يوم عالمي للبطاقات البريدية في ظل الطغيان الإلكتروني

يوم عالمي للبطاقات البريدية في ظل الطغيان الإلكتروني

الثلاثاء - 11 صفر 1442 هـ - 29 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15281]
داود الفرحان
كاتب عراقي

انقرضت أو كادت البطاقات البريدية التي كان الناس يتبادلونها منذ القرن التاسع عشر للميلاد وإلى يومنا الحالي. من النادر الآن أنْ تجدَ في معظم الدول العربية كشكاً لبيع الصحف يبيع أيضاً بطاقات بريدية ملونة تحمل صوراً تذكارية وسياحية يرسلها السياح إلى أهاليهم وأصدقائهم أو يتبادلها هواة المراسلة بين القارات الخمس.
هل تتذكر آخر مرة أرسلت فيها بطاقة بريدية إلى أحد؟ هل تتذكر آخر مرة تلقيت فيها بطاقة بريدية من أحد؟ أكيد من زمان. فثقافة البطاقات البريدية المصورة توشك على الرحيل في مجتمعاتنا بعد أن صار بإمكان المرء أن يرسل ما يشاء من صور إلى من يشاء حول العالم، عبر الإنترنت أو من هاتف إلى آخر، مباشرة، وفوراً، ومجاناً، ويتلقى الإجابة عنها.
ومثل كثيرين حول العالم، أحتفظ في مكتبتي بمئات البطاقات البريدية التي وصلت إليَّ من أقارب وأصدقاء في الأعياد والمناسبات. وبعضها يحمل عبارات كلاسيكية من نوع: «كل عام وأنتم بخير» أو «عيدكم مبارك» أو «رمضان كريم» أو «هابي نيو يير» أو «هابي كريسماس». ويحمل معظمها صوراً سياحية وزخارف إسلامية وصور فنانين ولوحات وآثاراً وطرائف ومهرجانات. ومن بين المناسبات، التي تشهد رواجاً في البطاقات البريدية التذكارية، زواج الأسر الملكية في أوروبا، وعيد ميلاد الملكة إليزابيث الثانية، والدورات الأولمبية.
وشهد هبوط أول إنسان على سطح القمر رواجاً هائلاً في البطاقات البريدية عام 1969. وتلجأ الحملات الانتخابية الأميركية والأوروبية إلى البطاقات البريدية لإضفاء لمسات إنسانية بين المرشحين والناخبين. أما في الحملات الانتخابية العربية، فهناك مقترح بوضع صور الخبز والكباب والأرز والزيت والعدس والشاليهات السياحية على البطاقات البريدية لتشجيع الفقراء على انتخاب المرشحين!
في العادة، السياح هم الزبائن الأكثر تعاملاً مع البطاقات البريدية. وليس شرطاً أن يرسلوها إلى أحد، فقسم غير قليل منهم يشترونها للاحتفاظ بها، ذكرى لأيام جميلة. لكنها عادة توشك على الانقراض بعد أن صار بإمكاننا أن نصور بأنفسنا أي لقطة بالهواتف الجوالة، بلا أفلام ولا بطيخ، أو «نلطش» من الإنترنت أي صورة ونطبعها. ولأن البطاقات البريدية تودع أيامها الأخيرة؛ فإن إحدى دور النشر الأسترالية اختارت 40 بطاقة بريدية تحمل صوراً من 40 بلداً، قالت إنها أفضل الصور السياحية، ثم طبعتها وعبأتها في مغلف أنيق يشبه الكتاب وعرضته للبيع في مكتبات عواصم العالم، واشتريت نسخة من إحدى مكتبات القاهرة. ولحسن الحظ، فإن 5 دول عربية هي جيبوتي والأردن وموريتانيا والمغرب واليمن، كان لها نصيب في 5 بطاقات بريدية بين 40 دولة من الشرق والغرب. فمن جيبوتي اختيرت صورة لوشم شعبي على كفيّ سيدة جيبوتية. ومن الأردن صورة لآثار البتراء، ومن موريتانيا صورة لبعض السكان بملابسهم التقليدية وسط الصحراء، ومن المغرب صورة رائعة للعمارة الإسلامية، ومن اليمن صورة لطريق جبلية من القرن السابع عشر للميلاد. وقد لا تكون هذه الصور أفضل ما في المجموعة، لكن يكفينا أن العرب موجودون على خريطة وذاكرة العالم السياحية؛ فجمال الطبيعة وغرائبها، والحضارتان العربية والإسلامية، يمكن أن تُنسي العالم نكد السياسة في الوطن العربي.
تضاربت المعلومات حول أول دولة استخدمت البطاقات البريدية، لكن بمراجعة التاريخ نجد أن أول ظهور لها كان في الولايات المتحدة عام 1861 على يد شخص اسمه ب. تشارلتون وحاز براءة اختراع بهذا الشأن. وبعد ذلك ظهرت هذه البطاقات في ألمانيا عام 1865، ثم في أستراليا عام 1869. وشاعت بعد ذلك في أوروبا وبقية القارات. ومع تطور الطباعة، فإن العهد الذهبي للبطاقات المزخرفة اللماعة كان بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي. وشملت الأعياد والمناسبات والبحار والطبيعة ونجوم الفن وإصدارات جديدة لأفيشات أفلام شهيرة، مثل: «ذهب مع الريح» و«كازابلانكا» و«ستار تريك» وأفلام شارلي شابلن ومارلين مونرو وصوفيا لورين و«ميكي ماوس» و«توم وجيري». ومن البطاقات الشائعة: «تاكسي» لندن، و«كيمونو» اليابانيات، وغرائب الهند، وأهرامات مصر، وجزر المحيطات، وقوافل الصحارى، والشلالات، والجبال. إلا إن بطاقات الورود والحدائق والطيور والأسماك الملونة والكلاب والقطط والقرود حققت أعلى نسبة من الإقبال. وهي تطورت اليوم إلى استخدام الأبعاد الثلاثية في التصوير التي حولت البطاقات إلى لوحات فنية يمكن تأطيرها وتزيين الجدران بها. لكن الزمن فعل فعلته كالعادة؛ فاختلفت الأذواق، وتقدمت أجهزة الاتصالات المسموعة والمرئية والمقروءة، وتحول العالم، كما يقول الإعلاميون، إلى «قرية صغيرة» نعرف معظم تفاصيلها ونحتفظ بصورها في هواتفنا الشخصية، وتكفي لمسة زر صغير لنشاهد أروع ما في الطبيعة من جمال وسحر وإبداع.
وإذا كانت البطاقات البريدية قد غابت في المجتمعات العربية خلال السنوات الأخيرة، فإنها ما زالت موجودة في الثقافة الأوروبية، لأن هذا النوع من الثقافة موروث لسببين: أولهما التوثيق المستدام، وثانيهما التفاعل الحضاري مع الدول والمجتمعات الأخرى.
يقول أحد الإحصاءات إنه في عام 2009 بلغ عدد البطاقات البريدية المرسلة داخل ألمانيا 178 مليون بطاقة. هل تعرف معنى إرسال بطاقة بريدية إلى أحد؟ معناه: «لقد كان لدي وقت للتفكير فيك». ثم إن كتابة رسالة بخط اليد وليس بحروف الطباعة تعكس روحاً ودية تُظهر مقام المرسلة إليه.
شاهدنا في المدن الأوروبية والأرياف صناديق البريد على الأبواب الخارجية لكل المنازل. وكان ساعي البريد شخصاً محترماً ينتظره الناس بترحيب خاص، قد يتضمن دعوة للمشاركة في تناول طعام الغداء! ويضم متحف برلين في ألمانيا - مثلاً - 250 ألف بطاقة بريدية مستعملة معظمها من جنود ألمان في جبهات القتال بعثوا بها إلى أهاليهم أو زوجاتهم أو أصدقائهم، وهناك أكثر من بطاقة واحدة كانت موجهة إلى كلب أو قطة المنزل.
في 9 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام تحتفل الأمم المتحدة بـ«يوم البريد العالمي» ومعها أكثر من 150 دولة، وأكثر من هذا، فإن هذا اليوم يعدّ عطلة رسمية في بعض البلدان. ويتم تنظيم معارض لهواة جمع الطوابع، كما تصدر طوابع جديدة وتحدد تواريخ لإلغاء طوابع قديمة. وتعقد ندوات ومؤتمرات ونشاطات ثقافية لزيادة الوعي بأهمية البريد في حياتنا. إلا أن هذا اليوم لا يشمل إحياء وتشجيع استخدام البطاقات البريدية، ولذلك، فإن المنظمة الدولية أمام اقتراح لتحديد «يوم عالمي للبطاقات البريدية» ودورها في الدعوة للسلام العالمي ونبذ الحروب، وحماية الحضارة البشرية، وتشجيع الرفق بالحيوان، ورعاية الغابات وجمال الطبيعة، والنظافة، والاهتمام بكبار السن. فالبطاقات البريدية التي يرسلها الأبناء إلى آبائهم أو أجدادهم تعيد إليهم ذكريات أحبوها لكن مشقة الحياة غطّت عليها في ظل الطغيان الإلكتروني الذي اكتسحها. البطاقات البريدية أكثر حيوية وإسعاداً وسحراً من ألبومات الصور العائلية التي نلقي عليها نظرات حزينة بين حين وآخر مصحوبة بحسرة على الزمن الجميل الذي انقضى ومضى.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة