عن عبء الرجل الأبيض والعنصرية وتوطين التنمية

عن عبء الرجل الأبيض والعنصرية وتوطين التنمية

الأربعاء - 24 ذو القعدة 1441 هـ - 15 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15205]
د. محمود محيي الدين
اقتصادي مصري

مرَّ زهاء 120 عاماً منذ كتب شاعر التوسع الاستيطاني البريطاني روديارد كبلينج قصيدته بعنوان «عبء الرجل الأبيض»، التي زعم فيها أن هناك امتيازاً عنصرياً للجنس الأبيض، وناشد بقصيدته الأميركان، المنتمين لذات الجنس، الاستمرار في تحمل مسؤولية الزحف حرباً في الفلبين واحتلال أراضيها، وإن تحملوا في سبيل هذه «المهمة المقدسة» تكلفة كبيرة وحشد أفضل أبنائهم للقتال، حتى لو لم يعودوا سالمين لأهليهم أو اضطروا للبقاء في أراضٍ بعيدة عن ديارهم. فمن سيقوم غيرهم بنشر مكاسب الثورة الصناعية والحضارة الغربية؟ من سيتجشم سواهم مشقة حمل مشعل تنوير لهؤلاء المتجهمين، كما وصفهم كبلينج بفكره السقيم، بأن نصفهم يتصرفون كشياطين والنصف الآخر بعقول أطفال؟ واشتعلت الحرب مستعرة لثلاث سنوات من عام 1899 حتى عام 1902، وفُقد فيها 20 ألفاً من جنود الجمهورية الفلبينية الوليدة دفاعاً عن أرضهم التي اغتصبت رغماً عنهم، وفقاً لاتفاقية باريس لعام 1898 بتنازل إسبانيا المنهزمة أمام القوات الأميركية. وقُتل وأصيب عشرة آلاف من الأميركيين. وتراوحت أعداد من سقط من المدنيين الفلبينيين بين مائتي ألف ومليون إنسان بسبب الأوبئة والمجاعات، واستمرت حركة الاستقلال التي قاومتها سلطات الاحتلال بدعوى أنها موجودة فقط بشكل مؤقت كسلطة «وصاية وتأهيل» حتى تصبح البلاد جديرة بالاستقلال. وبفضل استمرار المقاومة وتغير معطيات واقع ما بعد الحرب العالمية الثانية وبزوغ موجات التحرر الوطني حول العالم، نالت الفلبين في النهاية استقلالها في عام 1946.
وتتوالى أحداث العالم بين حرب وسلم واستقلال لدول وانسحاب للقوى الاستعمارية، وصعود دول وانحسار أخرى، وتتصاعد حركات الحقوق المدنية منادية بالمساواة ومنددة بالتفرقة العنصرية، وتحقق مكاسب تشريعية وسياسية ملموسة. لكن ممارسات الاستعلاء والتمييز العنصري ظلت باقية على طريقة كبلينج، قد تكون متوارية في مرات وفاضحة لقبح وجهها وتخلف معتقداتها في مرات أخرى. وقد اندلعت خلال الأسابيع الماضية موجات غاضبة حول العالم منددة بالتفرقة وممارسة العنصرية، بعد حادث بشع لمقتل الأميركي جورج فلويد تحت أقدام شرطة مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. وطالبت الاحتجاجات بإزالة مظاهر تاريخ قمع الحريات وعدم المساواة، المتجسدة في تماثيل ومعالم وشوارع حملت أسماء أشخاص، اقترنت سيرها التاريخية بتجارة الرقيق واستغلال العبيد ومناهضة تحريرهم، والتصدي لإدماج السود والأقليات في المجتمع وترسيخ التفرقة العنصرية.
ويستدعي الأمر تحليلاً للاقتصاد السياسي للعنصرية لاقتلاع جذورها من المجتمعات، بعدما تُركت لتنمو وتستمر في الانتشار رغم أحاديث متكررة وخطب حماسية وأخرى باهتة عن العدل والمساواة. فقد مر أكثر من 55 عاماً على صدور قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في عام 1964 وحظر التمييز على أساس اللون أو العرق أو الدين أو الجنون، بعد سنوات من الكفاح وتضحيات من زعماء تاريخيين مثل الدكتور مارتن لوثر كينغ ورفاقه. وهو صاحب الكلمات المضيئة التي ألهمت حركة الإصلاح بأن «الديمقراطية ليست استفتاء بالأغلبية، فلو استفتي الأميركيون لظل السود عبيداً»، وأنه «لا يمكن لأحد أن يركب ظهرك إلا إذا كنت منحنياً». وظل يردد بأن «لديه حلماً بيوم يصير فيه المعوج مستقيماً... يوم يجلس فيه أبناء العبيد السابقين، مع أبناء الأسياد السابقين على منضدة واحدة متآخين». كانت هذه الكلمات سابقة لزمنها ودفع ثمنها الدكتور كينغ بحياته.
ورغم تطور القوانين المساندة للمساواة والعدالة، فإن لتطبيقها شأناً آخر في مجالات التعليم والسكن والعمل والأجور. فيفصح جين سبيرلينغ، المدير السابق للمجلس الاقتصادي الأميركي، في كتابه الصادر هذا العام بعنوان «الكرامة الاقتصادية» أنه في مقابل كل 100 دولار يتقاضاها عامل أميركي أبيض، تحصل العاملة الأميركية السوداء على 61 دولاراً والإسبانية على 54 دولاراً، وعلى مدار عمر العمل بين الأدنى والأعلى أجراً تتراكم الفروق في الدخل والتفاوت في الفرص.
ويشير الاقتصادي أنجوس ديتون الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد في مقال نشره الشهر الماضي، مع الاقتصادية آن كيس، إلى «وفيات اليأس» انتحاراً ونتيجة أمراض سببها إدمان الكحول والمخدرات، وارتفاعها الملحوظ منذ منتصف التسعينات من 56 ألف حالة إلى 158 ألف حالة عام 2018. كما أن آثار جائحة كورونا على الأكثر فقراً أشد بأساً، سواء بالنسبة لحالات الوفاة أو الإصابة أو فقدان العمل ونقصان الدخول، أو احتمالات العودة للعمل بعد السيطرة على الوباء. ومن ناحية أخرى، يحلل الاقتصادي مايكل بنس، الحائز أيضاً جائزة نوبل، في مقال مشترك مع الاقتصادي تشن لونج، عن التباين الحاد بين الولايات الأميركية؛ فمنها ما يتخذ مسار الدول المتقدمة في التعامل مع الوباء احتواءً وسيطرة، ومنها ما يأخذ مساراً أقرب للدول النامية، في معترك الاختيار الذي أوقعت فيه بعض الولايات نفسها بين الحفاظ على الحياة واكتساب ما يحمي مستوى المعيشة. وقد شبها ولاية فلوريدا بدولة نامية من حيث نقصان الإمكانات وفقدان الانضباط. ولكن إنصافاً للدول النامية لا ينبغي التعميم، فمنها من أبلى بلاءً حسناً في التصدي للوباء رغم ضعف الإمكانات؛ كحال فيتنام التي طبقت قول زعيمها التاريخي هو شي منه بأن العاصفة تعطي فرصة كبرى لأشجار السرو والصنوبر لإظهار صلابتها. فها هي فيتنام بمجتمع قوامه 100 مليون بعدد لا يتجاوز 370 إصابة ومن دون حالة وفاة واحدة. هذا، وإن تحمل اقتصادها انخفاضاً في النمو من رقم مقدر بنحو 7 في المائة في بداية العام قبل الجائحة لأقل من 3 في المائة بعدها.
وأرى ثلاثة أمور تظهر جلية خصوصاً بعد خبرة المجتمع الدولي المتباينة في مواجهة أزمة كورونا، التي جاءت كاشفة لمظاهر ومكامن الضعف والقوة في أنظمة الدول ومؤسساتها:
أولاً، أن مقولة «عبء الرجل الأبيض» المزعومة عن التفوق العنصري ظهر من جديد مدى تهافتها؛ وقد ناقش سابقاً لغيره الاقتصادي بيل إيسترلي في كتابه، الذي يحمل العنوان نفسه، مظاهر لما ترتب على إخفاق جهود دول الغرب لمساعدة دول العالم الأخرى وكيف باءت بالفشل. فقد كانت الفكرة فاسدة المنطق منذ بدايتها، ثم أظهرت عقوداً من محاولات تطبيق أهدافها بالاستيطان المباشر مرة وبالتوصيات الخرقاء مرات عدم جدواها. فبالعلم مع إتاحة الفرص المتكافئة يتقدم عموم الناس ويرتقون، لا فرق هناك بين أبيض وأسود أو أصفر وبني إلا في مخيلة عقل عاجز وقلب تعيس، وما رسخته قوانين بآلية وثقافة خرقاء، ومؤسسات عجزت عن ملاحقة العصر.
ثانياً أن توطين التنمية يتجاوز جدل المركزية واللامركزية العقيم إلى رحاب امتلاك أولويات التنمية بالاستثمار في البشر، والبنية الأساسية المساندة للإنتاج، والتنافس بين أقاليم ومدن الدولة، بموازنات مالية داعمة لتحقيق الاستدامة.
ثالثاً، أن التحول الرقمي ليس مجرد أنشطة قطاعية تتناثر هنا وهناك، بل هو عنوان العصر الراهن، والبيانات هي نفطه الجديد، وإجادة علومه المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات ومستحدثات الثورة الصناعية الرابعة يكمن فيها الفارق الفاصل بين التقدم والتخلف؛ تماماً كما فرقت محددات الثورة الصناعية الأولي بين دول سارت إلى طريق الغنى والتقدم.
ويظل التقدم، كالتخلف تماماً، قضية اختيار؛ وفي هذا تفاصيل نستعرضها في مقال قادم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة