الوجه الآخر لماريلين مونرو

موهبة ضاعت خلف الصورة النمطية

ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)
ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

الوجه الآخر لماريلين مونرو

ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)
ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)

في الحفل غير الرسمي المُقام حالياً على صفحات الإعلام، كثير من المقالات التي نشدت الاحتفاء بالممثلة ماريلين مونرو بمناسبة مرور 100 سنة على ولادتها. ليس من باب الانتقاد، لكن الحقيقة أنّ عدداً من هذه المقالات يُعيد نشر ما نُشر حول هذه الممثلة، اعتماداً على مصادر أجنبية بدورها تعمد إلى البحث عن ماريلين النجمة، وكيف عاشت طفولة صعبة ازدادت صعوبةً حين بلغت سنوات المراهقة، وكيف سعت إلى دخول السينما وفعلت ذلك مقابل تنازلات ومن دون ضمانات للنجاح.

أيضاً، إلى هذه التوليفة المعهودة، أضاف الاحتفاء الحالي بها سيرتها العاطفية واضطراباتها النفسية والرجال في حياتها وصولاً إلى وفاتها.

ماريلين مونرو كما بدت في آخر أفلامها «غريبو الأطوار» (سفن آرتس)

الفرصة الرائعة

الغائب هو التطرُّق بوضوح ودراية إليها ممثلةً وإلى أفلامها الـ31 على هيئة دراسة. بالتالي، كيف شقّت ماريلين طريقها بين امرأة تؤدّي أدواراً مُغرية لجمهور من الرجال المعجبين وممثّلة فعلية. هذا الجانب الثاني بقي خفيّاً لدى عديدين. تذكر ماريلين مونرو، فتجد أن ردّة الفعل الأولى عبارة عن كلمتين: «ممثلة الإغراء»، لكنها كانت أكثر من جسد تلتهمه الكاميرات وتُصدّره إلى الجمهور العريض. كانت موهوبة إلى حدّ لا يقل عن موهبة كيم نوفاك، وسوزان هيوارد، وغريس كيلي.

أحد أفلامها الأولى كان «غابة الأسفلت» (1950). لم يكن الأول -كما كتب البعض- بل سابع ظهور لها على الشاشة، مع الأخذ في الحسبان أنّ هناك 3 أفلام مثّلت فيها ولم يرد اسمها في قائمة الممثلين لصغر دورها (كومبارس) في «Green Grass of Wyoming» و«The Shocking Miss Pilgrim» (ما بين 1947 و1950).

حشد المخرج جون هيوستن لفيلم «The Asphalt Jungle» عدداً كبيراً من الممثلين المحترفين، من بينهم ستيرلنغ هايدن، ولويس كاليرن، وجيمس ويتمور، وجون ماكنتير ، وباري كيلي. وباستثناء هايدن، لم يكن أيّ من هؤلاء مشهوراً، لكنه كان صاحب عدد كبير ومتراكم من الأفلام. الممثلة الوحيدة التي كانت لا تزال في سنّ الحضانة السينمائية هي ماريلين مونرو، التي أدَّت دور عشيقة لويس كاليرن.

كان دورها صغيراً، مؤلّفاً من 3 مشاهد، لكن المفاجأة (بالنسبة إلينا على الأقل) أنه ما إن يُذكر الفيلم في حديث أو مقال حتى تنتقل الذاكرة إلى دورها ذاك. الفيلم بوليسي داكن عن عصابة تسرق ألماساً وتتعرّض لخيانة المشتري (كاليرن). وبما أنّ الفيلم من نتاج مرحلة لم يكن مسموحاً فيها بالمَشاهد الحميمية، فإن العلاقة العاطفية بين شخصية كاليرن وشخصية مونرو كان لا بدَّ أن تتجلّى عبر التمثيل. هذه المَشاهد القليلة التي مثّلتها مونرو في هذا الفيلم كانت فرصتها للإعلان عن أنها ليست مجرّد وجه جميل وجسد مثير، وإنما ممثلة تستطيع تجسيد الدراما التي يختزنها الفيلم في تلك المَشاهد.

مشهد من «السادة يفضّلون الشقراوات» (تونتييث سنتشري فوكس)

في أحد المَشاهد نراها مُستلقية على أريكة، مُغمضة العينين. أمام الأريكة يقف كاليرن الذي يكبرها بعشرات السنوات. ينظر إليها بحنان. يكبرها ويُحبها. تصغره وتحبّه، لكن لا أحد منهما يرى أنّ هذا الحبّ باقٍ أو سيؤدّي إلى نوع من الديمومة.

حين تفتح ماريلين عينيها تُعبّر نظراتها عن ذلك الحبّ، وعن تلك العلاقة بأكملها. هذا لا يحدث تبعاً لقراءة الدور كما هو مكتوب في السيناريو، وإنما تبعاً لمعرفة بالدراما ناتجة عن موهبة، وبكيفية المزج بين حركة الجسد النائم (بملابس كاملة) وبين المشاعر الآنية التي حان وقت انعكاسها حال فتحت الممثلة عينيها.

نموذج لسواها

يمكن لي المضي هنا في كتابة تحليل كامل عن مَشاهدها القليلة، وصولاً إلى ذلك المشهد الذي يُحاول فيه المحقّق سؤالها عمّا تعرفه عن عشيقها وعن عملية السرقة. هيوستن يمنحها الثقة في الانتقال بين مشاعرها قبل انتحار عشيقها وبعده. ليس هناك وقت للدموع، بل للمضي قُدُماً في لعب الدور بأفضل ما يمكن لها أن تعكسه في تلك المجموعة من المَشاهد المتباعدة والقليلة.

لا يغيب عن البال أنّ مونرو لم تكن مجرّد امرأة تطمح إلى التمثيل والوصول إلى مرتبة النجومية، وإنما إحدى اللواتي كنّ على علم بأن الطريق إلى ذلك يجب أن يمرَّ بدراسة التمثيل (على عكس ممثلات الإغراء في تلك الحقبة، ومن بينهن جين راسل وديانا دورس وجين مانسفيلد. نجاح مونرو سبق حضور الممثلات المذكورات في السينما، بل كان دافعاً لشركات هوليوود للبحث عن ممثلات تُسند إليهن أدوار إغراء).

من «غابة الأسفلت» (م.ج.م)

درست مونرو التمثيل قبل الإقدام عليه. درسته مسرحياً (عبر «مسرح الممثل المختبري» في لوس أنجليس)، وكانت على إلمام بمنهج المسرحي الروسي قسطنطين ستانيسلافسكي للتمثيل.

حقيقة أنّ هوليوود اختطفتها ممثلةً كوميديةً في أدوار خفيفة، من بينها ما نصفها بأدوار الإغراء، يجب ألا تجعلنا نتجاهل أنّ مونرو رغبت فعلاً في التمثيل على أنه فنّ وليس استعراضاً. عدم منحها الفرصة إلا لماماً مشكلة هوليوود أكثر مما هي مشكلتها الخاصة.

تبع «The Asphalt Jungle» بضعة أدوار صغيرة أخرى، مثل «تذكرة إلى توماهوك» (1950). هذا فيلم وسترن كوميدي أدَّت آن باكستر بطولته النسائية. بعده جاء «كلّ شيء عن إيف»، وهو اسم الدور الذي أدَّته أيضاً آن باكستر إلى جانب بيت ديفيس.

لعبت مونرو دوراً أكبر في «اشتباك في الليل» عام 1952. وكانت باربرا ستانويك بطلة الفيلم.

بعد 10 أفلام مثّلتها في عامين (1951 و1952)، فازت مونرو بأول بطولة نسائية مطلقة لها في «Niagara» عام 1953، وهو فيلم درامي من إخراج هنري هاثاواي. وفي العام عينه، تقاسمت البطولة مع جين راسل في «السادة يفضّلون الشقراوات»، ومع لورين باكول وبيتي غرابل في «كيف تتزوّجين مليونيراً». هذه الأفلام، بالإضافة إلى معظم ما مثّلته في الخمسينات وصولاً إلى «غريبو الأطوار» لجون هيوستن عام 1961، كرَّستها ممثلةً في أدوار كوميدية لا تطلب من الممثلين سوى تجسيد انطباعات وتأكيد التنميط الذي اشتهر به كلّ واحد منهم.

الفيلم الأخير

في النهاية، هناك 3 أفلام من بين كلّ أعمالها، المذكورة هنا وغير المذكورة، سمحت لمونرو بممارسة موهبتها درامياً على نحو يبرهن على جدارتها؛ هي: «غابة الأسفلت»، و«نهر بلا عودة» لأوتو بريمنغر، و«غريبو الأطوار». والأخير دراما يُذكر على أنه آخر أدوار كلارك غيبل، الذي توفي مباشرةً بعد تصوير الفيلم، وآخر دور لمونرو التي توفيت عام 1962.

القول إنها عانت انهيارات نفسية وعاطفية، ولم يكن لديها قدر كافٍ من الثقة، والحديث عن خلفياتها ومتاعبها السابقة، يجب ألا يُغفلا دور ذلك كلّه في تكوين حضورها السينمائي في وجهتيه الكوميدية والدرامية. في أفلام اللهو وأفلام الجدّ.

لم تكن أفلامها متساوية في جودتها، وهذا شمل محاولات هوليوود الدؤوبة لاستغلال ممثليها في أدوار نمطية مفيدة مادياً لها ومضرّة بالفنّ لدى الممثل نفسه.


مقالات ذات صلة

آلان سميث: الذكاء الاصطناعي يوسِّع خيال صنّاع الأفلام ولا يلغيهم

يوميات الشرق يقدَّم الفيلم للمرة الأولى ضمن سوق مهرجان «أنسي» في فرنسا (الشركة المنتجة)

آلان سميث: الذكاء الاصطناعي يوسِّع خيال صنّاع الأفلام ولا يلغيهم

«ألعاب المملكة» يُمثّل فرصة لإظهار ما يمكن تحقيقه عندما تعمل التكنولوجيا والإبداع البشري جنباً إلى جنب.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)

تكهّنات لا تتوقَّف حول زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي

تتزايد تكهّنات المعجبين ومراهناتهم بشأن تفاصيل حفل زفاف نجمة الغناء العالمية والفائزة بجائزة «غرامي»، تايلور سويفت، واللاعب البارز ترافيس كيلسي...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق قرنٌ لم يُطفئ سحرها (إنستغرام)

1000 ساعة عمل و150 ألف قطعة كريستال لتخليد مارلين مونرو

كُشفَ عن لوحة فنية مميّزة لأيقونة السينما مارلين مونرو، ابتُكرت باستخدام 150 ألف قطعة كريستال، وذلك إحياءً للذكرى المئوية لميلادها...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يتناول فيلم «أسد» موضوع العنصرية (إنستغرام)

رزان جمّال: حرّية الممثل العربي تفوق المُتاح في هوليوود

استهلّت رزان جمّال مسيرتها الفنّية من خلال أعمال عالمية، فتعاونت مع مخرجين فرنسيين وأميركيين بارزين.

فيفيان حداد (بيروت)
خاص عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

خاص عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

السينما السعودية اليوم بدأت تتّخذ أشكالاً متعددة، ولم تعد محصورة في نوع واحد من الموضوعات...

أحمد عدلي (مالمو - السويد)

تحذير للمسافرين: بنوك الطاقة وأجهزة التدخين الإلكتروني تهدد سلامة الرحلات

هاتف يتم شحنه عبر بنك طاقة (بيكسلز)
هاتف يتم شحنه عبر بنك طاقة (بيكسلز)
TT

تحذير للمسافرين: بنوك الطاقة وأجهزة التدخين الإلكتروني تهدد سلامة الرحلات

هاتف يتم شحنه عبر بنك طاقة (بيكسلز)
هاتف يتم شحنه عبر بنك طاقة (بيكسلز)

قد تبدو بنوك الطاقة وأجهزة التدخين الإلكتروني من المستلزمات اليومية التي لا يستغني عنها كثير من المسافرين، إلا أنها أصبحت اليوم من أبرز مصادر الخطر على سلامة الطيران. وفي ظل الارتفاع الملحوظ في الحوادث المرتبطة ببطاريات الليثيوم، أطلقت هيئة الطيران المدني البريطانية تحذيرات جديدة دعت فيها المسافرين إلى الالتزام بإرشادات نقل هذه الأجهزة، مؤكدة أن اتباع التعليمات الخاصة بها يعد عاملاً أساسياً في الحد من مخاطر الحرائق وضمان سلامة الرحلات الجوية.

وأوضحت هيئة الطيران المدني البريطانية أن خطر الحرائق الناجمة عن بطاريات الليثيوم أصبح الخطر الأول الذي يهدد سلامة الطائرات، مشيرة إلى أن ملايين المسافرين جواً مطالبون باصطحاب بنوك الطاقة وأجهزة التدخين الإلكتروني داخل مقصورة الركاب، وعدم وضعها في الأمتعة المسجلة داخل عنبر الشحن.

ووفقاً لصحيفة «إندبندنت»، تشهد الرحلات الجوية في المتوسط حادثين أسبوعياً تقريباً مرتبطين ببطاريات الليثيوم، وهو ما يؤدي إلى تعطيل الرحلات، واتخاذ إجراءات طارئة للحفاظ على سلامة الركاب والطائرات.

وفي إطار حملة صيفية للتوعية، دعت الهيئة المسافرين إلى «التحضير الجيد لرحلة آمنة»، محذرة من مخاطر حرائق بطاريات الليثيوم التي وصفتها بأنها من الحرائق التي يصعب السيطرة عليها عند اندلاعها على متن الطائرات.

وأكدت الهيئة أن بطاريات الليثيوم القابلة لإعادة الشحن، مثل تلك المستخدمة في بنوك الطاقة وأجهزة التدخين الإلكتروني، قد تتحول إلى مصدر خطر حقيقي إذا وُضعت في الأمتعة المسجلة، إذ يمكن أن ترتفع حرارتها أو تتعرض للتلف، مما قد يؤدي إلى اندلاع حريق يصعب احتواؤه داخل عنبر الشحن.

وأضافت أن الإحصائيات المتعلقة بحوادث ارتفاع حرارة الأجهزة الإلكترونية الخاصة بالركاب تضاعفت تقريباً بين عامي 2024 و2025، وهو ما يعكس ازدياد المخاطر المرتبطة باستخدام هذه البطاريات أثناء السفر.

كما شددت الهيئة على ضرورة احتفاظ المسافرين بالهواتف المحمولة، وأجهزة التدخين الإلكتروني، وبنوك الطاقة داخل مقصورة الركاب، مع الامتناع تماماً عن شحنها أثناء الرحلة، حفاظاً على أعلى مستويات السلامة.

وأظهرت البيانات أيضاً ارتفاع حالات وضع الأجهزة العاملة ببطاريات الليثيوم في الأمتعة المسجلة بنسبة 91 في المائة خلال عام 2025، رغم التحذيرات المتكررة من خطورة هذا السلوك.

وبشكل عام، لا يُسمح للمسافرين باصطحاب أكثر من بطاريتين متنقلتين، كما يُمنع شحن هذه الأجهزة على متن الطائرة.

وأشارت الهيئة إلى أنه إذا حمل كل مسافر 4 أجهزة مختلفة تعمل ببطاريات الليثيوم، فقد يتجاوز عدد هذه الأجهزة ألفي جهاز على متن رحلة مزدحمة لطائرة «إيرباص A380»، وهو ما يوضح حجم التحدي الذي تواجهه شركات الطيران في إدارة مخاطر هذه البطاريات.

وحذَّرت الهيئة من أن عدم الالتزام بهذه التعليمات قد يؤدي إلى إنزال الحقائب من الطائرة قبل الإقلاع، وما يترتب على ذلك من تأخير كبير في الرحلات، أو في أسوأ الحالات اندلاع حريق قد تصعب السيطرة عليه.

كما أكدت ضرورة إطفاء أجهزة الكومبيوتر المحمولة الموجودة داخل الأمتعة المسجلة إطفاءً كاملاً، وعدم تركها في وضع السكون أو التشغيل.

وقال جيانكارلو بونو، مدير سلامة الطيران في هيئة الطيران المدني البريطانية: «يُعد السفر جواً أكثر وسائل النقل أماناً، ونعمل باستمرار للحفاظ على هذا المستوى من السلامة».

وأضاف: «احرص على تجهيز أمتعتك بالشكل الصحيح قبل السفر، وهذا يعني عدم وضع البطاريات في حقيبتك المسجلة؛ بل اصطحابها معك داخل مقصورة الركاب. إن اتباع هذه النصيحة البسيطة يسهم في جعل رحلتك أكثر أماناً لك ولجميع الركاب الذين يسافرون معك».


حفل للمطرب السوري الشامي يفجّر جدلاً في جمعية إسلامية ليبية

المطرب السوري الشامي (صفحته الرسمية)
المطرب السوري الشامي (صفحته الرسمية)
TT

حفل للمطرب السوري الشامي يفجّر جدلاً في جمعية إسلامية ليبية

المطرب السوري الشامي (صفحته الرسمية)
المطرب السوري الشامي (صفحته الرسمية)

أثار إعلان تنظيم حفل غنائي للمطرب السوري الشهير الشامي، الجمعة، ضمن فعاليات افتتاح «مول قرجي الاستثماري» في العاصمة الليبية طرابلس، جدلاً واسعاً داخل «جمعية الدعوة الإسلامية العالمية»، بعدما عُدَّ متعارضاً مع الرسالة الدينية التي أُنشئت من أجلها المؤسسة قبل أكثر من 5 عقود.

ويُعدُّ «مول قرجي الاستثماري» أحد أحدث الأصول التابعة لـ«جمعية الدعوة الإسلامية العالمية»، التي أسَّسها الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي عام 1972 بهدف نشر الدعوة الإسلامية خارج ليبيا، لا سيما في أفريقيا وآسيا وأوروبا، عبر إنشاء المساجد والمراكز الإسلامية، وبناء المدارس والمعاهد، وتقديم المنح الدراسية والمساعدات الإنسانية.

غير أنَّ افتتاح المجمع بحفل غنائي للفنان السوري الشامي فتح باباً جديداً للخلافات التي تعصف بالجمعية، وسط انقسام مستمر بشأن إدارتها وملكية أصولها الاستثمارية.

ومن دون توجيه اتهام إلى جهة بعينها، أعربت الإدارة التي تصف نفسها بأنَّها الممثل الشرعي للجمعية، في بيان، عن «بالغ استنكارها ورفضها» لما وصفته بـ«قيام الجهة المغتصبة لمقرات الجمعية» بتسليم مجمع قرجي إلى شركة تحمل اسم «فيرست»، التي باشرت استغلال المجمع بتنظيم حفل غنائي واستقدام فنانين من خارج ليبيا.

وأضاف البيان أن هذه التصرفات «لا تمت إلى رسالة الجمعية الدعوية والدينية بصلة، وتُشكِّل إساءةً إلى تاريخها ومكانتها»، مؤكداً أنَّ هذه الأنشطة «لا تنسجم مع هوية المجتمع الليبي والقيم التي تأسَّست عليها الجمعية».

دارسون من دول أفريقية وآسيوية في مسجد تابع لجمعية الدعوة الإسلامية العالمية الليبية (الصفحة الرسمية للجمعية)

وأعلنت الجمعية براءتها من الحفل، مُحمِّلةً الجهات التي مكَّنت من تنظيمه «المسؤولية القانونية والأدبية»، مشيرة إلى أنَّها سبق أن خاطبت مكتب النائب العام والجهات الرقابية، واتخذت إجراءات قانونية لوقف ما وصفته بـ«العبث» بأملاكها وسمعتها.

وتصاعدت الأزمة مع إعلان صالح بورقية، مدير مكتب الشؤون القانونية بالجمعية، استقالته من منصبه احتجاجاً على إقامة الحفل. وقال، في بيان استقالته، إن تنظيم مثل هذه الفعاليات الفنية «لا يتناسب مع الرسالة الدينية والأهداف الأساسية التي تأسَّست من أجلها الجمعية»، عادّاً أنَّ استقالته تُمثِّل موقفاً رافضاً لهذا التوجُّه.

وقبيل اندلاع هذا السجال، كان الشامي قد أعلن استعداده لإحياء حفله في ليبيا عقب مشاركته في مهرجان «موازين» بالمغرب. وشارك متابعيه عبر حسابه الرسمي على «إنستغرام» الملصق الدعائي للحفل، وأرفقه بتعليق قال فيه: «رح خلص حفل موازين بكرا، وجاي على ليبيا».

وفي خضم الجدل، قالت رئيسة مفوضية المجتمع المدني بالمجلس الرئاسي، فرع طرابلس، الدكتورة انتصار القليب: «إن جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، رغم عدم تبعيتها للمفوضية، فإنَّها تخضع، كغيرها من الجمعيات والمؤسسات الأهلية والدعوية، للقوانين واللوائح المُنظِّمة للعمل المدني والجمعيات غير الربحية».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «إن التشريعات المُنظِّمة لهذا القطاع تلزم الجمعيات بالالتزام بالأهداف التي أُنشئت من أجلها، وتحظر استغلال مقراتها أو أصولها في أنشطة تتعارض مع أغراضها التأسيسية»، عادّةً أنَّ «أي تجاوز لهذه الأهداف أو توظيف للأصول في غير ما خُصِّصت له قانوناً يُعدُّ مخالفةً تستوجب المساءلة أمام الجهات القضائية والرقابية المختصة». وشدَّدت على أنَّ احترام الإطار القانوني المُنظِّم لعمل الجمعيات يُمثِّل ضمانةً لحماية أهدافها وصون المصلحة العامة.

ولا ينفصل الجدل المثار حول الحفل عن نزاع إداري وقانوني مستمر بشأن رئاسة «جمعية الدعوة الإسلامية العالمية»، إحدى أبرز المؤسسات الدينية والاستثمارية في ليبيا. فقبل عامين، شكَّل رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، مجلس إدارة جديداً للجمعية، في خطوة قالت الحكومة إنَّها تستهدف إعادة تنظيم إدارتها.

غير أنَّ مجلس النواب، واللجنة التسييرية للجمعية برئاسة صالح الفاخري، رفضا القرار، بوصف أنَّ تعيين مجلس الإدارة يدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية. ورغم صدور أحكام قضائية مستعجلة بوقف تنفيذ قرار الحكومة، فإنَّ استمرار الانقسام السياسي حال دون حسم النزاع، لتبقى إدارة الجمعية وأصولها محل خلاف بين الأطراف المتنازعة.

وألقى هذا الانقسام بظلاله على أوضاع المؤسسة، إذ تسبب في تجميد بعض حساباتها، وتأخر صرف مرتبات الموظفين والدعاة داخل ليبيا وخارجها، كما أثار مخاوف بشأن سلامة استثماراتها وأصولها المالية، في ظلِّ استمرار الصراع على إدارتها وشرعية القائمين عليها.


لماذا امتد نجاح «الملك لير» لأكثر من ربع قرن في مصر؟

عرض «الملك لير» من التراجيديا الشكسبيرية الشهيرة (وزارة الثقافة المصرية)
عرض «الملك لير» من التراجيديا الشكسبيرية الشهيرة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

لماذا امتد نجاح «الملك لير» لأكثر من ربع قرن في مصر؟

عرض «الملك لير» من التراجيديا الشكسبيرية الشهيرة (وزارة الثقافة المصرية)
عرض «الملك لير» من التراجيديا الشكسبيرية الشهيرة (وزارة الثقافة المصرية)

لنحو ربع قرب استمرَّ عرض «الملك لير» في مواسم منفصلة، وحظي بنجاح لافت تمثَّل في رفع لافتة «كامل العدد» خلال عرضه على المسرح القومي بالقاهرة راهناً.

ويواصل العرض المسرحي حالياً نجاحه الجماهيري، بوصفه من أبرز التجارب المسرحية التي أعادت تقديم النصِّ الشكسبيري الخالد برؤية فنية معاصرة، وفق بيان لوزارة الثقافة المصرية.

ويحكي العرض قصة «الملك لير» وبناته الثلاث، وتعرُّضه للغدر من ابنتيه بعد أن وزَّع تركته وقسّم مملكته بينهما، في حين حرم ابنته الصغرى - التي رفضت أن تنافقه - من ممتلكاته، وقرَّر أن يعيش لفترة مع كل ابنة من بناته، ليكتشف أنَّه تعرَّض للخديعة، وتم الاستيلاء على أملاكه.

العرض الذي يقوم ببطولته الفنان يحيى الفخراني، يشارك في بطولته طارق دسوقي، وحسن يوسف، وأحمد عثمان، وتامر الكاشف، وأمل عبد الله، وإيمان رجائي، ولقاء علي، وبسمة دويدار، وطارق شرف، ومحمد العزايزي، وعادل خلف، ومحمد حسن. والمسرحية من تأليف ويليام شكسبير، وترجمة فاطمة موسى، وإخراج شادي سرور.

مواصلة عرض «الملك لير» لأكثر من ربع قرن (وزارة الثقافة المصرية)

وانطلق عرض «الملك لير» للمرة الأولى من بطولة يحيى الفخراني وأشرف عبد الغفور وأحمد سلامة وإخراج أحمد عبد الحليم قبل 25 عاماً، وتحديداً في 2001، ويقول الدكتور أسامة أبو طالب، الأستاذ بالمعهد العالي للفنون المسرحية: «عرض (الملك لير) أشرفت على إنتاجه حين كنت أتولى مسؤولية البيت الفني للمسرح في عام 2001، ويرجع نجاحه إلى عوامل عدة، أولها أنَّه إحدى التراجيديات الشكسبيرية الكبرى المعروفة عالمياً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «السبب الثاني في نجاح النص هو ما يحمله من محتوى معرفي إنساني، وانفعالات قوية مؤثرة، وقابليته للتأويل من المأساة السطحية المباشرة في قصة الأب وبناته الثلاث، إلى مستويات أخرى في التأويل تشير إلى علاقة الإنسان بالكون وقوى الطبيعة وحواره مع القدر».

وتابع: «هناك مستوى أعمق للفهم، وهي منطقة محاورة القدر، التي أسميها لمسة الميتافيزيقا في النصِّ المسرحي المأساوي».

وأشار إلى عناصر العرض المتنوعة ما بين «السينوغرفيا»، ومعمار خشبة المسرح، و«الميزانسين» ممثلاً في الحركة والانتقال بين الفنانين على المسرح من بعد هندسي إلى آخر، وهي عناصر مرتبطة بالإخراج.

وقال أبو طالب: «هذا العرض يعتمد على مسرح الممثل الذي يحمل على عاتقه نجاح النص الشكسبيري الرائع. والمخرج أحمد عبد الحليم عندما اختار يحيى الفخراني كان موفقاً جداً في هذا الاختيار، وتغيَّر عليه كثير من الفنانين مثل أحمد سلامة وريهام عبد الغفور وسلوى محمد علي ونرمين كمال، وإبراهيم الشرقاوي، لكن الذي حمل العرض على عاتقه هو يحيى الفخراني لأنه لم يرَ خشبة المسرح على الإطلاق بعينيه، وإنما رآها من خلال النص الشكسبيري، وخلق لنفسه صورة ذهنية كاملة عن المسرحية، وربما هذا هو سبب النجاح الكبير».

عرض «الملك لير» يلقى نجاحا لافتا (وزارة الثقافة المصرية)

عُرضت «الملك لير» للمرة الأولى على المسرح القومي عام 2001 من إخراج أحمد عبد الحليم، ثم تتابعت مواسمها بعد ذلك ومن بينها موسم 2019 والموسم الحالي، كما سافر العرض إلى أكثر من دولة، وكان أحدثها عرضه في افتتاح الدورة الـ26 من مهرجان أيام قرطاج المسرحية بتونس، وتكريم الفنان يحيى الفخراني.

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن استمرار نجاح مسرحية «الملك لير» منذ عرضها للمرة الأولى قبل ربع قرن له أسباب كثيرة، أولها وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «النص المسرحي المتخذ من عمل من أهم تراجيديات شكسبير، كما أنَّ المسرحية قُدِّمت على مدى ربع قرن بأشكال وأبطال وإخراج مختلف، وظلت حية ومتوهجة».

ووصف الناقد الفني بطل العرض، يحيى الفخراني، بأنه «أكبر نجم مسرحي موجود على الساحة حالياً، كما أن وجوده على مسرح الدولة له قيمة ورمزية كبيرة، فهذا المسرح له قيمته وبريقه الخاص منذ أربعينات القرن الماضي، منذ زمن زكي طليمات ويوسف وهبي وأمينة رزق وسميحة أيوب وغيرهم من الأجيال المتتابعة، فوجود العرض على مسرح الدولة يضاعف من جماهيريته وقيمته الفنية العالية التي تضمن نجاحه».