«التبشير والاستعمار» و«لبنان الطائفي»

«التبشير والاستعمار» و«لبنان الطائفي»

الأحد - 23 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 08 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [15321]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

في الإفادة التي كتبها عمر فروخ عن صديقه الشخصي وصديقه في الاتجاهين العربي والإسلامي، زكي النقاش، عضو الحزب القومي السوري، بطلب من صديقه الدكتور علي زيعور ليضمها إلى كتابه عنه، كتاب «صراع التيارات المتشددة وعمر فروخ»، قال «اجتمعت أنا وأنطون سعادة ثلاث مرات: مرة (1932) في بيت زكي النقاش، في أثناء العمل على تأليف الحزب القومي السوري، ثم مرتين (1937 و1938) في بيت منير الحسيني في رأس بيروت. ولم أنتسب إلى الحزب قط. لأنني في الأصل لا أميل إلى العمل الحزبي. وفي بيت منير الحسيني بحثت مع أنطون سعادة في (سورية الكبرى) وحدودها ووجه تسميتها... بعد ذلك (أي بعد أن جادله) نشأت فكرة الهلال الخصيب سياسياً بعد أن كانت مدركاً جغرافياً معروفاً منذ التاريخ القديم».
وفي حديثه في هذه الإفادة عن رفض التيار المقاصدي للشيوعية وللقومية السورية، ختم حديثه عن الأخيرة بقوله «ومن المقبول، في نظري، أن يكون الواقع الذي رفض القومية السورية بشكلها القديم الفج سبباً في تطويرها واتساع صدرها. ولعل تطورها حصل بتأثير عوامل تظهر أنها لا تعيش أو تقف إلا إذا اقتربت من التيار الأكثري واندمجت فيه. وربما يكون للتيار الأكثري دوره الأكبر في دفعها إلى الانفتاح واقتبال أفكار اجتماعية المضمون وعربية اللون والقصد».
وقال الدكتور علي زيعور في الهامش تعليقاً على كلامه هذا «ربما يعود للدكتور عمر فروخ الفضل في دفع أنطون سعادة إلى أن يضم العراق إلى خريطته الفكرية للقومية السورية».
قبل صدور كتاب «التبشير والاستعمار» عام 1953، الذي اشترك في تأليفه عمر فروخ ومصطفى الخالدي، كان مصدر الإسلاميين العرب الوحيد في موضوع التبشير هو كتيب عنوانه «الغارة على العالم الإسلامي». الكتيب تلخيص لتقرير طويل كتبه أ. ل. شاتليه عام 1911 في مجلة «العالم الإسلامي» الصادرة باللغة الفرنسية، ترجمه إلى العربية مساعد اليافي ومحب الدين الخطيب. ونشراه في ذلك العام بجريدة «المؤيد» ونقلته عنها مجلات متعددة. وأعاد محيي الدين الخطيب عام 1949 نشره في جريدته جريدة «الفتح». وفي عام 1931 طبعه في كتيب في مطبعته (المطبعة السلفية).
مع صدور كتاب «التبشير والاستعمار» قدم المترجم الشهير منير البعلبكي عرضاً له في مقال نشره في مجلة «الآداب» بتاريخ 1 أكتوبر (تشرين الأول) 1953 ومما قاله عنه «وقد تعرض الدكتوران الخالدي وفروخ لحملة عنيفة في بعض الأوساط، بسبب من تأليفهما هذا الكتاب، ورمياً بالتعصب وإثارة العنعنات المذهبية. ولست هنا في معرض الدفاع عن المؤلفين ولكن أحب أن أنص، من حيث المبدأ، على أن الكلام عن التبشير لا يفترض في المتكلم التعصب ضرورة». وقد دافع عن الكتابة في موضوع التبشير، بحجة واقعية عملية وبحجة سياسية قومية وبحجة تقدمية. وأخذ على الكتاب نبرته التي تشف في بعض الفصول عن عصبية دينية. وتمنى لو صدر المؤلفان في كتابهما عن النزعة الوطنية الخالصة.
منير البعلبكي له صلة بكتاب محمد أسد «الإسلام على مفترق الطرق» الذي ترجمه عمر فروخ إلى العربية. فالترجمة صادرة عن دار العلم للملايين. وهذه الدار أسسها منير البعلبكي وبهيج عثمان عام 1945. وترجمة الكتاب كانت من منشورات الدار الأولى.
في الطبعة الثانية من كتابهما الصادرة عام 1956، لتعزيز موقفهما من الناحية المسيحية، استشهد فروخ والخالدي أكثر من مرة بكتاب «لبنان الطائفي» الصادر عام 1955، عن دار الصراع الفكري، الذي هو أول مؤلفات أنيس صايغ والذي ألفه حينما كان قومياً سورياً، وقد قالا عن الكتاب في مقدمة تلك الطبعة «أريد من هذا الكتاب أن يكون رداً على كتاب (التبشير والاستعمار)، ولكنه جاء سنداً له وشهادة مزكاة فيه. ثم إن صاحبه قد ذكر فيه أشياء لو ذكرناها نحن أو لو ذكرنا مثلها (يومئان هنا إلى مسيحيته)، لأثرنا عاصفة هوجاء تضيع في ريحها الغاية التي توخيناها».
أما المراد من تأليف هذا لكتاب عند أنيس صائغ أو سبب تأليفه له، فقد أفصح عنه في مقدمة الكتاب. فهو أراد من كتابه أن يكون جهداً ثالثاً في دراسة الطائفية في لبنان من منظور علماني متمم لجهد أول قدمه أخوه الدكتور فايز في كتابه «الطائفية» الصادر عام 1947، وجهد ثانٍ قدمه حليم فياض في رسالة جامعية. فأخوه الدكتور فايز - كما قال - درسها من وجه فلسفي وحليم فياض درسها من وجه إداري، وهو درسها من وجه تاريخي.
وحقيقة لا يوجد في كتاب «لبنان الطائفي» ما يوحي بأنه رد على كتاب «التبشير والاستعمار»، بل هو استند إليهما في تحليلهما لدافع التعصب الماروني والأرثوذكسي ضد المتحولين إلى البروتستانتية من هذين المذهبين. وربما استند فروخ والخالدي في زعمهما هذا إلى قول أنيس صايغ في كتابه «ومن المؤسف أن يتهم عالم فاضل كالدكتور أنيس فريحة بالتعصب الطائفي لمجرد دعوته إلى تبسيط اللغة العربية، كما كتب عنه مؤلفا كتاب (التبشير والاستعمار)»، وهذا استناد واهٍ جداً.
يقول أنيس صايغ في سيرته الذاتية «أنيس صايغ عن أنيس صايغ» عن تعامل عمر فروخ الانتقائي - وهو يتحدث عن كتابه الأول «لبنان الطائفي»، «وقد أربكت المعلومات التي أوردتها مؤرخاً لبنانياً بارزاً أشار إلى كتابي في دراسة له عن التبشير المسيحي في البلاد العربية مرات عدة، فاقتبس عني العبارات التي تدعم هجومه على المشاعر الطائفية بين بعض المسيحيين في حين صب جام غضبه على ما ورد في كتابي عن وجود مثل هذه المشاعر عند بعض المسلمين!».
لم يجابه كتاب «لبنان الطائفي» في لبنان بردة فعل غاضبة كما حصل مع كتاب «التبشير والاستعمار»، رغم أن الكتاب كتاب قوي وجريء وصريح، فرأى عمر فروخ ومصطفى الخالدي في مقدمة الطبعة الثانية من كتابهما أن «ضياع أثر الكتاب بعد خفوت صوته دليل على أنه لم يلق ترويجاً؛ إذ يبدو أن الذين كان يهمهم أن يظهر هذا الكتاب على ما تخيلوا ليروجوا له رأوه، بعد أن طبع، على خلاف ما أملوا فسكتوا. أما رأينا في هذا الكتاب فهو يجب على المواطنين المحبين لوطنهم أن يقرأوه حتى يعرفوا الزوايا التي يهبّ علينا منها ريح الاستعمار، والحفر التي تثبت منها القلاقل والفتن».
يصحح أنيس صايغ في سيرته الذاتية ما وهمه عمر فروخ ومصطفى الخالدي، فيقول «نشرت الكتاب على حسابي. وبينما لاقى استحساناً من العلمانيين، حزبيين وغير حزبيين، احتج على نشره بعض الحزبيين، خاصة من حزب الكتائب اللبنانية. حتى إن صاحب المطبعة التي بدأت بطباعة الكتاب رفض إكمال الطباعة في المرحلة الأخيرة منها. وكنا وصلنا إلى صفحة 160 واضطررت إلى أن انتقل إلى مطبعة أخرى أنجزت الصفحات الباقية، وكانت النتيجة أن نوع الحرف والورق في صفحات الملازم العشر الأولى يختلف عنه في الملزمة الأخيرة. وكان صاحب المطبعة من آل الجزار من الأشرفية وعضواً قيادياً في الكتائب».
هذه المعلومة التي ذكرها أنيس بتفصيل في سيرته الذاتية، كان قد قال شيئاً منها في كتابه «لبنان الطائفي» بعد إيراده المصادر الإنجليزية لكتابه؛ إذ قال «يلاحظ القارئ اختلاف أحرف الصفحات الأربعين الأخيرة من الكتاب عن الأحرف التي استعملت في طبع الملازم الثماني الأولى. وذلك أن صاحب المطبعة بعد أن أنهى طبع هذه الملازم، رفض متابعة العمل؛ لأنه وجد في مادة الفصل الأخير من الكتاب ما يناقض عقيدته السياسية، وما لا ينسجم مع سياسة المنظمة التي هو أحد المسؤولين فيها. واضطر الناشر إزاء هذا الرفض إلى البحث عن مطبعة أخرى تتم العمل».
المسوغ لإلقاء ضوء على كتاب «التبشير والاستعمار» هو أن اسم عمر فروخ حاضر عند الإسلاميين من خلال هذا الكتاب. والكتاب مؤثر في موقفهم المعادي للمسيحيين وللمستشرقين.
إذا تجاوزنا هذا الكتاب وتجاوزنا ترجمته لكتاب «الإسلام على مفترق الطرق»، فإن اسمه لا يحضر عند الإسلاميين في مؤلفاته الكثيرة والمتنوعة، حتى إسلامياته لا يتم الإحالة إليها في كتبهم، رغم أنه توجد مشتركات بين خطابه الإسلامي وخطابهم الإسلامي. كذلك، لا يتم الإحالة إلى كتابيه «عبقرية اللغة العربية» و«القومية الفصحى»، ويستعيضون عن الإحالة إليهما في هذا المجال بمؤلفات لآخرين.
يحيط الإسلاميون المودودي وأبي الحسن الندوي وسيد قطب وسواهم بهالة من القداسة، تداني الهالة التي يحيط المؤمنون بها الأنبياء والقديسين. فأي نقد لهم يعد عندهم هرطقة وزندقة، يصدر عن عقل ضال ونفس مريضة. فهذا النقد عندهم هو محظور ومحرم دينياً!
ومن تمايزات عمر فروخ عنهم، أنه في كتاب الرئيس الباكستاني الجنرال محمد أيوب خان «أصدقاء لا سادة» الصادر باللغة الإنجليزية عن جامعة أكسفورد عام 1967، والذي ترجمة إلى العربية عام 1968، لم يتحفظ على نقده للمودودي بهامش، ولم يسوغ للمودودي أو يعتذر له بكلام ما.
ومما عجبت منه أن نقد الرئيس الباكستاني للمودودي هو نقد مجهول عند الدارسين العرب الذين تعرضوا لأفكار المودودي بالدراسة والنقد، مع أن الكتاب نشر بالإنجليزية وترجم إلى العربية في أواخر ستينات القرن الماضي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة