جون أشقر... على طريق الضحكة الأبعد

نحو 2200 متفرّج في أمسية تؤكد الحضور الجماهيري لـ«أعياد بيروت»

الخشبة تتذكّر أصحابها حين يجرؤون على المخاطرة (الشرق الأوسط)
الخشبة تتذكّر أصحابها حين يجرؤون على المخاطرة (الشرق الأوسط)
TT

جون أشقر... على طريق الضحكة الأبعد

الخشبة تتذكّر أصحابها حين يجرؤون على المخاطرة (الشرق الأوسط)
الخشبة تتذكّر أصحابها حين يجرؤون على المخاطرة (الشرق الأوسط)

أتى نحو 2200 شخص إلى واجهة أنطلياس حيث تُقام حفلات مهرجان «أعياد بيروت» هذا العام، لحضور عرض الكوميدي اللبناني جون أشقر. كان حرُّ أواخر يوليو (تموز) ثقيلاً، والرطوبةُ أشدَّ وطأة، لكنّ الباحثين عن ضحكة لم يبدوا معنيين كثيراً بالطقس. كانوا يعرفون لماذا جاءوا.

كرّست «أعياد بيروت» مكانتها بين أبرز المهرجانات اللبنانية، وأصبحت محطة ثابتة في صيف المدينة. كانت هذه الدورة قبل أي شيء امتحاناً لإرادة التنظيم. فإقامة مهرجان في لبنان أصبحت تعني العمل أشهراً وسط واقع لا يكفُّ عن التبدُّل... ما يُخطَّط له في الصباح قد يحتاج إلى إعادة النظر مساءً. وما يبدو محسوماً اليوم قد يفقد يقينه في التالي.

الضحك أثر جانبي للحقيقة حين تُقال بإيقاع مناسب (الشرق الأوسط)

رغم هذا كلّه، فإن المقاعد امتلأت. كلّ بطاقة بيعت كانت تعني أنّ للمهرجان جمهوراً قرّر خَوْض المغامرة معه. فالفنّ لا يمحو الوجع ولا يُنافسه ولا يطلب من الناس نسيانه. لكنه يرفض أن يسمح له باحتكار المشهد. والحضور إلى أمسية كوميدية في هذا التوقيت يقترح سردية أخرى غير التي يفرضها الواقع كلّ يوم.

من بين أصعب الفنون، يبقى الـ«استاند أب كوميدي» أشدها قسوةً على صاحبه. فالمطلوب من الكوميدي ليس أن يُضحك الجمهور مرّة أو مرّتين. هو مُطالَب بأن يحمل هذا العبء طيلة العرض... أن يظلَّ مُنتجاً للمفاجأة ومتقدّماً بخطوات على توقّعات مَن يجلسون أمامه. إنها كتابة مختلفة. كتابة لا تحتمل الفراغ، ولا المجاملة، ولا الفكرة التي تكفي لأنها صحيحة. ما يهمّ هي الزاوية التي تُرى منها الفكرة والالتفاف الذكي الذي يقود إليها، والطبقة التي لم تخطر للمُشاهد قبل لحظة من سماعها.

لهذا يصبح الضحك سهلاً عند مَن لا يملك ما يكفي من الخيال. يكفي أن يدخل منطقة السياسة أو الدين أو الجنس، وهي ثلاثية استُهلكت حتى بهت أثرها، ليحصل على ضحكات مضمونة. هذه أقصر الطرق إلى الكوميديا. اللمعة الحقيقية في مكان آخر. في الفكرة التي لا تبدو مُضحكة في ظاهرها، ثم تنقلب فجأة مفارقةً لم يرها أحد. هناك فقط تبدأ الكتابة الكوميدية التي تبقى.

جون أشقر كتب النكتة في البيت وأعاد كتابتها أمام الوجوه (الشرق الأوسط)

وحين اختار جون أشقر أن يجعل الكوميديا موضوعاً للعرض، بدأ القسم الأعلى إثارة فيه. لم يكن يسأل فقط «شو منحكي؟»، وهو عنوان عرضه. كان يدفع إلى التفكير في مستقبل الكوميدي والمساحة التي لا تزال متاحة له وسط الرقابة وسوء الفهم والمُحاكمات السريعة على وسائل التواصل، والحملات التي قد تُطلقها جملة اقتُطعت من سياقها. هنا تغدو الخشبة مساحةً لقلق ما قبل النكتة، ومرّات، أمسك جون أشقر بهذه الطبقة.

كان ذلك من أعلى أجزاء العرض نضجاً. فهو كان يتحدَّث عن نفسه قبل القضايا العامة. عن مهنة تعيش على المجازفة ولا تعرف الضمانات. عن خوف يكبُر مع كلّ عرض ويزداد ثقلاً بعدما أصبح أباً. عاد أكثر من مرّة إلى سؤال يعرف سلفاً أنه ليس مادةً مُضحكِة: ماذا سيقول لابنته حين تكبُر وتسأله لماذا اختار أن يكون كوميدياً؛ لا طبيباً أو مهندساً؟ الطفلة لا تزال في أشهرها الأولى، ومع ذلك حضرت في كلّ هذه الهواجس، كأنها دفعت والدها إلى إعادة مُساءلة المهنة التي اختارها قبل سنوات.

في هذا الجزء من العرض، كان جون أشقر يبحث عن معنى، فأمكن لَمْس صدقه. فتح أمام جمهوره أبواباً شخصية على امتداد الأمسية، وغَرَفَ من حياته مادته الأساسية. تحدَّث عن طفولته وشبابه وعائلته والمدن التي تنقّل بينها، وأقرَّ بحاجته إلى أن يحظى بالاعتراف، وبإدمانه وسائل التواصل، وبأنّ مواقفه السياسية وانتماءاته مرَّت بمراجعات وتحوّلات. كان مستعداً لأن يضع نفسه على الطاولة لأنه وجد فيها المادة الأقرب إلى الناس.

وإنما الصدق لا ينهض بعرض «استاند أب كوميدي». يصنع تعاطفاً ويمنح صاحبه صدقية، لكنه لا يقود تلقائياً إلى الضحك. وقد مرَّت فقرات بقيت في حيِّز البوح أكثر مما بلغت مساحة الكوميديا. لم تفقد قيمتها، لكنها أبطأت الإيقاع الذي ينتظره جمهور جاء وهو ينتظر الدخول إلى عرض عنوانه الضحكة.

أجمل الضحكات تُولد من الصدق (الشرق الأوسط)

وفي المقابل، أثبت جون أشقر في أكثر من فقرة أنه يملك قدرة على بلوغ مستوى آخر. حديثه عن إيقاف الرشوة كان من ألمع مقاطع العرض؛ لأنه انطلق من موقف مألوف ثم أخذ الجمهور إلى مكان غير متوقَّع. وكذلك رحلته إلى أحد المخيمات الفلسطينية في شمال لبنان، وهي فكرة تحمل في داخلها إمكانات كوميدية كبيرة؛ لأنها تقوم على الاصطدام بالمجهول وبالصور المُسبَقة. وإنما كانت تنقصها طبقة إضافية أو انعطافة أخيرة أو ضربة تجعل الجمهور يضحك لأنه لم يرَ النهاية آتية.

هنا يقف الفارق بين العرض الجيّد والعرض الذي يبقى في الذاكرة. فالنصّ الذي أدّاه جون أشقر متماسك. انتقالاته سلسة وخيطه السردي مُحكَم، ويعرف كيف يعود إلى فكرته الأساسية من دون أن يبدو متعثّراً. لكنه كان يَحتمل صَقْلاً أكبر، وربما شراكة مع كتّاب يختصون في بناء «التويست» الكوميدي. فالموهبة تزداد إشراقاً كلّما اختُبرت مرات إضافية على طاولة الكتابة.

الكوميديا هي ما يبقى بعد حذف كلّ ما يمكن الاستغناء عنه. والنكتة ليست الفكرة الأولى التي تخطر في الذهن. إنها الخامسة أو السادسة أو العاشرة. هناك في الطبقات الأبعد، تبدأ الأسماء الكبيرة التكوُّن.


مقالات ذات صلة

ريّا متّى تُعيد كتابة سيرة القميص الأبيض

يوميات الشرق لا أحد يعرف متى يتحوَّل الأثر سيّداً على صانعه (مايا آرت سبيس)

ريّا متّى تُعيد كتابة سيرة القميص الأبيض

القميص كلّما كَبُر، انحسر الجسد. وكلّما تكرَّرت أشكاله وتراكمت، فَقَدَ الفرد موقعه في التكوين...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صاحب الفكرة زكريا فحّام بين الفائزة السابقة باللقب (الجهة المنظمة)

بيروت تستضيف النسخة الثالثة من مسابقة «ملكة الجمال الطبيعي»

هذا الحدث الذي تشهده بيروت للعام الثالث على التوالي، يُعدّ الأول من نوعه عالمياً...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الأغنيات الصادقة تجعل الآلاف يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم (الشرق الأوسط)

ماريلين نعمان... النجاح ليس مصادفة

ربحت ماريلين نعمان الدليل الأصعب على أنّ الجمهور لا يعود مرّتين إلا لمَن يجد عنده ما يستحق العودة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تصف ناصيف زيتون بأنه يمتلك حضوراً تمثيلياً لافتاً (جوان زيبق)

جوان زيبق لـ«الشرق الأوسط»: إطلالة الممثل في الأغنية المصوَّرة تُضفي أبعاداً درامية

تؤكد أنّ مشاركتها في كليب «هدية» حقّقت لها انتشاراً واسعاً لم تكن تتوقّعه.

فيفيان حداد (بيروت)