بين «العفو» عن جرائم الحرب و«العفو عن جرائم النهب»!

بين «العفو» عن جرائم الحرب و«العفو عن جرائم النهب»!

الخميس - 11 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 26 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15339]
حنا صالح
كاتب لبناني

بين العشرين من الجاري وأواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تكون الفترة نحو 3 أسابيع هي الوقت الذي استغرقته شركة «التدقيق الجنائي» الدولي «الفاريز ومارسال» لتثبيت قرارها الاعتذار عن عدم إجراء «محاسبة جنائية» في حسابات مصرف لبنان. تبلغت الشركة من «أمين» بيت المال المركزي رياض سلامة بوضوح اعتباره أن معظم الأسئلة التي وردت إليه ذات طبيعة سرية وفقاً لقانون «النقد والتسليف»، وبالتالي لا أجوبة!
كان جلياً أن لا جدية تُتيح تعديل المنحى ما يسمح بإجراء التدقيق. أصبح الاعتذار عن عدم القيام بالمهمة حتمياً، ما وجه صفعة لكل منظومة الفساد المتجبرة، فأكدت التطورات مجدداً أنهم «لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً»! فأسقطت الصفعة أهم الأوراق، التي كان يمكن أن تُخول لبنان بدء تلميع صفحة ممارسات طويلة ضربت الثقة الدولية بالمصرف المركزي، كما بالقطاع المصرفي بعدما كشفت الوقائع عن وجود أخطر شريحة من المرابين الذين قامروا بالودائع. لقد أرادوا أن يكون «التدقيق الجنائي» على المقاس، بما يفسح في المجال ولو بعد ثلاثة عقود، أن تتكرر التجربة الرائدة في «العفو» عن جرائم الحرب (...) بتحقيق العفو ثانية، لكن هذه المرة عن جرائم نهب المال العام والودائع البنكية وهي جنى أعمار الناس الذين تم رميهم للفاقة والعوز!
من الأيام الأولى على بدء ثورة تشرين توضح المشهد الحقيقي لكيفية نهب البلد وإفقاره، وتباعاً كشفت المعطيات كم هو كبير النهب الداخلي، وكذلك حجم التهريب المحمي بسلاح الدويلة لدعم منظومة الممانعة، ولو استنزف ذلك كل الإمكانات الشحيحة المتبقية. بات «التدقيق الجنائي» من بين أبرز المطالب، بعدما أدارت الظهر منظومة الحكم، كما حاكمية مصرف لبنان، لطلب نادي قضاة لبنان وضع القانون 44 لعام 2015 في التطبيق. إنه القانون الذي يتيح ملاحقة الحسابات المشكوك فيها، بتجميدها للتدقيق القضائي، ويتيح كذلك طلب تجميد هذه الحسابات في الخارج، لأنه مرتبط بقوانين دولية متعلقة بمكافحة التهريب وتبييض الأموال. نذكر أن نادي القضاة طلب في 21 أكتوبر 2019 تجميد حسابات كل السياسيين وكبار الموظفين والقضاة والضباط، أصولهم وفروعهم، لكن من بيدهم القرار أهملوا الطلب وأثاروا زوبعة غبار عن ضرورة وضع التشريعات الجديدة فيما كان المطلوب تطبيق القوانين الموجودة ليس إلا!
إذن، رأت الثورة أن المحاسبة الجنائية ليست ترفاً، بل هي المدخل الحقيقي لكشف الفساد والمتورطين فيه، لأنه يوفر الأدلة الموثقة للقضاء للملاحقة والمحاسبة ومحاكمة المتهمين بشفافية كاملة. لكن منظومة الحكم سعت منذ الربيع الماضي لوضع المعوقات كي لا تكون في موضع من يطلق الرصاص على قدميه، فذهبت عبر التفاوض إلى ابتداع سقوفٍ غب الطلب لهذا التدقيق بحصره بجوانب ضيقة من عمل المصرف المركزي، رغم أن الفجوة المالية فيه تناهز الـ60 مليار دولار! وقد كان لافتاً أن وزارة المال التي وقعت العقد اشترطت تدقيقاً أولياً تنظر فيه لتحدد لاحقاً المضي بالتدقيق الجنائي أو العزوف عنه. لقد تحوطوا للخطوات والنتائج، وهم وإن كانوا يعترفون بالجريمة وحجمها الكبير فقد اتبعوا نهج التغطية لحماية المجرم!
عود على بدء، تيقن المواطن اللبناني باكراً أنه «كلن يعني كلن»، أي كل المنظومة السياسية متورطة بما أوصل البلد إلى الإفلاس فالانهيار، وبات مطلب استعادة الأموال المنهوبة بين أبرز شعارات الساحات، وسادت قناعة حقيقية مفادها بأن لبنان ليس بلداً فقيراً بل بلد منهوب. سُحبت الشرعية الشعبية من المجلس النيابي، وأُخرجت الطبقة السياسية من الفضاء العام، وغابت مواكبهم واعتمدوا السرية في تنقلاتهم، فبدأت محاولة امتصاص النقمة!
تمثلت المحاولة الاستيعابية بطرح القصر قبل سواه «التدقيق الجنائي» مع حرصٍ منه أن يقتصر الأمر على المصرف المركزي وتجنب وزارة الطاقة التي تسببت في 48 مليار دولار من الدين العام، وأكدت العقوبات الأميركية على الوزير السابق جبران باسيل حجم الهدر والرشوة فيها، ما مكنه وفق الخزانة الأميركية من تقدم الآخرين في إفساد الحياة السياسية. كذلك جرى تجاهل وزارة المالية، حيث أكدت العقوبات على وزير المال السابق علي حسن خليل أن المال العام كان مستباحاً من جانب «حزب الله» من خلال عقود التراضي التي هدرت مئات ملايين الدولارات، والأمر على أفدح في مجلس الإنماء والإعمار الجهة التي أنفقت من خارج الموازنات العامة ما يفوقها وبقيت بلا حسيب أو رقيب!
الأكيد أنه ما من أحد من أركان الحكم كان ليسمح بتدقيق جنائي يصل إلى النهاية، لأن الجميع متورط في المنهبة وتهريب الأموال إلى الخارج، والأرقام خيالية نتيجة الفوائد المرتفعة جداً، وكذلك الهندسات المالية التي أقدم عليها حاكم المركزي، وآخرها كان في عام 2016 وقضت بتوزيع 5 مليارات و500 مليون دولار على المصارف والمنظومة السياسية (...)، وهو أمر حذّر البنك الدولي من عواقبه. ومؤخراً جاء التعميم رقم 154 من مصرف لبنان ليطالب السياسيين والمصرفيين بإعادة ما بين 15 و30 في المائة من الأموال التي نقلوها إلى الخارج منذ بداية عام 2017، أي أن أبرز فصول المنهبة بدأ بعد أشهر على بدء رئاسة عون، وقبل نحو سنتين ونصف السنة على انفجار ثورة تشرين التي مثلت رداً شعبياً على الانهيارات!
فرقاء السلطة يتبادلون التهم بالمسؤولية عن إسقاط التدقيق الجنائي، وهو أمر أثار الكثير من الاستياء الخارجي ولا سيما الجهات المالية الدولية. ويطلب رئيس الجمهورية الثلاثاء الرابع والعشرين من الجاري تعاون المجلس النيابي مع السلطة الإجرائية لأن ما حصل فضيحة، والطلب الذي ورد متأخراً نحو 5 أشهر ربما رمى إلى تزكية ترويج يضع رفض التحقيق الجنائي على عاتق بري والحريري وجنبلاط من دون سواهم، فالحقيقة أيضاً أن مجلس الوزراء الذي اتخذ قرار المحاسبة الجنائية بحضور رئيس الجمهورية ومتابعته كان قراره ملغوماً ويفتقر إلى الجدية، لأنه أسقط سلفاً عدم تعديل قانون «النقد والتسليف» وقانون «السرية المصرفية»، ما يعني أن الهاجس الفعلي يبقى تغطية المنهبة والناهبين! وفوق ذلك معروف أن الجهة التي يتكئ عليها العهد، وهي دويلة «حزب الله»، يستحيل أن تكون في أي يوم بوارد السماح بحصول مثل هذا التدقيق الجنائي، لأنه منذ المتفجرة التي ألقيت قبل سنوات على المقر الرئيسي لبنك لبنان والمهجر، توصل أصحاب القرار السياسي والمالي، على ما يُشاع، إلى استنباط وسائل مختلفة كي يكون متاحاً الالتفاف على العقوبات الأميركية! لذا شراكتهم واضحة وعميقة ولا لبس فيها.
في هذه اللحظة، ومع بروز الكثير من جوانب المآسي التي تضرب لبنان، وقد توجت بجريمة الحرب في 4 أغسطس (آب) التي رمّدت بيروت، تتأكد حقيقة وهي أن المواطنين الساعين لاسترجاع دولتهم المخطوفة يدركون أنهم في مواجهة مع منظومة من الوحوش حولوا البلد إلى جيفة!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة