لا تخش زوال مناعة فيروس «كورونا»

لا تخش زوال مناعة فيروس «كورونا»

الخميس - 24 ذو الحجة 1441 هـ - 13 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15234]
أكيكو أواساكي ورسلان ميدجيتوف
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»

خلال الشهرين الماضيين، ظهر كثير من الدراسات العلمية، بعضها خضع للمراجعة من خلال مراكز بحثية مشابهة، فيما لم يخضع البعض الآخر للمراجعة ذاتها، يشير إلى أن استجابة الأجسام المضادة للأشخاص المصابين بفيروس «سارس كوف 2» انخفضت بشكل ملحوظ في غضون شهرين.
أثارت الأخبار مخاوف من أن مناعة المرضى المصابين بفيروس «كورونا» قد تتضاءل بسرعة، ما يضعف الآمال في تطوير لقاح فعال ودائم.
لكن هذه المخاوف تبدو مشوشة وخاطئة لأن مناعة أجسامنا الطبيعية والحصانة المكتسبة من خلال التطعيم تؤدي الوظيفة ذاتها، وهي منع الفيروس من التسبب في المرض. وبالتالي، فإن اكتشاف تلاشى الأجسام المضادة التي تحدث بشكل طبيعي في بعض مرضى «كورونا» لا يعني في الواقع كثيراً بالنسبة للفعالية المحتملة للقاحات قيد التطوير.
لقد تطور جهاز المناعة البشري ليخدم وظيفتين؛ النفعية والدقة. وبالتالي، لدينا نوعان من الحصانة؛ المناعة الفطرية، التي تقفز إلى العمل في غضون ساعات، وأحياناً دقائق فقط من حدوث العدوى، والمناعة التكيفية، التي تتطور على مدى أيام وأسابيع.
يمكن لجميع الخلايا في جسم الإنسان تقريباً اكتشاف عدوى فيروسية، وعندما يحدث ذلك، فإنها تدعو خلايا الدم البيضاء لدينا لنشر رد دفاعي ضد العامل المعدي.
عندما تنجح استجابتنا المناعية الفطرية في احتواء هذا العامل المسبب للمرض، يتم حل مشكلة العدوى بسرعة وبشكل عام بدون الإصابة بكثير من الأعراض. ورغم ذلك، في حالة الإصابات الأكثر استدامة، فإن جهاز المناعة التكيفي لدينا هو الذي يبدأ في توفير الحماية لنا.
يتكون الجهاز المناعي التكيفي من نوعين من خلايا الدم البيضاء يُطلق عليهما «الخلايا التائية» و«الخلايا البائية» التي تكتشف التفاصيل الجزيئية الخاصة بالفيروس، وبناءً على ذلك تعزز الاستجابة الموجهة إليه.
يتسبب الفيروس في حدوث المرض عن طريق دخول الخلايا في جسم الإنسان واختطاف أجهزته الوراثية لتتكاثر مراراً وتكراراً.
تقوم «الخلايا التائية» باكتشاف وقتل الخلايا المصابة، فيما تصنع «الخلايا البائية» الأجسام المضادة، وهو نوع من البروتين يرتبط بالجسيمات الفيروسية، ويمنعها من دخول خلايانا. ومن شأن ذلك أن يمنع تكرار الفيروس وإيقاف العدوى في مساراتها.
يقوم الجسم بالإبقاء على «الخلايا التائية» و«البائية» التي ساعدت في القضاء على العدوى في حالة قد نحتاجها في المستقبل لمحاربة نفس الفيروس مرة أخرى. هذه الخلايا المسماة بـ«خلايا الذاكرة» هي العوامل الرئيسية للمناعة الطويلة المدى.
تستمر الأجسام المضادة التي جرى إنتاجها استجابة لعدوى فيروس «كورونا» الموسمية الشائعة لمدة عام تقريباً، لكن الأجسام المضادة الناتجة عن عدوى الحصبة تدوم وتوفر الحماية مدى الحياة.
إن انخفاض الأجسام المضادة بمجرد انحسار العدوى ليس دليلاً على فشلها، فهي خطوة عادية في المسار المعتاد للاستجابة المناعية. ولا يعني تعداد الأجسام المضادة المتضائلة مناعة متضائلة، فخلايا الذاكرة «البائية» التي أنتجت لأول مرة هذه الأجسام المضادة لا تزال موجودة، وهي على استعداد لإنتاج مجموعات جديدة من الأجسام المضادة عند الطلب. ولهذا السبب يجب أن نكون متفائلين بشأن آفاق لقاح فيروس «كورونا».
يعمل اللقاح عن طريق محاكاة العدوى الطبيعية، وتوليد خلايا الذاكرة التائية والبائية التي يمكن أن توفر بعد ذلك حماية طويلة الأمد للأشخاص الذين يتم تطعيمهم.
تحتوي تقريباً جميع الفيروسات التي تصيب البشر على مخططاتها الجينومية لإنتاج البروتينات التي تساعدها على تجنب الكشف عن طريق جهاز المناعة الفطري.
من بين الفيروسات التي أصبحت متوطنة في البشر، اكتشف البعض أيضاً طرقاً لتفادي جهاز المناعة التكيفي، ففيروس «HIVV - 1» يتحور بسرعة، وتنشر فيروسات الهربس بروتينات يمكنها حبس وتعطيل الأجسام المضادة.
لحسن الحظ، لا يبدو أن «سارس كوف 2» قد طوّر أي حيل من هذا القبيل حتى الآن، ما يشير إلى أنه لا تزال لدينا فرصة لوقف انتشار الوباء من خلال اتباع نهج لقاح بسيط نسبياً.
تأتي اللقاحات بنكهات مختلفة يمكن أن تستند إلى المواد الفيروسية المميتة أو الحية أو الأحماض النووية أو البروتينات المؤتلفة. لكن جميع اللقاحات تتكون من مكونين رئيسيين، مستضد ومساعد.
المستضد هو جزء من الفيروس الذي نريد أن تتفاعل الاستجابة المناعية التكيفية معه وتستهدفه، والمساعد هو عامل يحاكي العدوى ويساعد على بدء الاستجابة المناعية.
ميزة أخرى هي أن اللقاحات تسمح بأنواع وجرعات مختلفة من المواد المساعدة للمعايرة والضبط الدقيق الذي يمكن أن يساعد على تعزيز وإطالة الاستجابات المناعية.
إن الاستجابة المناعية المولدة ضد الفيروس أثناء العدوى الطبيعية تكون تحت رحمة الفيروس نفسه، وهو ما لا يحدث مع اللقاحات. ونظراً لأن كثيراً من الفيروسات تتهرب من جهاز المناعة الفطري، فإن العدوى الطبيعية في بعض الأحيان لا تؤدي إلى مناعة قوية أو طويلة الأمد.
لا يحمي التطعيم فقط من العدوى والأمراض، بل إنه يمنع انتقال الفيروس، وإذا كان واسع الانتشار بما فيه الكفاية، فإنه يمكن أن يساعد في منح ما يسمى بمناعة القطيع لجموع الناس.
إن نسبة الأفراد في مجموعة سكانية معينة، المفترض أن تكون محصنة ضد فيروس جديد بحيث تكون المجموعة بأكملها محمية، يعتمد على رقم التكاثر الأساسي للفيروس بشكل عام، وهو متوسط عدد الأشخاص الذين سيصيبهم شخص واحد مصاب بالفيروس.
ونظراً للعواقب الوخيمة لفيروس «كورونا» على كثير من المرضى المسنين، بالإضافة إلى مسار المرض وعواقبه التي لا يمكن التنبؤ بها بالنسبة للشباب، فإن الطريقة الآمنة الوحيدة لتحقيق مناعة القطيع هي التطعيم.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة