نهاية فصل في تاريخ الصحافة

نهاية فصل في تاريخ الصحافة

الأحد - 9 صفر 1442 هـ - 27 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15279]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

لا يوجد صحافي من أبناء جيلي لم يتأثر بالسير هارولد إيفانز (1928 - 2020) الذي طوى رحيله الأربعاء فصلاً لا مثيل له في تاريخ الصحافة. كان لي حظ العمل تحت قيادته مراسلاً أجنبياً ومحرراً على «الديسك»، أثناء رئاسته تحرير الـ«صانداي تايمز» (1967 - 1981) والـ«تايمز» (1981 - 1984)، وهو الأب الروحي لأهم مدرسة للتحقيق الصحافي في فترة ما بعد الحرب الثانية.
تابع الاستقصاء بمفهوم عملاق آخر في فليت ستريت، اللورد نورثكليف (1865 - 1922) «الخبر هو ما تحاول جهة ما إخفاءه، وما عدا ذلك مجرد إعلانات».
التحقيق الصحافي في جينات إيفانز منذ تحريره «النورثون إيكو» في 1961 الصادرة منذ 1870 في دارلينغتون شمال شرقي إنجلترا، مقاطعات الطبقات العاملة التي صوتت لـ«بريكسيت»، وتطورت تحقيقاته إلى حملات صحافية كارتفاع أسعار السلع، وتلوث هواء المدن الصناعية.
كان لإيفانز شخصية متعددة الأبعاد، بعضها يناقض المدرسة الكلاسيكية التي تفصل الصحافة عن السياسة، وبعضها معرقل للصحافة الاستقصائية. ومهما كانت مكانة المصدر كان إيفانز يسأل: «أهي أدلة لا يرقى إليها الشك أمام القاضي والمحلفين؟» وكأنه وكيل نيابة رفض بصمات المتهم، كدليل لأنه شك في نظافة عدسة الكاميرا التي التقطت صور البصمات.
فريق التحقيق Insight لا يزال الأشهر في فليت ستريت، نصف قرن بعد تشكيله في الـ«صانداي تايمز»، التي تأسست في 1821 باسم «نيو أوبزيرفر (الجديدة)»، غير الـ«أوبزيرفر» أول صحيفة تصدر الأحد في العالم في 1791. ثم غيرت اسمها في العام التالي إلى «صانداي تايمز». عندما تولى إيفانز تحريرها في 1967 كان دون التاسعة والثلاثين، مسبباً دهشة وقت كنا نسمي رئيس التحرير The old man، وهي مفاجأة من اللورد روي طومسون (1894 - 1976) الذي اشترى الصحيفة في 1966 لأنه عين شاباً آخر أصبح عملاقاً في فليت ستريت، هو الأرستقراطي السير ويليام ريس - موغ (1928 - 2012) لرئاسة تحرير الـ«تايمز»، وكانت انطلقت في 1785 باسم «السجل العالمي اليومي»، وأصبحت الـ«تايمز» في 1788 وظلت صحيفة الوقائع Record Newspaper. وصفحة court page فيها وفي الـ«ديلي تلغراف» يعتبران، دون غيرهما من الصحف البريطانية، السجل الرسمي كمصدر للمؤرخين.
كانت الصحافة المطبوعة في 1967 لا تزال الأهم كالسلطة الرابعة، التي ترتعد لها الحكومات. الـ«صانداي تايمز» كانت وقتها في قمة الصحف الرصينة لكن إيفانز ساعد، بتطويراته على زيادة التوزيع ضد المنافسين، الـ«صاندي تلغراف» (تأسست 1961) والـ«أوبزيرفر»، بلا خفض المستوى كالصحف الشعبية بنشر فضائح النجوم. طور إيفانز الإخراج مما جعل الصحيفة أكثر جذباً لعيون المارة أمام أكشاك الصحف. وأطلق أول مجلة مصورة كملحق أسبوعي لصحافة الأحد لتنشر تحقيقات جادة مصورة كالمجلات الأميركية كـ«لايف»، والفرنسية «كباري ماتش»، وكانت ظاهرة جديدة على بريطانيا وقتها. ولم تنشر أخباراً خفيفة أو للترفيه، بل تحقيقات جادة؛ وفي منتصف السبعينات تابعنا كمجموعة صحافيين، أشهر طبيب قلوب في العالم السير مجدي يعقوب ورحلته بالطائرة إلى هولندا للحصول على قلب ورئتي شاب مات في حادثة، ومتابعة المصورين والصحافيين قيادته لفريق الأطباء لتوزيع أعضاء الشاب على عدة مرضى في المستشفى الإنجليزي ونشر الملف بالصور في مجلة الـ«صانداي تايمز».
زاد إيفانز التوزيع بنشره سلسلة مذكرات زعماء الحرب العالمية الثانية. والتحقيقات مثل كشف تجسس كيم فيلبي (1912 - 1988)، تخفى كمراسل في بيروت، بينما كان عميلاً مزدوجاً للمخابرات البريطانية والسوفياتية ونقل معلومات الأولى للثانية قبل هروبه إلى موسكو في 1963.
أما نقطة خلاف المدرسة الكلاسيكية مع إيفانز، فهو محوه الخط الفاصل بين الصحافة كمجرد رسول محايد، وبين السياسة، رغم أن مؤيدي مدرسته يجادلون بأن حملاته كانت قضايا اجتماعية كشفتها التحقيقات والسياسة جاءت كنتاج ثانوي.
كحملته مثلاً لكشف فضيحة الأدوية المعروفة بفضيحة الثالمويد، العقار المضاد لغثيان الحمل، وكان أطباء الصحة العامة المجانية يصرفونه بإسراف، مما سبب تشوهات الأجنة وولادة أطفال معاقين.
وقتها شبهه مؤرخو الصحافة بويليام توماس ستيد (1849 - 1912) الذي شن حملة لإنهاء استغلال القاصرات في بيوت سيئة السمعة في لندن في سلسلة مقالات في الـ«بال - مال غازيت»، في 1885 أعيد نشرها حول العالم وفي شقيقتها الأسبوعية الـ«بال مال بادجيت» (1886 - 1920). والصحيفة اندمجت بصحيفة الـ«غلوب» في 1921 والاثنتان بدورهما ابتلعا في 1923 في بطن المسائية اللندنية الـ«إيفنغ ستاندارد» - التي أطلقت في 1827.
لم يكتف إيفانز بكشف استخدام دواء خطر الأعراض الجانبية، بل لاحق الشركات لثماني سنوات حتى حكمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في 1979 بتعويض المتضررين بأكثر من 45 مليون دولار، وأجبرت حملته مجلس العموم على تعديل قانون «احتقار المحكمة»، الذي استغله القضاة لمنع الصحافة من نشر تفاصيل القضايا المدنية كقضية الأدوية.
تصادم مع الحكومة، بحملة على أجهزة الأمن لانتهاكها حقوق الإنسان في آيرلندا الشمالية. وفي 1975 نشر مذكرات الوزير السابق ريتشارد كروسمان (1907 - 1974)، وكان من الجناح المؤيد للحركة الصهيونية داخل حزب العمال في الأربعينات وقت تعرضت الإدارة البريطانية في فلسطين لقنابل الجماعات اليهودية، فاعترضت حكومة هارولد وليسون (1916 - 1995) التي كان كروسمان وزيراً فيها (1964 - 1970)، لأن القانون يحظر استفادة وزير مادياً من نشر معلومات حصل عليها أثناء الوظيفة.
وتصاعد الخلاف بينه وبين روبرت مردوخ فأقاله ثلاث سنوات فقط بعد أن عينه رئيساً لتحرير الـ«تايمز» بعد شرائه لها وشقيقتها الـ«صاندي تايمز». إيفانز خاض الحملات السياسية كمهمة اجتماعية للصحافة، أما بالنسبة لمردوخ، الناشر المحترف، فالسياسة مجرد وسيلة لقياس الرأي العام. وهو سبب دعم مردوخ لسياسات الحكومة على اختلاف لونها، لا عن قناعة بها، وإنما لأن الحكومة انتخبتها الأغلبية، التي يريد جذبها لقراءة صحفه.
اتهم إيفانز فيما بعد مردوخ بالتآمر مع رئيسة وزراء المحافظين وقتها الليدي ثاتشر (1925 - 2013) ورئيس الحزب سيسيل باركينسون (1931 - 2016) لفصله من رئاسة تحرير الـ«تايمز» في 1984. مردوخ ناقضه بنشر محضر الاجتماع، فرد إيفانز في كتاب Good time Bad Time يتهم مردوخ بتزوير محضر الجلسة.
وتظل قضية سبب تركه الـ«تايمز» معلقة، انتظاراً لتحقيق استقصائي بمفهوم مدرسة اللورد نورثكليف، ويدقق في الأدلة حسب مدرسة إيفانز، وبلا أي انتماءات سياسية كمدرسة مردوخ.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة