تيريزا رافيل
TT

شتاء بوريس جونسون على الأبواب

يقترب الشتاء، لكن أي شتاء على وجه التحديد؟ من ناحيته، أقر رئيس وزراء المملكة المتحدة بوريس جونسون، الأسبوع الماضي، أن ثمة سيناريوهين محتملين: موسم معتدل على جبهة فيروس «كورونا» أو عاصفة ثلجية. وأعرب بوريس عن رغبته في أن يشرع البريطانيون في الاستثمار والإنفاق والتنقل بالجوار كما لو أن نهاية عام 2020 ستكون سالمة. ووعد بجانب ذلك بأن الحكومة، من جهتها، ستتخذ استعداداتها من أجل النهاية الأخرى الممكنة للعام.
من المنظور السياسي، يبدو ذلك موقفاً ذكياً، ذلك أنه يتيح لجونسون الادعاء بأنه يقدم يد العون لإعادة فتح الاقتصاد وإنقاذ الوظائف، في الوقت ذاته الذي يعطي فيه الأولوية إلى اعتبارات الصحة العامة. إلا أنه في المقابل، يبدو هذا موقفاً صعباً فيما يخص الشركات والأفراد، ذلك أنه لا يقدم توجيهات واضحة حيال ما ينبغي عمله ويثير مسألة ما إذا كان جونسون تعلَّم من الأخطاء السابقة التي سقط فيها أثناء تعامله مع أزمة الوباء.
أما السيناريو النهائي الذي ستتمخَّض عنه الأحداث فيحمل أهمية كبيرة. وفيما يلي ما تبدو عليه ملامح سيناريو «الشتاء المعتدل»:
لنتخيّل الآن أننا أصبحنا في فبراير (شباط) 2021 وأصبحت الحياة الآن أفضل حالاً. الآن، أصبحت تعمل من المنزل من وقت لآخر، لكنك بوجه عام عدت إلى المكتب وتعمل منه كثيراً. وعاد ضجيج وقع كعب حذاء في إزعاجك وتذكيرك بما يبدو عليه الأمر لدى ارتداء حذاء غير مخصص للجري. أما زميلك، فعاود ارتداء قمصانه البيضاء المهندمة أخيراً، بعد أن ظلت شهوراً قابعة من دون معنى داخل أكياس التنظيف البلاستيكية.
أما المطاعم، فإنها الآن أصبحت تتطلب المبادرة إلى الحجز قبل الذهاب إليها فعلياً بأسابيع. والآن، عاودت الشكوى من جديد من ازدحام جدول أعمالك عندما يستفسر منك الأصدقاء عن سر غيابك.
في خضم ذلك، لم يختف الفيروس تماماً، لكنك أصبحت خبيراً في كيفية تفاديه: ارتداء قناع حماية الوجه داخل وسائل النقل واستخدام الجل المعقم لليدين باستمرار، والحرص على فتح النوافذ حتى عندما يكون الطقس بارداً.
ومع أن هذا الوضع لا يبدو مثالياً ـ بمجرد أن تظهر أعراض الزكام على أحد أفراد الأسرة، تخضع الأسرة بأكملها للعزلة حتى إجراء اختبار لأفرادها ـ فإنه لدى مقارنته بالوضع الفوضوي الذي يعصف بالولايات المتحدة (والذي أصبح الآن مشكلة جو بايدن) أو الأحداث المأساوية التي تعايشها البرازيل تحت قيادة جايير بولسونارو، يشعر البريطانيون بأنهم في حال طيبة.
إذا كان هذا «الشتاء المعتدل» هو ما ينتظر البريطانيين، فإن هذا يعني أن جونسون سيخرج من الأزمة الراهنة بانتصار عظيم. في تلك الحالة، سيشعر الناس بالارتياح لعودتهم إلى الحياة الطبيعية، وسيزداد مستوى ثقة المؤسسات التجارية في الاقتصاد، وستجري تنحية مسألة خروج بريطانيا من السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي جانباً عند نهاية العام لبعض الوقت.
إلا أنه في المقابل هناك سيناريو «الشتاء العصيب» والذي لدى استعراضه تتجلى المخاطر التي تواجهها البلاد:
ها نحن نعود من جديد، فقد أغلقت المدارس البريطانية أبوابها مرة أخرى، في خضم عام مجهد شهد العمل والتوقف مرات متتالية. أما أوروبا، فترفض استقبال رحلات جوية من المملكة المتحدة. وبين الناس، تبدو كل إشارة على الإصابة بالبرد وكأنها حكم بالإعدام.
من ناحية أخرى، فإن وعود بوريس بإجراء 500 ألف اختبار يومياً جرى الالتزام بها فعلاً. ومع ذلك، فإنها لم تغطِ كل من يحتاجون لخوض الاختبارات لظهور أعراض موسمية عليهم. أما بعض الأفراد فلا يأبهون بالأمر على أي حال لافتراضهم أنهم يعانون من الإنفلونزا العادية.
الآن، أنت عدت إلى المكتب، لكن الوضع لم يعد مثلما كان في السابق، فكثير من البنايات المصنوعة من الزجاج والصلب في أرجاء المدينة تبدو مهجورة. أما رحلة مترو الأنفاق اليومية التي لطالما كانت مزعجة لك، تحولت الآن إلى الجزء الأجمل في اليوم، وإن كنت تشعر بالتوتر لضآلة عدد العاملين من حولك.
ومثلما حذر التقرير الصادر عن مجموعة الخبراء الاستشارية التابعة لأكاديمية العلوم الطبية في يوليو (تموز)، فإن تبدل المواسم من الصيف إلى الشتاء كان مواتياً لفيروس «كوفيد - 19» مع شروع الناس في قضاء وقت أقل في الهواء الطلق ومزيد من الوقت داخل أماكن ضيقة صغيرة تتسم بمستوى أقل من جودة التهوية.
بيد أن الأسوأ عن ذلك أن خدمة الصحة الوطنية لم تعد قادرة على تكيف مع الأوضاع، ذلك أن التركيز على فيروس «كوفيد ـ 19» خلق حالة من التراكم في صفوف ملايين الحالات غير الحرجة. أما من يعانون من مرض السرطان فلم يعد يجري تشخيصهم في الوقت الذي تعاني جهود العلاج من تأخيرات مستمرة. ومع هذا، يبقى المزيج الفتاك من موسم الإنفلونزا العادية وموسم وباء إنفلونزا «كوفيد ـ 19» القاتل الأكبر. ورغم توسيع نطاق برنامج مصل الإنفلونزا، من أجل خفض أعداد المرضى الآخرين الذين يعانون الإنفلونزا، لكن لم تعد هناك مساحة كافية تغطي جميع الفئات العمرية.
بالتزامن مع ذلك، تراجع مستوى الصحة الذهنية جراء شهور من الإغلاق وغياب الأمن الوظيفي وفقدان الدخول. ومع أن شتاءات بريطانيا دائماً ما تكون مظلمة، فإن هذا الشتاء على وجه التحديد يبدو دونما نهاية.
من ناحية أخرى، فإنه بدلاً عن توحيد صفوف البلاد، تسبب الفيروس في تفاقم الانقسامات. وبعد أن لاحظ الاسكوتلنديون أن حكومتهم أبلت بلاءً أفضل في التعامل مع أزمة الفيروس، ارتفعت معدلات تأييد استقلال اسكوتلندا. وفي الوقت الذي تظل أجزاء كثيرة من شمال إنجلترا الأكثر فقراً قيد الإغلاق، تزداد المناطق الخالية من وباء في الجنوب الأكثر ثراءً، الأمر الذي يؤجج مشاعر السخط ويجبر الحكومة على إصدار تعهدات بمزيد من الإنفاق.
من ناحيته، ليس باستطاعة جونسون الجزم بأي من فصلي الشتاء سيتحقق نهاية الأمر، ومن يدري فربما تحصل بريطانيا في النهاية على مزيج من السيناريوهين. إلا أن المشكلة الحقيقية هنا أن شعار «ليكن أملك في الأفضل، مع استعدادك للأسوأ» لا يوفر الكثير من الوضوح أمام الأعمال التجارية.
اليوم، يتعرض جونسون لضغوط شديدة كي يشجع الأفراد على العودة إلى العمل وارتياد وسائل النقل العام. والمؤكد أن فترة الركود طويلة الأجل تنطوي على تكاليف هائلة، بجانب حقيقة أن الإنفاق الحكومي الباذخ سيتعين على الحكومة أن تتكبد ثمنه بصورة أو بأخرى.
ومن اللافت كيف أن جونسون توقف عن ترديد عبارة أن جميع قراراته يجري اتخاذها بتوجيه من العلم.
والملاحظ كذلك أن كبار العلماء المعاونين للحكومة أصبحوا أكثر حذراً. على سبيل المثال، بعد ساعات قليلة من المؤتمر الصحافي الذي عقده جونسون، الأسبوع الماضي، أخبر كبير مستشاريه بالمجال الطبي، كريس ويتي، لجنة تابعة لمجلس اللوردات أن إجراءات التباعد الاجتماعي تبقى مهمة، وأن إجراءات الإغلاق ربما يعاد فرضها من جديد في الشتاء.
أما كبير المستشارين العلميين باتريك فالانس، فقال أمام أعضاء البرلمان، مؤخراً، إنه لا يزال من الأفضل للأفراد العمل من المنزل ـ في تحذير يقال إنه دفع جونسون لتعديل خططه الرامية لحث الناس على العودة لأعمالهم.
والمؤكد أن الشركات، من ناحيتها، تتابع عن قرب هذه التطورات. ولا ضير في أن يكون لدى الحكومة خطة حال وقوع سيناريو «الشتاء العصيب»، لكن السؤال هنا: هل ترغب الشركات حقاً في مواجهة مخاطرة إعادة الموظفين للعمل من المكاتب؟
من جهتها، تحذر النقابات بالفعل من إجبار الموظفين على العودة إلى بيئات عمل غير آمنة.
ورغم كل شيء، فإنه مقارنة بمستوى الإنكار الذي تبديه الحكومة الأميركية، أظهرت حكومة المملكة المتحدة أن باستطاعتها التعلم. اليوم، تجري بريطانيا اختبارات لأعداد أكبر بكثير من الأفراد، وتخطط لطرح تطبيق لتتبع الاختلاط مع المصابين هذا الشتاء، وضخ المزيد من الأموال في الخدمة الصحية الوطنية، وشراء كميات ضخمة من المعدات ومنح الحكومات المحلية القدرة على فرض حالة إغلاق على المناطق التي تنتشر بها العدوى.
ومع ذلك، تظل الحقيقة أن الدول التي خرجت من معركة الإغلاق منتصرة، هي تلك التي تعاملت بقوة مع مسألة انتقال العدوى وكسبت ثقة الرأي العام. والمؤكد أن الأمر سيتطلب جهداً كبيراً من أجل التحرك لما وراء الكوارث التي ارتكبتها بريطانيا في إدارتها لأزمة الوباء على مدار الشهور القليلة الماضية.
خلاصة القول: الشتاء يشكل الاختبار الثاني الكبير أمام بريطانيا، ويجب أن تحرص على عدم تكرار إخفاقات الاختبار الأول.

- بالاتفاق مع «بلومبرغ»