بين مطرقة الأتراك وسندان إيران

بين مطرقة الأتراك وسندان إيران

الأحد - 2 صفر 1442 هـ - 20 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15272]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي

العرب كانوا ضحية لنظامين شعبويين بشعارات مختلفة، وفي أزمنة مختلفة، وبشخوص متعددة، ولكن جميعهم بهدف واحد هو استعمار العرب شعباً وأرضاً، فكان العرب بين مطرقة تركيا بعباءة الخلافة العثمانية، التي ما هي إلا إمبراطورية الأمة الطورانية التركية، وسندان إيران الفارسية بعباءة الولي الفقيه، التي ما هي إلا شعبوية فارسية تسعى لاستعادة ماضي كسرى.
التاريخ الحديث، وحتى القديم، شاهد على ماضٍ بغيض وتركة مأسوية تركها الاستعمار التركي باسم الخلافة العثمانية، من نهب وسرقة، وجمع «الميري» الجزية من شعوب مسلمة، لحملها للباب العالي، ناهيك عن التفنن في بشاعة القتل والتعذيب بالخازوق؛ الاختراع التركي البشع، وحالات الخطف للفتيات، ونقلهن إلى جناح حريم السلطان في الباب العالي، ليسطرَ تاريخ مؤلم وقاسٍ مملوء بالدماء أسوأ حقبة استعمارية في تاريخ الشعوب، ولهذا كان إجماع عربي، أو توافق عربي، على رفضٍ للتدخلات التركية والإيرانية، في اجتماع الجامعة العربية، إذ أكدت اللجنة العربية المعنية بمتابعة التدخلات التركية في الشؤون الداخلية للدول العربية «عدم شرعية الوجود العسكري التركي في الدول العربية، وضرورة سحب جميع قواتها من دون قيد أو شرط، خصوصاً من جمهورية العراق، ودولة ليبيا، والجمهورية العربية السورية».
فالنظام التركي بزعامة إردوغان، يحتل أجزاء من سوريا العربية وأجزاء من العراق، ويقيم الآن قواعد عسكرية في قاعدة الوطية الليبية (غرب طرابلس) ومصراتة (شرق طرابلس)، ويهيمن على مقدّرات ليبيا العربية، وأبرم اتفاقاً مع حكومة غير شرعية لترسيم حدود بجغرافيا وهمية لابتلاع ونهب ثروات البحر المتوسط.
فالنظام التركي يمتطي جماعة «الإخوان»، بجل أعضائها العرب، لتحقيق مطامعه في البلاد العربية، ويستخدم هذه الجماعة كحصان طروادة، لاحتلال البلاد العربية لاستعادة الماضي الاستعماري العثماني البغيض، الذي جمد البلاد العربية خمسة قرون متتالية، وكان السبب الرئيسي في تأخرها التقني والحضاري.
الرفض العربي كان واضحاً بلسان الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، الذي قال إن «القرارات تعكس ضيقاً عربياً شديداً من تدخلات تركيا وإيران، لأن كلتا الدولتين، تتبنى سياسات تسعى لتحقيق فوائد على حساب المصالح العربية، سواء كان على حساب دولة بعينها، أو مصالح عربية عامة».
النظام التركي لا يختلف كثيراً عن النظام الإيراني الذي سعى إلى تصدير الثورة «الخمينية» أو «الإسلامية»، كما يسميها، بنكهة صفوية، إلى دول الجوار العربي، وزعزعة السلم المجتمعي فيها، عبر تهييج النعرات الطائفية.
النظام الإيراني المختبئ في عباءة «ولاية الفقيه»، بدأ بالاعتداء على جيرانه بالتآمر، وزعزعة أنظمة الحكم، والتدخل في شؤونهم، كما حدث في مملكة البحرين، وفي اليمن بدعم ميليشيات الحوثي، وفي لبنان وسوريا عبر «حزب الله».
لقد نخر السوس في كراسي الحكم لدى النظام الإيراني، جراء المعالجات الخاطئة لأزمته الداخلية، من جانب، وتصديرها للخارج، فهذا النظام يتبع سياسة اجترار الحرب للمنطقة، عبر التصادم مع القوى الكبرى.
هذه هي إيران التي بدأت عهدها كدولة حديثة باحتلال أرضٍ عربية مثل الأحواز أو عربستان أو الدولة المشعشعية العربية التي ابتلعتها عام 1925، وقهرت أهلها، وقمعت أي انتفاضة مطالبة بالاستقلال. السلطات الإيرانية عبر السنين عالجت الأزمة في الأحواز العربية المحتلة من الباب الأمني البوليسي، فأشعلت الإعدامات اليومية وتعليق الأحوازيين على أعواد المشانق.
إن التاريخ التركي والإيراني مع العرب كان ولا يزال تحكمه أنظمة قمعية متطرفة تنظر للعرب نظرة دونية، رغم انتماء الجميع لدين واحد، وهو الإسلام، إلا أن مفهوم الفرس اليوم للإسلام لم يكن كمفهوم المجاهد سلمان الفارسي، الذي أذاب الإسلام الفرق بينه وبين العربي القرشي خالد بن الوليد وغيره.
النظامان التركي والإيراني ما دام متزعمو أمرهما قادة مثل علي خامنئي وإردوغان فلا يمكن أن يكون هناك تقارب عربي معهما في ظل عقلية شعبوية استعلائية استعدائية لا تؤمن بحق الآخر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة