أميركا بين إنقاذ البنوك وإنقاذ العاطلين

أميركا بين إنقاذ البنوك وإنقاذ العاطلين

الثلاثاء - 23 ذو القعدة 1441 هـ - 14 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15204]

أقام مركز بيركلي الأميركي للقانون والأعمال حدثه السنوي الخاص بالاحتيال قبل بضعة أسابيع، لكنه كان مجرد حدث افتراضي بالطبع بسبب وباء فيروس كورونا المستجد، وقد كان هناك بند جديد على جدول أعمال الحدث السنوي هذا العام، فإلى جانب الاجتماعات المعتادة المتعلقة بالمبلغين عن الفضائح، وبالبيع المكشوف (بيع ورقة مالية قبل تملكها بهدف شرائها لاحقاً بقيمة أقل)، أضاف المنظمون على الأجندة اجتماعاً بعنوان «الاحتيال وكوفيد - 19».

ويقول أحد المشاركين في الاجتماع «إن هذا الوباء هو بمثابة عاصفة مثالية للاحتيال»، ومَن يمكنه التشكيك في ذلك؟ فقد أنفقت الحكومة الفيدرالية مئات المليارات من الدولارات بشكل سريع في أكبر عملية إنقاذ في تاريخ الولايات المتحدة؛ وذلك للإيفاء بمتطلبات المتلقين لهذه الأموال، حيث قام المصرفيون العاملون من المنزل بتوزيع تلك المليارات على الشركات الصغيرة، كما قامت الجهات المنظمة بتسهيل الإجراءات لمساعدة المؤسسات على تجاوز الأزمة، وكما لاحظ زميلاي تيموثي ل أوبراين ونير قيصر، مؤخراً، فإن «البيت الأبيض قد سهل على المطلعين على الحكومة الأميركية، الحصول على قروض إنقاذ من إدارة الأعمال الصغيرة؛ مما خلق أزمة تضارب مصالح»، وهذا يبدو بالتأكيد بمثابة وصفة مثالية للاحتيال المالي.

ويقول مراقب العملة خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، توماس كاري «إن الأزمة الحالية تشبه ضباب الحرب، فالبنوك تعيد توجيه الموارد إلى المناطق الحرجة فقط، وتتجاهل المخاطر الأخرى التي قد تعيق طريقنا».

وقبل أن يصبح مراقباً للعملة، كان كاري عضواً في مجلس إدارة مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية، ومن خلال هذا المنصب كان كاري شاهداً على الأزمة المالية في 2008 وهي تتكشف، كما كان أحد المنظمين الماليين الذين حاولوا، بشكل محموم، منع النظام المالي الأميركي من الانهيار، وفي نهاية المطاف أعطت الحكومة الأميركية حينها مليارات الدولارات للبنوك الكبرى في صورة قروض إنقاذ وغيرها من أشكال الدعم.

ولكن بمجرد مرور الأزمة، بدأ الكونغرس والمنظمون والصحافة في البحث عن الفضائح التي مرت من دون أن يلاحظها أحد من قبل، مثل إساءة استخدام الرهون العقارية عالية المخاطر من قبل اللاعبين الماليين الكبار، والسلوك الجبان لشركات التصنيف الائتماني، والرغبة في تضليل المستثمرين، وما إلى ذلك، ووفقاً لبنك «كييف، بروييت أند وودز» وهو بوتيك بنك، أي مصرف استثماري غير متكامل الخدمات وصغير الحجم، وغالباً ما يتخصص في جانب واحد على الأقل من الخدمات المصرفية الاستثمارية، ويركز عادة على فئة معينة من السوق، فإنه قد تم تغريم البنوك مبلغ ضخم قدره 243 مليار دولار بسبب أخطائها خلال الأزمة المالية، وقد جاء في المقدمة «بنك أوف أميركا» بغرامات بلغت قيمتها 76.1 مليار دولار.

وصحيح أن هذه الغرامات قد ألحقت بعض الآلام للبنوك، لكنها لم تكن النتيجة الأهم للجرائم المالية التي تم الكشف عنها، فالمشكلة الأكبر كانت هي حالة الاستياء والغضب الهائلة التي كانت موجودة في مساحة واسعة من البلاد، فقد كان الناس على جانبي الانقسام السياسي غاضبين من إنقاذ البنوك الكبيرة، على الرغم من سلوكها السيئ الذي ساعد في خلق الأزمة المالية، وفي الوقت نفسه، فقد الملايين من عملاء البنوك منازلهم بسبب الرهن، كما ساعدت الأزمة المالية وما تلاها في ظهور حركتي «حزب الشاي» و«احتلوا وول ستريت»، فضلاً عن أنها ساعدت على تمهيد الطريق لوصول الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب لمنصبه.

وها نحن على الطريق نفسها مرة أخرى، فنحن في خضم أزمة جديدة مشابهة.

ولم تصدر وزارة الخزانة الأميركية أسماء الشركات التي حصلت على تمويل من أجل برامج حماية الرواتب إلا مؤخراً، وتخيلوا أن أحد المستفيدين من هذا التمويل كان مكتب كاسوفياتز بينسون توريس للمحاماة، والذي كان أحد الشركاء فيه، مارك كاسوفياتز، هو محامي الرئيس ترمب لسنوات، حيث تلقى المكتب ما بين 5 و10 ملايين دولار، وذلك وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية. أما بالنسبة للبنوك، فقد وضعتها إدارة الأعمال الصغيرة في مأزق شديد، حيث أوكلت إليها مسؤولية فحص مئات الآلاف من الشركات التي تسعى للحصول على تمويل برامج حماية المرتبات، وأن يتم ذلك بشكل سريع، لكن في أفضل الظروف، فإنه حتماً سيجد المحتالون طرقهم الخاصة بلا شك لخداع البنوك، وبالفعل قام المدعون باعتقال مجموعة كبيرة ممن قاموا بذلك.

والمشكلة الأكبر هي أنه، كما كان الحال في الأزمة المالية في 2008، لا يركز المنظمون على منع السلوك السيئ، ولكن بدلاً من ذلك، ينصبّ تركيزهم على التأكد من أن البنوك لديها القدرة على الإقراض فقط، حتى لو كان ذلك يعني تسهيل القواعد التي تم وضعها سابقاً لجعل البنوك أكثر أماناً، ففي أواخر شهر مارس (آذار) الماضي، على سبيل المثال، قام بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتسهيل الكثير من إجراءات الإقراض، بما في ذلك أحد الشروط التي تقوم بقياس مخاطر الائتمان للطرف الآخر، وفي أوائل أبريل (نيسان) الماضي قام بتسهيل متطلبات رأس المال.

ويقول المدير التنفيذي السابق لشركة «غولدمان ساكس»، والذي عمل كأول كبير لمستشاري ترمب الاقتصاديين، غاري كوهن «لقد حاول بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يقول للمجتمع المصرفي إنه في ظل الأزمة الحالية، فإننا لا نريد وضع القيود نفسها التي نضعها عليكم في الوضع الطبيعي، ولا نريد أن نعيق قدرتكم على الإقراض للعملاء».

ويضيف كوهن، أن «الأعمال المصرفية ليست أعمالاً من المفترض أن تتم من المنزل، فالبنوك تحتاج إلى عمل الناس معاً بطريقة تعاونية، حيث يجب أن يروا ويسمعوا بعضهم بعضاً»، وهذا ما يطلق عليه بنك الاحتياطي الفيدرالي خط الدفاع الأول: سماع المحادثات، والنظر في العروض التقديمية، والنظر في الطريقة التي يتحدث بها الموظف مع العميل، ولكن هل يمكن مراقبة هذه الأمور في المنزل عندما يجلس موظفو البنوك للعمل من غرف نومهم؟ فلا يوجد أحد هناك لمراقبة عملهم؛ ولذا فإن المصرفيين الذين يعملون بمفردهم من المنزل هم بمثابة وصفة مثالية لإثارة المتاعب.

وعندما ينتهي الوباء، ستكون هناك بالتأكيد تحقيقات في الكونغرس، وفضائح في الصحف، ولجان خاصة، وكلهم سينظرون فيما حدث لتريليونات الدولارات التي أنفقتها الحكومة الفيدرالية لمنع الاقتصاد من الانهيار.

وكبداية، فإنهم سيرغبون في معرفة ما إذا كان المصرفيون قد سرقوا المال من أجل أصدقائهم أم لا، وما إذا كانوا قد أخرجوا أشخاصاً من منازلهم رغم أنهم كانوا مستحقين لمهلة قبل طردهم من المنازل، وما إذا كانت الأموال المخصصة للشركات الصغيرة قد انتهى بها المطاف لمساعدة أي من أعمال الرئيس ترمب التجارية.

وستكون البنوك هي الحلقة الأكثر ضعفاً بشكل خاص؛ وذلك لأنها كانت الفئة الشريرة خلال الأزمة الأخيرة، ويقول مؤسس شركة «ستارلينغ تراست ساينس» وهي شركة لإدارة المخاطر، ستيفن سكوت، إنه «إذا تم اكتشاف سوء سلوك في أحد البنوك الكبرى بعد انتهاء فترة وباء كورونا المستجد فإنه لن يُرحم».

واليوم تبدو الولايات المتحدة أكثر استقطاباً وأكثر غضباً أيضاً مما كانت عليه في 2008، وإذا اتضح أن مليارات الدولارات التي كانت مخصصة لمساعدة الأميركيين العاطلين عن العمل قد انحرف مسارها عن طريق الاحتيال، فإن ذلك سيجعل عواقب الأزمة المالية صعبة وخطيرة للغاية.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة