دعاة الثورات الجدد ومشروع تقويض الدول

دعاة الثورات الجدد ومشروع تقويض الدول

الأربعاء - 13 صفر 1442 هـ - 30 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15282]
يوسف الديني
كاتب سعودي

استهداف استقرار الدولة ومحاولة بعث الربيع العربي من أنقاضه لم يعد يعبّر عن رضات اجتماعية، أو رغبة في التغيير، بل بات مشروعاً متكاملاً ترعاه دول في المنطقة راهنت واستثمرت الأموال والكوادر والقدرات لإعادة الإسلام السياسي إلى المشهد عبر دعاة الثورات الذين تتبدّل جلودهم مع كل بارقة أمل لديهم في استعادة السيطرة والانقضاض على السلطة، إلا أن هؤلاء الدعاة يتراوحون بين رموز الإسلام السياسي المقيمين في مهجر المعارضة من إسطنبول إلى الدوحة إلى دول غربية، وبين شخصيات معارضة سياسية من اليسار في الغالب يعيشون حالة زواج مؤقت مع كل ما من شأنه تقويض منطق الدولة ومفهوم الاستقرار، بسبب ما يعتقدونه من انسداد الحالة السياسية وصعود مركزية الدولة أو السلطوية الناعمة عقب الربيع العربي الذي يقدم نموذجاً جديداً لمفهوم الدولة ما زال بعيداً عن حالة الرصد والدراسة والتنقيب، خصوصاً مع بقاء كليشيهات وشعارات هجاء الدولة وتجريمها. والحال أن ثمة نجاحات كبيرة على صعيد عودة مؤسسات الدولة والاستثمار في الاقتصاد ومحاولة تحسين الأوضاع رغم الظروف الصعبة والقاسية التي تستثمر فيها المعارضة، من دون أن تجد نفسها قبل أن يراها الآخرون مؤهلة للعب أي دور إيجابي في إنقاذ البلاد والعباد.
هناك تحالفات هشة متجددة بنيت على أنقاض «الربيع العربي»، يجمع فيما بينها البكاء على انهيار تجربة الربيع بما حملته من آمال عريضة وتصورات فانتازية عن عالم عربي وشرق أوسط جديد. السياسي المؤدلج غير راض على ما آلت إليه الأوضاع، ولديه أزمة حقيقية مع دول الاستقرار تعود إلى رغبته في ابتزاز أنظمتها السياسية عبر المطالبة المبتسرة بالإصلاحات السياسية ولو بدفع أثمان باهظة، كالتحالف مع التطرف وآيديولوجيا العنف.
هناك تحالف مشبوه بين الثائر السياسي المستلب من الإسلام السياسي وبين مشروع استهداف دول الاعتدال الذي يجمع تلك الخلطة غير المتجانسة ويتم تمرير تلك التناقضات تحت شعار الخوف من عودة حكم العسكر والأنظمة القمعية وتراجع الحريات السياسية، في حين أن كل هذه المخاوف كانت حقائق وأرقاماً في ظل تجارب الحكم الفاشلة التي قادها الإسلام السياسي.
بالأمس حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي من محاولات هدم الدولة وإشعال الفتنة بين المواطنين تعليقاً على أحداث شغب وقودها ضحايا إعلام «الجزيرة» وتحريض إردوغان من الأجيال الجديدة التي تعتبر الجمهور العريض لإعلام مواقع التواصل الاجتماعي ومحتوى الإنترنت، الذي وإن حظي بالمتابعة والتداول بسبب إمكاناته البصرية والفنية وحجم الاستثمار الهائل فيه، إلا أنه يعاني من أزمة المحتوى والمصداقية، كما أن غياب إعلام بديل موازٍ ينافسه على ذات التأثير واللغة والوصول إلى شرائح الشباب ما زال متعثراً إلى حد كبير بينما تخصص «الجزيرة» وشبكاتها وإردوغان وقنوات الإخوان المستقرة في تركيا وهي بالعشرات، وتعمل على استغلال الفضاء الرقمي بإعادة طرح مسألة تثوير الشارع العربي كهدف أساسي وعبر لغة جديدة تجنح إلى إهمال عقيدة الجماعة واللعب على الخطاب المدني، واستمالة شخصيات من اليسار العلماني المناهض للدولة، إضافة إلى مزج ملفات شبابية رائجة بموضوعات سياسية مكثفة تستهدف دول الخليج ومصر بشكل خاص وبجمهور كبير في شمال أفريقيا ودول المغرب، بسبب حالة الرقابة وضعف المتابعة في بلدانها المستهدفة، لكن الإشكالية في عالم صناعة المحتوى الإعلامي الرقمي هي أن إعادة تدوير المعلومة والخبر باتت سهلة وبإمكانها تجاوز حالة الرقابة، ولا يمكن أن تحقق أهدافها إلا عبر إنتاج مماثل ومضاد يقدم الحقائق والأرقام حول التحوّلات الإيجابية، وما يمكن تسميته «سردية فضيلة الاستقرار»، التي من الضروري أن تتكاثف الجهود لدول الاعتدال لطرحها وفقاً لأدوات التسويق السياسي الحديثة.
قدر دول الاعتدال في المنطقة، وفي مقدمتهما السعودية والإمارات، أن تواجه استهدافاً منظماً من كل اتجاه؛ الخطابات المتطرفة، والتنظيمات الإرهابية، والتيارات المؤدلجة يميناً ويساراً، والدول التي تحمل مشاريع شمولية أممية على أمل متخيّل باستعادة خلافة متوهمة، وبالطبع شخصيات سياسية فقدت مصداقيتها تجاه الذات قبل الآخر، وتصدرت نجومية مشهد التأزيم ومداعبة الحشود رافعة ادعاء أنها «نبض الشارع»... هذه المكونات غير المتجانسة وجدت ملاذاً لأزماتها في مطبخ «الجزيرة»، كما وجدت القناة - الدولة أن رعاية هذه المتناقضات جزء من استثماراتها في المعارضات والأقليات مهما بدت متعارضة ما دامت أنها تخدم مشروعها السياسي الذي ارتهن على هوية سياسية مصطنعة ونيّئة بلا طعم أو مذاق كالوجبات الإعلامية لمطبخ «الجزيرة»، التي تدس سم التطرف والابتذال السياسي في عسل حرية التعبير ونصرة الشعوب، وتلك قصة أخرى.
انكسارات الإسلام السياسي على الأرض لا تعني نهاية الأزمة، خصوصاً مع التبني والرعاية الكاملة ضمن مشاريع حلف الأزمات بقيادة إيران وتركيا وتبعية الدوحة التي تستثمر ثروتها في تدوير المحتوى المتطرف لفلول الإخوان عبر العالم، والحال أن الإسلام السياسي الحركي يتجاوز فكرة «التأطير التنظيمي»، فهو يعبر عن موجات اجتماعية وليس مجرد أحزاب وتنظيمات سياسية... هناك فرق كبير من جهة مصادر التلقي والانتشار والتعبئة، لذلك التحولات بحاجة إلى خطابات بديلة على مستوى الفكر والعقل وليس فقط على مستوى الخيار السياسي. فكما لم تتحول جماعات الإسلام السياسي أو حتى بعض الجماعات المنشقة عنها ممن كانت لها سابقة العنف، كالجماعة الإسلامية والجهاد، إلى خيار المشاركة السياسية بمجرد قرار قيادي، فلا يمكن أن تعود إلى مربع السلم الأهلي بمجرد قرار أو انقلاب داخل الجماعة... هناك حاجة لوقت طويل للمراجعة والتفكير والخروج من كل أطر ما قبل الدولة الحديثة، ومنها مفردات الخلافة والشمولية والأممية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة