لو أن حمزة المزيني تمعن قليلاً فيما قرأ

لو أن حمزة المزيني تمعن قليلاً فيما قرأ

الأحد - 16 صفر 1442 هـ - 04 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15286]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

لم يذكر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني في مقاله الأول «هل قالها غلادستون؟!» تاريخ طبعة كتاب «الإسلام على مفترق الطرق» باللغة الإنجليزية التي رجع إليها. وفي سيرته الذاتية «واستقرت بها النوى» التي صدرت قبل تسعة أشهر، تحدث عن مقالاته الأربع التي كان موضوعها الجملة المنسوبة إلى غلادستون، وذكر في هامش هذه الإحالة باللغة الإنجليزية، هذه المعلومة وهي:
Muhammad Asad. Islam at THE Cross Roads. Gibratar: Dar AL- Andulas, 1982.
فكشف بهذه الإحالة أن معرفته بتاريخ الكتاب باللغة الإنجليزية، هي بقدر معرفته بتاريخ ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية. ولقد نتج عن عدم معرفته بهذين التاريخين أخطاء جمة. سأبدأها بالحديث عن خطأ اعتماده على طبعة 1982 باللغة الإنجليزية.
إن هذه الطبعة، وطبعتين ظهرتا بعدها، وهما طبعتا 1995 و2003، صدرتا عن الدار ذاتها، دار الأندلس، جبل طارق، لا يصح الرجوع إليها لمطابقتها مع ترجمة عمر فروخ للكتاب؛ لأن طبعة عام 1982 طبعة مضللة. فمحمد أسد قد نقحها وشذبها وهذبها. ولم يذكر في مقدمته الجديدة لكتابه الذائع في العالم العربي وفي العالم الإسلامي أنه قد فعل ذلك. كما أن الشيخ الإسلامي صالح بن عبد الرحمن الحصين الذي ترجم هذه الطبعة إلى العربية عام 2009 قد فعل مثله!
ولأوضح للدكتور حمزة أنها طبعة مضللة، سأورد له مثالاً ساطعاً.
إنني لو قلت له إن أول من أشاع في العالم العربي وفي العالم الإسلامي، أن تسمية النبي محمد في بعض اللغات الأوروبية منذ أيام الحروب الصليبية «ماهوند» هي لنبزه، هو محمد أسد في كتابه «الإسلام على مفترق الطرق» الذي نشره في لاهور وفي دلهي باللغة الإنجليزية عام 1934، والذي ترجمه إلى العربية عمر فروخ عام 1946، ثم ذهب الدكتور حمزة إلى تلك الطبعة التي هي في حوزته ليتأكد من صحة ما قلته له، ولم يجدها فيها، فهل سيقول إنها من إضافات المترجم عمر فروخ، لمجرد أن محمد أسد قد حذفها من هذه الطبعة المنقحة والمشذبة والمهذبة، من دون أن يعلم القارئ بذلك، بعدما تبين له عدم صحة ما قاله في الطبعة الأصلية؟
يقول محمد أسد في فصل «شبح الحروب الصليبية» الذي ترجمه الشيخ الحصين إلى «ظل الحروب الصليبية»، وهو يتحدث عن عصر الحروب الصليبية: «في ذلك الحين استقرت تلك الفكرة المضحكة في عقول الأوروبيين، من أن الإسلام دين شهوانية وعنف حيواني، وأنه تمسك بفروض شكلية وليس تزكية للقلوب وتطهيراً لها، ثم بقيت هذه الفكرة حيث استقرت. في ذلك الحين أيضاً نبز الرسول بقولهم: كلبي».
شرح مترجم الكتاب عمر فروخ مقصود محمد أسد بالكلبي، فقال في الهامش: «كلبي – Mahound وازن بين صورة Mahomed وصورة Mahound. إن Ma (ما): ضمير الملك للمتكلم (ضمير جر) وhound (هاوند) من Hund (هوند) الجرمانية بمعنى الكلب. وقد كان أولئك النابزون يتلاعبون بظاهر اللفظتين: (ماهومد)، و(ماهوند)».
الدكتور عمر فروخ لسبب فني تصرف في ترجمة السطر الذي وردت فيه تلك المعلومة. وهذا السطر كما ترجمه لي صديق هو كما يلي: «وفي ذلك الحين، ولأول مرة، نجد أن النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) كان ينعت بـ(ماهوند)».
ولعل من أوائل الكتب في اللغة العربية التي نقلت تلك المعلومة بمتنها وهامشها هو كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، لسيد قطب، الصادر في عام 1949.
إن تلك المعلومة التي حذفها من طبعة 1982 هي في التشويش الذي أحدثته في العالم العربي وفي العالم الإسلامي أخطر من الجملة المنسوبة لغلادستون؛ لأن الجملة المنسوبة لغلادستون لا يصدق بها في هذين العالمين سوى جمهور الخطاب الإسلامي، في حين أن تلك المعلومة أخذ بصحتها هؤلاء وأناس يصدرون في فكرهم وتفكيرهم عن فكر وتفكير علماني. فالعماد مصطفى طلاس مثلاً في رده على دفاع صادق جلال العظم عن رواية سلمان رشدي «آيات شيطانية» المنشور بعنوان «الخارجون عن جلودهم» في مجلة «الناقد» في أبريل (نيسان) 1993، كان مسلِّماً بها.
صادق جلال العظم في رده على هذا الرد أثبت في بحثه عن أصل كلمة «ماهوند» في بعض اللغات الأوروبية الذي استند فيه إلى المعاجم الإنجليزية والفرنسية والألمانية الكبيرة، أن تلك المعلومة غير صحيحة.
وإنني انتهز هذه المناسبة لأنصح القارئ الذي لم يسبق له أن قرأ هذا البحث، بأن يطالعه، وهو موجود في كتابه «ما بعد ذهنية التحريم» الصادر في عام 1997.
وللتدليل على تفشي تلك المعلومة الخاطئة في العالم الإسلامي، أذكِّر بأن المظاهرات التي قام بها الهنود والباكستانيون في لندن وبومباي وإسلام آباد ودكا ونيويورك، والمظاهرات التي قام بها مسلمون آخرون في طهران وإسطنبول والخرطوم، للتنديد برواية «آيات شيطانية» وبصاحبها بعد صدورها في أواخر عام 1988، كان من مسبباتها استخدامه اسم «ماهوند» للإشارة إلى النبي محمد.
إن الدكتور حمزة لو رجع إلى طبعة من طبعات كتاب محمد أسد «الإسلام على مفترق الطرق» الأصلية باللغة الإنجليزية (الطبعة الأولى، وهي طبعة نادرة متوفرة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وطبعة عام 1962، وهي متوفرة في مكتبة الملك عبد العزيز العامة، وطبعة عام 1956، وهي متوفرة على الإنترنت) لعرف أن المؤلف كتب متناً من دون هوامش، ولعرف أن الهوامش التي قرأها في الطبعة التي رجع إليها هي من ضمن تنقيحات المؤلف على الطبعة الأصلية لكتابه، ولعرف أيضاً أن ملحوظته على المترجم عمر فروخ التي قال فيها: «كما أنه لم يترجم هوامش المؤلف، كما في هوامش ص 14 وص 29 من الأصل وغيرهما، مثلاً» ملحوظة خاطئة.
لنرجع إلى الهامشين: هامش ص 14، وهامش ص 29، لنعرف ماذا قال محمد أسد فيهما.
هامش ص 14يقول: «فكرة البيع والشراء بالمعنى الثقافي، والدور السلبي للمسلمين المعاصرين في هذا المجال، أخذها فيما بعد وطورها الكاتب الجزائري مالك بن نبي الذي شدد على الحقيقة التي أوضحتها من قبل في هذا الكتاب، وهي...».
إن الدكتور حمزة لو تمعن قليلاً في جملة: «أخذها فيما بعد وطورها» وفي جملة: «التي أوضحتها من قبل في هذا الكتاب» لأدرك أن هذا الهامش ليس هامشاً أصلياً في الكتاب، وإنما هو هامش كتبه المؤلف بآخره.
في هامش ص29 يقول: «أحب أن أوضح أني لا أستعمل اصطلاح (ثيوقراطية) بالمعنى الذي يفهم عادة من هذه الكلمة في الغرب، والمبني على التجربة الغربية الخاصة. انظر فصل (الاصطلاح والسوابق التاريخية) من كتاب المؤلف المعنون (مبادئ الدولة والحكم في الإسلام)».
إن الدكتور حمزة لو كان مطلعاً على مؤلفات محمد أسد، ويعلم عن تواريخ صدورها، لبان له أن الكتاب الذي أشار محمد أسد إليه في هذا الهامش هو كتاب تالٍ لكتابه «الإسلام على مفترق الطرق».
والكتاب الذي أشار محمد أسد إليه في الهامش هو كما قال عنه: «هو تطور أفكار أتيح لها الظهور للمرة الأولى في رسالة كتبتها بعنوان (بناء الدستور الإسلامي) – ConstiTution Making Islamic ونشرت باللغتين الإنجليزية والأردية في مارس (آذار) 1948». وقد ترجمه إلى العربية منصور محمد ماضي تحت إشرافه بعنوان «منهاج الإسلام في الحكم» عام 1957. (راجع مقدمة محمد أسد لترجمة كتابه هذا إلى العربية).
في هامش رقم 3 وفي هامش رقم 8: «وأنا أنقل أجزاءً من نصوص الهوامش من ترجمة الشيخ الحصين للكتاب الصادرة عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة» أحال إلى ترجمته وتفسيره للقرآن (رسالة القرآن).
فلو أن الدكتور حمزة مطلع على مؤلفات محمد أسد بالإنجليزية، لعرف أن هذه الإحالة تشير إلى قضيتين، هما:
أن «رسالة القرآن» صدر في مرحلة زمنية متأخرة من حياته. فالجزء الأول منه صدر في عام 1974، وجزؤه الثاني صدر في عام 1980.
إن هذا الكتاب الذي بدأ العمل عليه منذ عام 1964، يمثل مرحلة فكرية مختلفة عن المرحلة الفكرية التي ألف في ظلها كتابيه: «الإسلام على مفترق الطرق» و«منهاج الإسلام في الحكم». هذه المرحلة الفكرية المختلفة هي اتجاهه لإسلام المدرسة العقلانية، بعد أن كان إسلامياً أصولياً متطرفاً.
في هامش رقم 4 – وسأورد نصه كاملاً - يقول: «ومن جانب آخر، فمن العدل أن نشير إلى أنه – حتى نهاية القرن السابع عشر - كانت النصرانية (وبخاصة الكنيسة النصرانية) تلعب دوراً كبيراً جداً وإيجابياً جداً في تطوير الفنون البصرية - الرسم والنحت والعمارة - بالإضافة إلى الموسيقى الغربية، ولم يقتصر دورها على الإلهام والتشجيع؛ بل تعداه إلى الرعاية والتمويل».
لو تمعن الدكتور حمزة قليلاً في هذا الهامش وهو يقرأه، لأدرك أنه استدراك متأخر على ما قاله في المتن، وذلك حين قال: «ولا شك أن هذا المنطق الذي يميز الحضارة الغربية الحديثة غير مقبول في دين المسيح، كما هو غير مقبول في الإسلام، ولا في أي دين حق؛ لأنه غير ديني من أساسه، وعلى هذا فإن عزو الإنجازات العملية للحضارة الغربية الحديثة إلى الفعالية المفترضة للتعاليم المسيحية أمر بالغ السخافة. فإن المسيحية لم تسهم بأي قدر يذكر في التطور العلمي المادي الذي ميز حضارة الغرب المعاصرة على غيرها؛ بل إن هذه الإنجازات – في الحقيقة – نتجت عن الصراع الفكري ضد الكنيسة وفكرتها عن الحياة».
وبمقارنة هذه الفقرة من المتن مع ترجمة عمر فروخ لها، ووجدت أنه لطَّف من حدة هذا الرأي وقسوته على الديانة المسيحية في الصياغة؛ بل وجدت أنه قال جملة هي عين ما ورد في استدراك محمد أسد المتأخر على متنه. وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة