«كوفيد ـ 19» يتحالف مع الشعبوية والتطرف

«كوفيد ـ 19» يتحالف مع الشعبوية والتطرف

الخميس - 3 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 19 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15332]

أوقفت بولندا وهنغاريا مطلع الأسبوع خطة الإنعاش الأوروبية الرامية إلى توفير 1.8 تريليون يورو على شكل قروض لدول الاتحاد الأكثر تضرراً من وباء «كوفيد - 19» بذريعة اشتراط مشروع الخطة التزام الدول المستفيدة معاييرَ الديمقراطية وحكم القانون. وأبدى ممثلو الدولتين شكوكاً في معنى الشرط المذكور، معتبرين أنه يشكّل تهديداً لسيادة بلديهم.
الخطة التي أُقرّت أولاً في يوليو (تموز) الماضي، تُمثل الأمل الأخير قبل الانهيار الوشيك لعدد من الاقتصادات الأوروبية التي أصابها «كورونا» بأضرار شديدة على غرار إيطاليا، حيث شهد بعض مدنها احتجاجات عنيفة على تدهور الأوضاع المعيشية إلى جانب العديد من الدول الأوروبية. فقد نزل الآلاف إلى الشوارع للاعتراض على إجراءات الحجر وفرض ارتداء الكمامات. مظاهرات مشابهة شهدتها ألمانيا والنمسا في الشهور الماضية في حين عمّ التململ أجزاء واسعة من القارة الأوروبية.
مفهومٌ أنَّ بولندا وهنغاريا ستنالان وفق خطة الإنعاش قروضاً سخيَّة، لكن الدولتين اللتين تشكّلان حلفاً يمينياً محافظاً داخل المجموعة الأوروبية، تعملان على إعاقة كل ما تعتقدان أنَّه يعزز «الآيديولوجيات السائدة في الغرب» على ما يقول رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان. والآيديولوجيات المذكورة لا تزيد على إصرار الاتحاد على التزام استقلال القضاء وضمان حرية وسائل الإعلام. وهما مجالان يتعرضان في البلدين الأوروبيين الشرقيين لحملات إخضاع مستمرة وسط سيطرة حزب «القانون والعدالة» في وارسو و«التحالف المدني - فيديس» في بودابست على مقاليد الحكم.
تتجاوز الاعتراضات على الخطة، إذن، المسألة المالية لتصل إلى رفض بولندا والمجر كل شرط يربط القروض بالتزام معايير معينة يطلبها الاتحاد الأوروبي من أعضائه. وتتغذى حالة الاعتراض تلك من إرث من التشكيك بالاتحاد أسهم في وصول الحكومتين الحاليتين إلى السلطة في البلدين اللذين أصبحا يمثلان عثرة حقيقية لكل المشاريع الأوروبية. وعلى الرغم من أن وقت التسويات لم يفُت بعد وما زال لدى الرئاسة الحالية الألمانية للاتحاد اقتراحات عدة لتجاوز الأزمة، فإنَّ وجهة بولندا وهنغاريا العامة هي تصعيد الخلافات مع المركز الأوروبي ما دام هذا عاجزاً عن نوع العضوية عنهما نظراً إلى حاجته لإجماع الدول الأعضاء.
وبذلك، تكون التجربة الأوروبية تشهد تمدد اليمين المتطرف والشعبوي إلى مؤسساتها من دون القدرة على وقفه. ويبدو أن النجاحات التي بدأت تظهر في تطويق اليمين المتطرف من مثل اعتبار حركة «الفجر الذهبي» اليونانية جماعة إجرامية وحلها وإحالة زعيمها إلى المحاكمة الشهر الماضي، محدودة الأثر في مواجهة تصاعد القوى المعادية للمهاجرين والمتبنية عقائد عنصرية صريحة. فالعديد من مظاهرات الرافضين لارتداء الكمامات والتزام تعليمات الحظر احتجّ المشاركون فيها على توسيع الحجر الصحي على نحو يهدد بتفاقم البطالة، وبجعل العودة إلى الحياة الطبيعية شديد الصعوبة، حتى لو أفلحت اللقاحات التي بدأت بالظهور في الحد من الوباء أو القضاء عليه. وكان اليمين المتطرف الألماني وراء محاولة اقتحام مبنى البرلمان في أغسطس (آب) الماضي، في أثناء مظاهرة حاشدة ضد إجراءات العزل الوبائي.
هذا المزيج من العداء لارتداء الكمامات بوصفها رمزاً لتدخُّل السلطة في الحرية الفردية، ومن التخوف من البطالة والفقر يشكّل أرضية مثالية لنمو التيارات الشعبوية، مشابهة لتلك التي يتزعمها أوربان في هنغاريا ونظيره البولندي ماتيوس مورافسكي ورئيسه أندريه دودا اللذان يقودان حزب «القانون والعدالة».
ويتخذ الأمر منحى مأساوياً إذا قُرِئت الحالة الأوروبية من منظار التقرير الأخير لمعهد «فريدوم هاوس» الأميركي الصادر في سبتمبر (أيلول) الماضي، والذي ذكر أنَّ الديمقراطية والحريات تتدهور في 91 بلداً في شتى أنحاء العالم نظراً لاستغلال السلطات إجراءات العزل وحظر التجمعات الشعبية بسبب الوباء، لتمرير خططها السياسية التي تتنافى في أكثر الأحيان مع حكم القانون والممارسة الديمقراطية السليمة من مثل توسيع السلطات للمجالات التي يحق لها التدخل فيها أو تأجيل الانتخابات، وتعزيز الإجراءات الأمنية والقمعية بما يتجاوز ضرورات مكافحة الوباء. ولا بد من الإشارة إلى أن التقرير أكد أنَّ الدول الأكثر استغلالاً للوضع الاستثنائي الذي أوجده «كورونا» هي الدول التي كانت الديمقراطية هشَّة فيها من قبل تفشي المرض، في حين أنَّ دولاً كثيرة لم تشهد هذا النزوع التسلطي.
بكلمات ثانية، تتعرض الديمقراطية لاختبار قاسٍ يتألف من حزمة تضم: وباء «كوفيد 19»، والمد الشعبوي المتطرف، والأزمات الاقتصادية، وهي عناصر تتغذَّى بعضها من بعض، وتهدد بالانقلاب إلى حروب وصراعات دموية وسياسية حادة ومعيقة لجهود التعافي المنتظر. في المقابل، ليس لدى الديمقراطية إلا قدرتها على تجديد نفسها ومراقبة أخطائها وترميم ما يتهدم من بنيانها للاستمرار «كأفضل نظام سيئ»، حسب العبارة الشهيرة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة