بعد سقوط المبادرة الفرنسية... أيُّ سيناريو؟

بعد سقوط المبادرة الفرنسية... أيُّ سيناريو؟

الخميس - 14 صفر 1442 هـ - 01 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15283]
حنا صالح
كاتب لبناني

انقلاب الطبقة السياسية على التعهدات المقطوعة أمام الرئيس الفرنسي ماكرون، والتصعيد الذي مارسه «حزب الله» وعنوانه فرض «المثالثة» كمقدمة لانقلاب على الدستور، أسقط المبادرة الفرنسية تجاه لبنان لتأليف «حكومة مهمة»، تقتصر عضويتها على قدرات وكفاءات وخبرات مستقلة. أولويتها الاستجابة لاحتياجات المواطنين، من خلال تنفيذ برنامج إصلاحات، يرسم الأطر لبدء استعادة المال المنهوب ومكافحة الفساد ومنع التهريب، ما من شأنه أن يفرمل الانهيار، ويستعيد الثقة، ويعيد وصل ما انقطع مع المجتمعَين العربي والدولي، بحيث يكون ممكناً البدء في عملية طويلة مكلفة لانتشال البلد والمواطنين من الحضيض.
لم تعترف باريس بسقوط مبادرتها، بل قالت إنها تعثرت وهي مستمرة، لكن إعلان الرئيس ماكرون عن مهلة جديدة ما بين 4 و6 أسابيع لحكومة جديدة، أي إلى ما بعد انتهاء الانتخابات الأميركية، وهذا مبتغى طهران، أمر يمكن أن يُقرأ على أنه فشل مؤجل يرفض قصر الإليزيه الاعتراف به... في هذا التوقيت أصاب المبادرة الأميركية لترسيم الحدود مع إسرائيل انتعاش بدا معه أن عصا العقوبات الأميركية أشد فاعلية! ومعروف أنه في عزّ مشاورات تأليف حكومة أديب صدرت العقوبات الأميركية على الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس! رغم ذلك تنطلق هذه المفاوضات منتصف أكتوبر الحالي!
المخيف أن لبنان المنهوب والذي يعاني العوز ويضربه الجوع ودخل في زمن حكم الثنائي عون – نصر الله عصرَ «قوارب الموت»، سيكون عُرضة لانهيارات أعمق خلال الفترة الفاصلة عن موعد الانتخابات الأميركية، وربما أبعد من ذلك لأن النتائج قد تتأخر كثيراً، نتيجة لطريقة التصويت التي أوجبها تفشي «كوفيد - 19». لذا، السيناريو الأسوأ ليس مستبعداً، ولا يبدو أن الرئيس عون أفشى سراً حين تحدث عن جهنم، وهو كان يعلم أن أفق نجاح التأليف مع مصطفى أديب مقفل، وقد سعى إلى إفشال المبادرة من خلال استشاراته غير الدستورية التي حرّضت الكتل بأن تطالب بتسمية من يمثلها، فيُطاح بمبدأ الحكومة المستقلة لصالح محاصصة جديدة تستنسخ حكومات الفشل والفساد، لذا كان يعرف أن الاعتذار مسألة وقت!
هنا من الضروري التنبه إلى أن كل منظومة الفساد مسؤولة، وإنْ بتفاوت، عن إدخال المبادرة الفرنسية في وحول المحميات الطائفية والمذهبية... في حين لا وجود لأي مؤشر داخلي على إطلاق أي مبادرة إيجابية، ولا حدود لوقف انهيار سعر صرف الليرة وارتفاع التضخم. ومع تعذر وجود آلية لضبط الاحتكار وجنون الأسعار، وعشية أشهر قليلة من موعد رفع الدعم، يسجل اختفاء أصناف رئيسية من الدواء، وشح المازوت، وتقنين البنزين الذي يهرب، وأزمة رغيف على الطريق، وبالنهاية لا أبواب مغلقة أمام اتساع المجاعة!
مع سقوط المبادرة الفرنسية، استعادت منظومة الفساد سلوكها موغلة في الأنانية واستعداء المواطنين والتنكر لمصالح البلد، فبدأ الترويج لأولوية الاتفاق على مبادئ التأليف قبل التكليف (...)، كأنه لا دستور في البلد. وجاء خطاب نصر الله ليعلن الانقلاب الصريح على التعهد بحكومة من كفاءات مستقلة، مؤكداً بالحرف: «لا نستطيع أن نغيب عن الحكومة» ولا تنازل عن نتائج انتخابات عام 2018، وفي نفس الوقت يتبرأ وفريقه من المسؤولية عن الوضع الكارثي الذي وصل إليه البلد! يكتفي بالرفض ولا يقدم رؤية أو يقترح حلاً، فقط الإصرار على تجاهل المسؤولية عن الحقوق المهدرة التي رفعتها «ثورة أكتوبر (تشرين الأول)»، والقفز فوق المسؤوليات المتأتية عن جريمة «4 أغسطس (آب)»، وما نجم عنها من إبادة وترميد أحياء واسعة من العاصمة.
يصح في المنظومة السياسية التي يقودها «حزب الله» القول المأثور: «لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً»، هم يعرفون أنه ما من زورق نجاة متاح اليوم للشعب اللبناني بديل عن المبادرة الفرنسية، رغم ذلك قفزوا فوق الجوهر الإنقاذي الذي طرحه الرئيس الفرنسي وفوق الإهانات عندما خاطب اللبنانيين بقوله: «إنني أخجل مما يقوم به قادتكم»! وصوّب على سياسيين يهيمنون على لبنان المرتهن لصالح نحو 10 أشخاص يأخذونه إلى الحضيض! ليبدو أن منظومة الفساد توافقت على إرجاء الاستشارات النيابية الملزمة لاختيار شخصية لتأليف الحكومة، ويتقدم احتمال الذهاب إلى مشاريع خطرة من تسويات لا دستورية (ميني مؤتمر تأسيسي) تمكِّن الدويلة من الإمساك بمفاصل السلطة على نحوٍ أعمق، عنيت ممارسة كل أشكال الترهيب والتحدي لكسر الدستور والإقرار قسراً بـ«شيعية» وزارة المال، والتقدم نحو فرض «المثالثة»، تنفيذاً لإملاءات «حزب الله»! والسبيل الأضمن إلى ذلك استرهان اللبنانيين والعودة إلى صيغة حكومات المحاصصة!
قرار حكام إيران المتعمِّد إسقاط المبادرة الفرنسية، كان وراء تسارع الإخراج السيئ لفرض الاعتذار على مصطفى أديب، لأنه ينطلق من اعتبار أن ميزان القوى المحلي والإقليمي يتيح ترك الوضع في غرفة انتظار التطورات. وبالتالي يتم مؤقتاً تعويم الحكومة الواجهة، وهي حكومة العجز المطلق أمام تفشي الجائحة وترك الناس لمصيرهم، وحكومة التقصير الفاضح أمام موجبات الإغاثة، وحكومة الغياب أمام تحدي تأمين الحد الأدنى لإعادة إعمار ما تهدم يوم 4 أغسطس!
هنا يجدر الانتباه إلى أن المنحى الذي اتخذه تكليف مصطفى أديب ثمّ الاعتذار عن التأليف، ما كان ممكناً لو نجحت باريس في تحصين مبادرتها مسبقاً مع طهران. الأمر الذي لم يكن سهلاً، كان تلافي الرهان على موافقة «حزب الله»، الذي لو كان يملك قراره لما فوّت فرصة قيام رئيس دولة كبرى بالتحدث إليه وجهاً لوجه مع ما يحمله ذلك من تحدٍّ لكل المناخ الدولي ضده! وكان يجب تلافي الانتكاسة التي كسرت عزلة «الحزب»، بعدما بدا في مواجهة سياسية مع جميع اللبنانيين، وأمام تحدٍّ حيال كل علاقته بالتركيبة السياسية والنظام اللبناني، فكانت الانتكاسة من خلال الأداء الذي أقدم عليه الحريري بالزعم أنه يتجرع السم فطيّف بدعة الاستئثار بحقيبة وزارة المال، فيما هو كعادته يتبرع من كيس المواطنين وعلى حساب الدستور!
الأمر الأكيد أن هذه المافيا لا تردعها إلاّ العقوبات، وحسناً فعل ماكرون عندما وضع المسألتين الأهم على الطاولة: الأولى كشف موبقات أركان النظام المالي وفسادهم، والممارسات التي تم ترتيبها مع المصرف المركزي، والأموال التي أُخرجت، بحيث ظهر الكارتل المصرفي كجزءٍ من آلة الفساد، ما أفقده الثقة المحلية والعالمية، ولن يفلت بالتالي من العقاب، فالتحقيق الجنائي آتٍ لا محالة. بينما الأخرى هي التحقيق في جريمة الحرب في 4 أغسطس. وهذا الموضوع سعى ثنائي الحكم، عون ونصر الله، إلى إبقائه تحت سقف منخفض لحصر المسؤولية بالإهمال والإدارة، في حين أن جلاء الحقيقة يتطلب البدء بتحديد المسؤولية عن الجهة التي استقدمت شحنة الموت، والجهة المسؤولة عن التخزين والتواطؤ، وبعد ذلك كله المسؤولية عن التفجير!
تأسيساً على ما تقدم، يجدر التوقف بمسؤولية عند سؤال أكثرية اللبنانيين، الذي طرحه ماكرون وهو: إلى أين تأخذون الشيعة؟ والتتمة: إلى أين تأخذون لبنان؟ وما هو الأفق أمامكم؟ وما الهدف من استمرار اختطاف لبنان واسترهان حياة أهله في لعبة كبرى، ليس للبنانيين بها لا ناقة ولا جمل؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة