يجب ألا ندع الجبال وسكانها خلف الركب

يجب ألا ندع الجبال وسكانها خلف الركب

الجمعة - 25 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 11 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15354]
شو دونيو
المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)

تأوي الجبال عدداً متزايداً من أشد الناس جوعاً في العالم. وتبيّن دراسة جديدة أجرتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) وشركاؤها أن عدد سكان الجبال المعرضين لانعدام الأمن الغذائي في البلدان النامية قد ارتفع من 243 مليون نسمة إلى ما يقارب 350 مليون نسمة بين عامي 2000 و2017.
وبعبارة بسيطة، فإنّ شخصاً واحداً من كل شخصين من سكان المناطق الجبلية الريفية في البلدان النامية كان معرضاً لخطر عدم الحصول على ما يكفي من الأغذية اللازمة من أجل حياة مفعمة بالصحة، حتى قبل انتشار جائحة «كوفيد - 19»... وهذه الأرقام غير مقبولة.
وفي جميع أنحاء العالم، تعمل البلدان جاهدة على تحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030 المتّفق عليها دولياً، والتي ترمي إلى القضاء على الفقر والجوع وعدم ترك أي أحد خلف الركب. ولكنّ سكان الجبال معرضون لخطر التخلف عن الركب.
وبدلاً من رؤية تحسّن في أحوالهم، يعاني العديد من سكان المناطق الجبلية الريفية بسبب تدهور البيئات الجبلية، واستمرار التهميش، وعدم الحصول على الأغذية، وعدم الوصول إلى الأسواق والخدمات الأساسية والبنية التحتية.
إذن، ما الذي يجعل تحسين الظروف المعيشية في المناطق الجبلية بهذا القدر من الصعوبة؟
تتصف النظم الإيكولوجية التي يعيش فيها سكان الجبال بكونها هشة. ويؤثر التدهور البيئي على سكان الجبال بطريقة غير متناسبة. وخياراتهم وفرصهم محدودة للحصول على أغذية مغذية وأنماط غذائية متوازنة. ويحدّ هذا أيضاً من قدرتهم على مواجهة حالات النقص في الأغذية.
ويضطلع تغير المناخ بدور في هذا الصدد، إذ يؤدي إلى تدهور النظم الإيكولوجية الجبلية ويزيد حالات حدوث المخاطر الطبيعية مثل انزلاقات التربة والفيضانات التي يمكن أن تسفر عن عواقب وخيمة بالنسبة إلى المجتمعات الجبلية. وفي البلدان النامية، يعيش نحو 80 في المائة من سكان المناطق الجبلية الريفية في المناطق الجبلية المتأثرة بهذا النوع من المخاطر.
وفي المناطق الجبلية، قد يؤدي أيضاً الرعي الجائر وممارسات الزراعة غير المستدامة والتوسع الحضري إلى تدهور الأراضي، فضلاً عن فقدان الأراضي الزراعية وانخفاض القدرة الإنتاجية.
وقد زادت أزمة «كوفيد - 19» من الطابع الملحّ الذي تتصف به هذه الحالة. وأدت القيود المفروضة استجابة للجائحة إلى تفاقم أوجه الضعف القائمة لدى المجتمعات الجبلية التي تعتمد في الغالب على الزراعة والسياحة والتحويلات المالية من المهاجرين من أجل تأمين سبل عيشها.
ولنكن واضحين تماماً: إن تدهور البيئات الجبلية مشكلة كبيرة بالنسبة إلينا جميعاً.
وتوفر الجبال ما بين 60 إلى 80 في المائة من المياه العذبة في العالم الضرورية من أجل الاستهلاك المحلي والري والصناعة وإنتاج الأغذية والطاقة. والجبال غنية بالنباتات والحيوانات، وهي موطن لنحو نصف البؤر الساخنة للتنوع البيولوجي في العالم. ويأتي العديد من المحاصيل الغذائية وحيوانات المزرعة لدينا من الجبال، بما في ذلك البطاطا والطماطم واللاما والياك.
ونعتمد جميعاً على التنوع البيولوجي وخدمات النظام الإيكولوجي التي تمدنا بها الجبال لمساعدتنا في الحفاظ على صحتنا وازدهارنا. فما الذي يتعيّن علينا فعله لعكس الإحصاءات الصادمة بشأن سكان الجبال وتعزيز عملية إصلاح البيئات الجبلية؟
إن التصدي لتغيّر المناخ جزء أساسي من هذا اللغز. ويشكل تحويل النظم الغذائية من خلال تشجيع الزراعة وسبل العيش المستدامة أمراً بالغ الأهمية أيضاً، وذلك بدعم من السياسات والابتكار والبحث والمشاركة المجتمعية.
وإذ نقف الآن على عتبة عقد الأمم المتحدة لإصلاح النظم الإيكولوجية، ينبغي للمجتمع الدولي أن يركز على الجبال باعتبارها أحد النظم الإيكولوجية الرئيسية التي تتطلب الاهتمام. ومن شأن تحسين قدرة النظم الإيكولوجية الجبلية على الصمود، عن طريق الحيلولة دون تآكل التربة والحفاظ على المروج والغابات، أن يساعد في الحفاظ على التنوع البيولوجي. كما أنه يحمي سكان مناطق المصبات من الفيضانات وانزلاقات التربة. وفي الوقت نفسه، تضمن المناظر الطبيعية بعد إصلاحها إنتاجية المياه والتربة التي لا غنى عنها بالنسبة إلى الأغذية والزراعة.
وهناك سبيل آخر للتحسين، وهو أن يجد سكان المناطق الجبلية الريفية طرقاً لكسب الدخل من التنوع البيولوجي الغني الموجود في الجبال، مع استخدام نُهج مستدامة في الوقت ذاته.
وتعمل الشراكة من أجل الجبال، وهي تحالف للأمم المتحدة، على تحسين سبل العيش وإدارة الموارد الطبيعية في المجتمعات الجبلية. وبدعم من حكومات أندورا وإيطاليا وسويسرا، تقوم مبادرتها الخاصة بتوسيم منتجات الشراكة من أجل التنمية المستدامة في المناطق الجبلية بالترويج للمنتجات التي ينتجها صغار المنتجين في المناطق الجبلية وتحافظ على التنوع البيولوجي الزراعي المحلي والتقنيات التقليدية.
وتشمل هذه المنتجات شاي البابونغ والأرزّ القرنفلي من الهند، والعسل الأبيض من قيرغيزستان، والمربَّيات من بيرو. وقد دعمت المبادرة بالفعل أكثر من 10 آلاف مزارع - منهم 6 آلاف امرأة - في ثمانية بلدان، ونتجت عنها زيادات في الإنتاج وصلت إلى 40 في المائة وزيادات في المبيعات وصلت إلى 49 في المائة.
ومن خلال اتخاذ خطوة إضافية في إطار هذا المفهوم، تطلق منظمة الأغذية والزراعة مبادرة 1000 قرية رقمية التي تركز على زيادة القدرة على الصمود وتنويع الدخل وإعادة البناء على نحو أفضل في المناطق الريفية عن طريق استخدام التكنولوجيات الرقمية، بما في ذلك التجارة الإلكترونية، وعن طريق الترويج المبتكر للسياحة الريفية.
وبالترويج الإعلاني لهذه القرى الرقمية، سيتحقق إنتاجها الزراعي ونظمها للإنتاج الزراعي والغذائية المستدامة وعناصرها الثقافية، فضلاً عن السياحة الزراعية فيها، من خلال منصات رقمية مختلفة.
وينبغي أن تكون المناطق الجبلية جزءاً من التحول الرقمي الريفي المدفوع بالحاجة الملحة إلى تقليص الفجوة الرقمية بين المناطق الحضرية والريفية، وتقليص أوجه التفاوت الإقليمية، وتسريع استحداث فرص للعمل، وتنويع الاقتصاد الريفي، وتعزيز السياحة الزراعية، وتحسين مداخيل المزارعين وسبل عيشهم.
ويشكل التنوع البيولوجي للجبال موضوع اليوم العالمي للجبال لهذا العام، الذي يحتفل به في 11 ديسمبر (كانون الأول). وينبغي أن يكون هذا اليوم تذكيراً بأن الحكومات والمنظمات والمجتمعات يمكنها، لا بل يجدر بها، أن تبذل جهداً أكبر بكثير لمساعدة سكان الجبال على حماية الموارد الطبيعية، وتحسين سبل عيشهم، والحفاظ على سلامة البيئات الجبلية.
وعندما نقول إننا لن نترك أي أحد خلف الركب، فليكن قولنا فعلاً.


- المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو