في خضم الانتخابات الأميركية

في خضم الانتخابات الأميركية

الأحد - 16 صفر 1442 هـ - 04 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15286]

الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2000، بين المتنافسيْن؛ جورج بوش الابن عن الحزب الجمهوري، وآل غور عن الحزب الديمقراطي، تأجَّل إعلان نتائجها النهائية لـ35 يوماً، حتى صدور حكم من المحكمة العليا، في القضية التي رفعها المترشح الجمهوري بوش مطالباً فيها المحكمة بوقف عملية إعادة عدّ الأصوات في ولاية فلوريدا، لأنَّها تُعدُّ خرقاً لحقوقه الدستورية.
ما حدث في ولاية فلوريدا، ليلة الانتخابات، هو أنَّ جورج بوش فاز على غريمه بزيادة 537 صوتاً، من مجموع ستة ملايين صوت. لدى ظهور النتيجة، قام آل غور بمهاتفة منافسه بوش معترفاً بهزيمته. بعد وقت قصير على المكالمة، ونتيجة تدخلات من فريقه الانتخابي، خاطب غور بوش ثانية معلناً سحبه الاعتراف بهزيمته. الفرق البسيط في الأصوات النهائية بعد الفرز، جعل آل غور يطالب بإعادة العدّ، لكن فريق بوش الانتخابي لجأ إلى القضاء لوقف العملية. وحكمت المحكمة لصالحه، وفاز بولاية فلوريدا، وبها تحقق أخيراً وصوله إلى البيت الأبيض، حيث شغله ثماني سنوات.
الانتخابات الرئاسية المقبلة خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، أُطلق عليها اسم «الانتخابات التي قد تقضي على أميركا». يقول المعلقون إن مصير أقدم ديمقراطية دستورية في العالم قد وُضع في ميزان، لا أحد يدري إلى أي كفة يميل. أزمة الانتخابات الرئاسية الحالية تأتي لتكون ضلعاً رابعاً لتكمل مربع أزمات خطيرة، وهي انتشار الوباء الفيروسي، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، والأزمة العنصرية. المشكلة الانتخابية تتمثل في الخلاف حول طبيعة عملية التصويت، وهو خلاف ما كان ليحدث لولا انتشار الوباء الفيروسي.
العديد من الولايات، وفقاً لتقارير إعلامية، اختارت اللجوء إلى التصويت البريدي، حماية للناخبين، وهي: كولورادو، هاواي، أوريغون، واشنطن، ويوتا. البعض الآخر اختار الحضور الشخصي أو بالبريد. ثلاث ولايات متصارع عليها وهي ميشيغان، وبنسلفانيا، وويسكنسون، حظرت على المسؤولين الانتخابيين بدء فرز أصوات الناخبين بريدياً إلى يوم الانتخابات. الرئيس دونالد ترمب يرفض بشدة التصويت البريدي، ويحرّض على الحضور الشخصي. التصويت بالبريد ليس جديداً في أميركا. الكثير من الناخبين يفضلونه باستخدام آلية تسمى «بريد الغائبين» (Absentees mail - in voting)، وهذه الآلية لا يرفضها الرئيس ترمب، بل إنه شخصياً وعائلته، وفقاً لتقارير، قاموا فعلياً بالتوقيع على النماذج رسمياً في ولاية فلوريدا، بغرض التصويت غيابياً. ما يرفضه الرئيس ترمب هو آلية التصويت العام بالبريد (Universal mail - in voting). لأنه يعتبرها عرضة للغشّ. ولذلك، يحرّض أنصاره على رفضها، ويحثّهم على الخروج والذهاب إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم. هناك خوف متزايد من أن يرفض الرئيس ترمب الاعتراف بالنتيجة النهائية للتصويت في حالة خسارته، أو أن يطلب من المحامي العام ويليام بار إرسال قوات شرطة اتحادية لمراكز الاقتراع للحجز على نماذج التصويت المرسلة بالبريد. وسوف يؤدي ذلك إلى خلق أزمة دستورية، كفيلة بإحداث تصدعات في الديمقراطية الأميركية، وحيث من الممكن أن يجد القضاة والمحامون وجهابذة القانون الدستوري أنفسهم منخرطين في حمى لهيبها، على أمل إيجاد حل مُرضٍ لطرفي النزاع. والوصول إلى ذلك الحل المُرضي قد يستغرق زمنا طويلاً، ويسبب إرهاقاً للجميع. أضف إلى ذلك اختياره الرئيس ترمب قاضية يمينية لتحل في المحكمة العليا بديلاً لقاضية ليبرالية توفيت مؤخراً، وهو أمر يراه البعض بمثابة ضربة استباقية من جانب الرئيس ترمب في حالة حدوث إشكالية حول نتائج الانتخابات تحتّم تدخل المحكمة العليا.
واستعداداً لذلك اليوم المتوقع جهّز الحزب الجمهوري ميزانية بقيمة 20 مليون دولار. الديمقراطيون من جانبهم أعدوا العدّة، بتجنيد فريق قانوني كبير. كل الدلائل تقود إلى نهاية انتخابية غائمة لا يحسمها إلا حكم صادر عن أعلى هيئة قضائية في أميركا.
الرئيس ترمب كان دائم الحرص على تفادي الإجابة، كلما سُئل حول تعهده بتسليم سلمي للسلطة في حالة هزيمته. هذا الصمت، مضافاً إليه التهديدات بعدم الاعتراف بالنتيجة النهائية، أحال الساحة الأميركية إلى حلقة نقاش كبيرة، تبحث في كل الاحتمالات الممكنة التي ستتولد عن رفضه مغادرة البيت الأبيض. القلق تجاوز الساحة الأميركية عابراً أمواج المحيط الأطلسي، ووصل إلى أوروبا.
وفي الآونة الأخيرة، تعهد الرئيس ترمب بعدم التوقيع على مشروع قانون أصدره البرلمان بميزانية إضافية لهيئة البريد للمساعدة على أداء دورها على أكمل وجه، في توصيل نماذج التصويت في أسرع وقت. لكن الرئيس ترمب صرح علناً بأنه لن يوقع على قرار الميزانية الإضافية المقترحة لدى وصوله إلى مكتبه، لكي يحدّ من عملية التصويت البريدي. قول الرئيس ترمب بإمكانية تعرض التصويت البريدي للغش والاحتيال واجه معارضة شديدة حتى من داخل دوائر الحزب الجمهوري، وخالفه علناً في مقابلة تلفزيونية رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي). بعض الديمقراطيين يرون أن لا حل للخروج من هذه الأزمة إلا بفوز ساحق يحققه مرشحهم جو بايدن. وهو، في رأيي، أمر غير متوقع، في واقع سياسي واجتماعي منقسم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة