين إلى ما فوق الغيوم (إ.ب.أ)

وأشارت إلى أن عملية الهبوط، الخميس، كانت «صعبة»، إذ اضطرت الكبسولة التي تقلّ رواد الفضاء الأربعة إلى «مواجهة الأمواج العاتية مدّة 25 دقيقة».

وأضافت: «عندما أخرجني أفراد فرق الإنقاذ من الكبسولة كانت أول عبارة قلتها لهم: (أعيدوني إلى الفضاء أرجوكم. الأمور أسهل بكثير هناك)».

وخلال المهمّة أصبحت أدونو أول رائدة فضاء فرنسية تنفّذ طلعة خارج المحطة لإجراء إصلاحات فيها. ونفّذت ثلاث طلعات في المجموع، في 18 و25 أغسطس (آب)، والأول من سبتمبر (أيلول).


هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
TT

هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)

أظهرت اختبارات أنّ الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة قد يساعد على تخفيف الألم خلال إجراءات طبية، مثل التطعيم.

وذكر فريق بحثي، في دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن دورية «فرونتيرز إن بين ريسيرش» العلمية، أنّ موسيقى موتسارت لم تُحقّق التأثير نفسه الذي أحدثته الألحان المفضّلة لدى المشاركين في تخفيف الألم، وفق نتائج دراسة محدودة شملت نحو 200 شخص. وأكّد الباحثون أن النتائج لا تزال أولية وتحتاج إلى دراسات إضافية للتحقّق منها.

وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة من المستشفى الجامعي في زيوريخ، أندريه كريستينيل دراجنيا، أنّ مستوى الألم الناتج عن إدخال الإبرة يختلف بدرجة كبيرة بين الأشخاص. وكانت دراسات سابقة قد أظهرت مراراً تأثير الاستماع إلى الموسيقى في الإحساس بالألم عموماً، في حين يشير التحليل الجديد إلى أنّ التفضيلات الموسيقية الشخصية تؤدّي دوراً في ذلك أيضاً.

من جهتها، قالت الباحثة الرئيسية المشاركة في الدراسة من المستشفى نفسه، ميريتيل غارسيا ألزامورا: «أنصح المرضى بالاستماع إلى الموسيقى، خصوصاً أولئك الذين يحبّونها عموماً».

وأوضحت أن المستشفى سيولي هذا الجانب اهتماماً أكبر، مضيفةً: «في ضوء نتائجنا، سنوسّع استخدام الموسيقى خلال سحب الدم من الأوردة في إطار فحوص الأشعة، لا سيما لدى المرضى الذين يعانون القلق أو رهاب الأماكن المغلقة».

وشملت الدراسة، التي أجراها فريق المستشفى، 204 مرضى تراوحت أعمارهم بين 17 و83 عاماً، كانوا يستعدّون للخضوع لفحص بالرنين المغناطيسي يتطلّب إعطاء مادة تباين. وقُسّم المشاركون إلى 4 مجموعات، خضعت كلّ منها لأحد الخيارات التالية في أثناء إدخال القنية الوريدية: عدم الاستماع إلى الموسيقى، أو الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة، أو مقطوعة محدّدة للاسترخاء، أو سوناتا لموتسارت.

وتنوَّعت اختيارات المشاركين الموسيقية بين الموسيقى الكلاسيكية وأغنيات البوب الحديثة، وصولاً إلى مؤلّفات بيتهوفن وموسيقى الروك الصاخبة.

وبدأ تشغيل الموسيقى قبل سحب الدم من الوريد. وقيّم المشاركون مستوى الألم على مقياس من درجة واحدة، تعني «لا ألم»، إلى 10 درجات، تعني «أشدّ ألم يمكن تخيّله». وسُجّلت التقييمات قبل إدخال الإبرة مباشرةً، وبعد الإجراء مباشرةً، ثم بعد 30 ثانية ودقيقتين. وأفاد 71 مشاركاً بأنهم شعروا بالألم حتى قبل وخز الإبرة.

وأظهرت النتائج انخفاضاً ملحوظاً في متوسط مستوى الألم لدى المجموعة التي استمعت إلى موسيقاها المفضّلة، سواء بين المرضى الذين شعروا بالألم قبل الوخز أو الذين لم يشعروا به. أما موسيقى موتسارت، فسُجّل معها انخفاض ذو دلالة إحصائية في الألم لدى الأشخاص الذين كانوا يشعرون به بالفعل قبل الإجراء فقط.

في المقابل، لم يرصد الباحثون انخفاضاً ملموساً في الإحساس بالألم لدى المجموعة التي استمعت إلى موسيقى الاسترخاء. وأوضحوا أنّ المقطوعة كانت بطيئة وهادئة، مع تغيّرات محدودة في الإيقاع وشدّة الصوت، مرجّحين أن المرضى لم ينتبهوا إليها بوعي أو تجاهلوها ببساطة. لكنهم شدّدوا على أن هذه النتيجة لا تعني أن موسيقى الاسترخاء عديمة الفائدة في جميع الحالات.

ومع ذلك، تبقى دلالات الدراسة محدودة جداً؛ إذ كانت المجموعات صغيرة، ولم يُوزّع المشاركون عليها عشوائياً، بل وفق التسلسل الزمني لمواعيد فحوص الرنين المغناطيسي. كما أنّ سحب الدم من الوريد تسبّب في ألم قصير الأمد وخفيف في الغالب، ممّا يحول دون تعميم النتائج على الإجراءات الطبية الأطول أو الأكثر إيلاماً.


«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
TT

«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)

أثار إعلان نشرته مدرّبة رياضية عن دورات لتعليم الرقص بضوابط «شرعية» جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، بين مؤيّدين للفكرة لِما توفّره من خصوصية، ومعترضين يرون في إقحام الضوابط الشرعية في مثل هذه الأنشطة استخداماً للدين في غير موضعه.

ودعت هيلجا طمان، التي تعرّف نفسها عبر «فيسبوك» بأنها مدرّبة رياضية ومدرّبة رقص، إلى دورات لتعليم الرقص ضمن ضوابط وصفتها بأنها «شرعية». ولاقت الدعوة انتشاراً لافتاً لما انطوت عليه من طرافة ومفارقة، بينما نقلت وسائل إعلام محلية تصريحات للمدرّبة وأجرت معها لقاءات شرحت خلالها فكرتها ورؤيتها لتعليم الرقص في بيئة تراعي خصوصية المحجّبات والملتزمات دينياً، مع إجراء مقابلات للمتدرّبات للتحقّق من التزامهن.

وأكّدت منشورات الصفحة التي تروّج لهذه الدورات منع الموسيقى الصاخبة والملابس المكشوفة، وتوفير بيئة آمنة لتعلّم الرقص وممارسته في المنزل بخصوصية.

وتعزو الطبيبة النفسية والواعظة بوزارة الأوقاف، الدكتورة يمنى أبو النصر، الجدل الذي أثارته الدعوة إلى رغبة المحجّبات في المجتمعات المغلقة في المشاركة باحتفالات، مثل «ليلة الحنّة» وغيرها من المناسبات المقتصرة على النساء. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المبدأ نفسه غير مرفوض بوصفه عرفاً اجتماعياً، لكن الغريب والجديد هو أن يُعلَن هذا على الملأ، وأن يُزَجّ باسم الدين والشرع في مثل هذه الدعوات لكسب جمهور أو جذب مشاركات من أوساط تتّسم بقلّة العلم والتعليم».

وتشير يمنى أبو النصر إلى وجود أنشطة كثيرة مخصّصة للمحجّبات والمتديّنات، مثل ارتداء ملابس السباحة المحتشمة، لكنها ترفض توظيف الدين والشرع للترويج لهذه الأنشطة، عادَّةً ذلك نوعاً من الافتئات على الشرع.

وتقول: «لا يجوز استخدام الشرع والدين في الترويج لأمور بغرض حصد مكاسب، ومن يستخدم الدين سلعةً فهو خاسر، تماماً مثل مَن يروّجون لفكرة (المقهى الإسلامي)، أو القنوات التي تظهر فيها سيدات بكامل زينتهن (بمكياج كامل) ويتحدّثن في الدين، وهي مظاهر لا تستقطب إلا الجهلة».

ولا تعيب يمنى أبو النصر على صاحبة الدعوة اختيار هذا النشاط، موضحةً: «هي حرّة في اختيار المجال الذي تراه مناسباً للعمل وكسب الرزق، لكن القول إن هذا المجال بضوابط شرعية هو المرفوض، لما فيه من استخدام وتجرّؤ على الشرع والدين، وهو أمر لا يليق، فالدين ليس تجارة».

جانب من منشورات التدريب على الرقص (فيسبوك)

وعن الانتشار السريع لمثل هذه الدعوات والإعلانات المثيرة للجدل، يقول خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي محمد فتحي إن «الجدل حول دورة للرقص الشرقي بضوابط شرعية نموذج واضح لكيفية صناعة التفاعل على المنصات، عبر الجمع بين فكرتين متناقضتين في نظر الجمهور. فالمحتوى لا يثير الاهتمام بموضوعه فحسب، بل بالمفارقة التي يحملها العنوان، وتدفع المستخدمين إلى التعليق والمشاركة والانقسام بين مؤيّد ومعارض».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في اقتصاد الانتباه الرقمي، قد تكون الفكرة المثيرة للجدل أقدر على الانتشار من المحتوى التقليدي؛ لأن الخلاف يضاعف التفاعل، وقد يدفع التفاعل بدوره الخوارزميات إلى توسيع نطاق الوصول. لكن من المهم التمييز بين الانتشار والنجاح؛ فارتفاع المشاهدات والتعليقات لا يعني بالضرورة اقتناع الجمهور بالفكرة أو قبولها مجتمعياً».

من جانبه، يرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «وسائل التواصل الاجتماعي باتت تطرح في الآونة الأخيرة أفكاراً غير مألوفة وغير مقبولة، لم نكن نتخيّل أن تُطرح يوماً».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يحاول البعض اختبار إمكان فرض أفكاره، ويبقى الحكم عليها مرهوناً بنتائج التجربة. أما الجانب الآخر، فيتعلّق بتدخّل الجهات الدينية المخوّلة شرعاً تقييم مثل هذه الأفكار، وتحديد مدى قبولها وملاءمتها للمجتمع».