كبار صغار في عقولهم

كبار صغار في عقولهم

الأحد - 12 ذو الحجة 1441 هـ - 02 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15223]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

شاركت الأسبوع الماضي في ندوة نظرة الأجيال الأصغر (مواليد ما بين 1980 و2000)، لمؤسسات المجتمع التقليدية كالأسرة، والدين، ونظام التعليم، ومؤسسة التعبير (الوسائل الصحافية)، والنظام السياسي.
بين المشاركين البروفسور فرانك فيوردي، الهنغاري المولد الكندي الجنسية، أستاذ علم الاجتماع في جامعة كنت الإنجليزية وصاحب نظرية «الخوف الاجتماعي» (ترويع الرأي العام لأغراض سياسية) وطورها عالم الاجتماع الأميركي باري غلاسنر، لتشمل العكس مثل خنق حرية الرأي والتعبير بتوجيه تهم كالعنصرية أو الإسلاموفوبيا. ولفيوردي أبحاث في سوسيولوجيا المعرفة (علما الاجتماع والإبستومولوجيا - نظرية المعرفة) بدراسة تطور الفكر في سياق اجتماعي بتقدم العلوم والابتكارات، والأهم دراسته عن تنشئة الأطفال في كتابه الصادر قبل أيام «أهمية رسم الحدود: لماذا يجب أن تعيد الإنسانية تعلم فن رسم الحدود؟». الحدود هنا القواعد التي تضعها الأسرة أو المدرسة للأطفال في مرحلة ما قبل البلوغ، كتحديد وقت عودة الابنة إلى الدار قبل ساعة معينة، فهذا لا يعلمها الانضباط والمحافظة على المواعيد فحسب، بل أيضاً يعد جزءاً من التدريب الاجتماعي ونقل الخبرة لأطفالها عندما تصبح أماً، أو ضرورة ترتيب الطفل لغرفته ليتعلم النظام، أو حدود استهلاك ما هو في البيت، وغيرها مما يعرفه أي أبوين بين القراء.
في المناظرة جادل البروفسور فيوردي بما طرحه في الكتاب بشأن إخفاق الوالدين والمربين والمعلمين في رسم الحدود أثناء الطفولة، وتساهلهم وتقاعسهم عن فرض عقوبات على الصغار عند تجاوز الحدود، سواء في البيت أو في المدرسة، مما أدى إلى ظهور جيلين، والثالث أسوأ، من الكبار مظهراً لكنهم أطفال عقلياً وغير قادرين على تحمل المسؤولية. التساهل «حرمهم من تطوير الغرائز الإنسانية التي تعلمتها البشرية عبر آلاف السنين كامتداد لغريزة البقاء، وهي التعامل مع الحدود والقوانين، وكيفية تطوير سبل الكفاح ضد ما يرونه ظلماً أو تعسفاً، واكتساب مهارة التغلب على الصعاب وكيفية ابتكار سبل البقاء والنجاح بالاعتماد على النفس».
وبعكس الأجيال التي ولدت عشية وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية مثلاً عندما كان الحرمان وغياب وسائل الراحة والرفاهية هو الأمر المعتاد لا الاستثناء، فتعلمنا الادخار والاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية. جيلي مثل جيل أبي وجدي، الخيارات متضحة؛ إما تقضي الطفولة إلى سن البلوغ (وكان وقتها 21 عاماً خفضت في الستينات إلى 18 عاماً) في الدراسة كاملة، أو بعضها؛ وفور ترك الدراسة بشهادة جامعية أو قبل الحصول عليها تلتحق بعمل كامتداد للدراسة مثل المحاماة أو الطب، أو تتدرب عليه إن كنت حرفياً، وتؤسس أسرة وداراً وتكون مسؤولاً عن أطفالك وصحتهم وتعليمهم قبل بلوغ الثلاثين.
اليوم خفض سن الرشد، والجيل الجديد يتمتع بتكنولوجيا وإمكانيات لم نكن نحلم بها، فقد كان أقل من عشرة في المائة من أبناء جيلي، عندما كنا دون الثلاثين، لديهم القدرة على قضاء عطلة خارج البلاد مرة كل عامين لو كنت محظوظاً، واليوم تلاميذ المدارس الثانوية والجامعية يقضون أكثر من عطلة في العام في الخارج لانخفاض أسعار السفر، وتلميذ الثانوية يحمل في جيبه من أدوات التكنولوجيا والتليفون ما قيمته تفوق دخلي في ثلاثة أشهر عندما كنت في الأربعين من العمر. المفارقة أن التقدم المادي والتكنولوجي لم يوفر للأجيال الجديدة التطور الإبستيمولوجي والثقافي والذهني الذي يساعدهم على تحمل مسؤولية الزواج والأسرة مما يتطلب العمل وكسب الرزق، مثلما يقول بروفسور فيوردي، بل يتصرفون وكأنهم ما زالوا تلاميذ دون سن الرشد بعقلية وسلوكيات المدرسة الثانوية. من أرقام المكتب القومي للإحصاءات في بريطانيا (وغالباً سيجد أي باحث إحصاءات مشابهة في بلاده) التي درسها فيوردي تجد الغالبية من خريجي الجامعات مما تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة والعشرين والخامسة والثلاثين غير منخرطين فيما يعرف بـcareer أو مسار مهني ثابت بل معظمهم تنقل في المتوسط ما بين ستة إلى ثمانية أعمال دون سن الثانية والثلاثين، وكلها أعمال مثل غارسون أو بائع في محل أو في كشك تذاكر السينما أو أعمال موسمية متقطعة، لأن همهم الأول هو السفر والمتعة والمشاركة في الاحتفالات والمهرجانات الجماعية والمظاهرات حسب الموضة السياسية السائدة اجتماعياً بين جيلهم، بالتالي فالالتحاق بوظيفة يقطع نشاطهم الذي يحتل قائمة الأولويات فالعمل بالنسبة لهذه الأجيال هو مثل الإجازة الموسمية أو حالة المرض في المسيرة المهنية للأجيال الكلاسيكية القديمة.
لكن البروفسور فيوردي يلتمس بعض العذر للآباء والمعلمين الذين سيجدون أنفسهم مذنبين في نظرة قضاة الموضة السياسة السائدة كسابحين ضد التيار الذي تحدده قوى أكبر منهم تسيطر على صناعة الرأي العام وبالتالي تحدد الأخلاقيات المثلى السائدة. فالأطراف والتيارات الآيديولوجية نفسها التي تريد إزالة الحدود التي تحمي الدولة القومية وتحدد أراضيها هي نفسها التي قوضت وشككت في الحدود التي كان يجب أن يحترمها الأطفال مع الوالدين والأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع. «هذه التيارات السائدة تتحدى وتقوض الفروق والحدود الثقافية التي تعطي معنى وجودياً لتجربة المعرفة الإنسانية لآلاف السنين، والتي أيضاً تحدد القيم الأخلاقية والمعنوية على المستوى القومي في المجتمع». يجادل فيوردي في كتابه، مستخلصاً أن تهافت هذه التيارات على استقطاب الأجيال الأصغر سناً دفعها إلى تعمد الهبوط بمستوى المنتجات الثقافية والفنية وتدنيها بحسابات السوق الاستهلاكية، والمبالغة في قيمة ما يقدمه الصغار على حساب حكمة اكتسبها المجتمع عبر آلاف السنين.
ماذا يفعل المعلم أو المعلمة إذا أصر تلاميذ الفصل وهم دون الرابعة عشرة على ترك الفصول الدراسية التي يتعلمون فيها معرفة وعلوماً حقيقية، مضربين عن الدراسة والخروج في مسيرة تمرد ضد الكبار بتهمة أن المجتمع يدمر البيئة؟
الصغار فجأة أصبحوا أصحاب القرار، ويعتقدون أنهم أكثر دراية بعلوم لم يكلفوا أنفسهم عناء دراستها، فمؤسسة صناعة الرأي العام خلقت أسطورة صدقتها، وصنعت صنماً تعبده ترويجاً لميثيولوجيا الأسطورة. وإذا كانت ضغوط هذه التيارات وضعت مراهقة لم تكمل تعليمها المدرسي ولم تجنِ من المعرفة إلا القشور على منصة الأمم المتحدة لتلقي محاضرة على رؤساء الدول والعلماء والفلاسفة والأطباء والأدباء، فكيف يستطيع المعلمون والأسرة الأخذ بيد الصغار إلى مرحلة النضج وتحمل المسؤولية؟
فيوردي رغم بحثه المستفيض لا يقدم حلولاً آنية، بل الخلاصة أن هذه الأجيال غير المسؤولة سيستغرق بلوغها النضج العقلي وتحمل المسؤولية وقتاً أطول، وربما عند بلوغ سن المعاش... السؤال: ماذا سيكون حال المجتمع الذي تديره الأجيال التي ولدت لأطفال يبدون في المظهر كباراً؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة