اغتصاب لوكريتيا

اغتصاب لوكريتيا

الجمعة - 12 ذو القعدة 1441 هـ - 03 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15193]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ

اغتصاب المرأة وهتك عفافها من الموضوعات التي شغلت بال المجتمع منذ قرون في شتى المناطق؛ لا سيما منطقة البحر الأبيض المتوسط. وتعاقب عليه الشرائع كافة في هذه البلدان بأقسى العقوبات. وحتى في المناطق التي انتشرت فيها الإباحية مؤخراً، فإن القوانين ما زالت تنص على معاقبة الجاني بشدة. شغل هذا الموضوع ذهن الأدباء والفنانين الغربيين منذ قرون. وتعود حكاية «اغتصاب لوكريتيا» إلى عصر الرومان، فتروى حكاية امرأة متزوجة؛ لوكريتيا، كانت نائمة في بيتها خارج روما عندما اقتحم حجرة نومها رجل لا تعرفه واغتصبها. وبعد خروجه من بيتها، أخذت تبكي وتشعر بقذارة جسمها ودناسته، فلم تجد مخلصاً من هذا الشعور إلا بقتل نفسها بمدية. هذا الشعور بتدنّس الجسم المغتصب كثيراً ما عبرت عنه النساء المغتصبات بتقزز واستنكار، كما سمعت هنا في لندن.
أصبحت حكاية لوكريتيا عبر القرون الخوالي مصدراً لكثير من الأعمال الأدبية والفنية؛ كان منها أوبرا بفصلين، من تأليف الموسيقار الإنجليزي الكبير بنجامين برتن. قدمها للجمهور، أول مرة، عام 1946 في لندن. لم أشاهد هذه الأوبرا، ولكنني رأيت لوحات الفنان الهولندي الشهير، رمبرانت (من أبناء القرن السابع عشر). العجيب في أمر هذا الفنان أنه رغم قضاء معظم حياته بين الغانيات بعد وفاة زوجته، فإن موضوع اغتصاب المرأة ظل ينتاب ذهنه. وقد رسمه في تخطيطات عدة بالقلم والحبر ولوحات كبيرة عدة بالزيت؛ منها لوحة بعنوان «اغتصاب لوكريتيا»، صور فيها الفتاة الشابة تحمل المدية وتوجهها إلى صدرها حسب الأقصوصة الرومانية والدم القاني ينساب على ثيابها، ومشاعر الاستياء والألم مرسومة على وجهها.
لا أدري لماذا شغل هذا الرسام نفسه بهذا الموضوع، وهو غارق في المجون والإباحية والخلاعة. لا أدري. ربما اعتمد على ما سمعه من الغانيات اللاتي صاحبهن، فذكرن له مشاعر الدنس والقذارة التي تظل تتملك المرأة المغتصبة.
والطريف أن واقعة «اغتصاب لوكريتيا» جرت خلال العهد الروماني في روما؛ بيد أن الشرطة الإيطالية، كما تذكر الصحافة، تتعامل في هذه الأيام بكل تساهل مع الموضوع. وكثيراً ما اشتكت المرأة الإيطالية من سلوك معظم رجال شرطتهم وتعاملهم مع النساء المغتصبات بالضحك والهزؤ، بما أخذ يشجع الشباب على ارتكاب هذه الجريمة الشنيعة، ويهيب بالمرأة الإيطالية أن تتحاشى مراكز الشرطة وتكتم غيظها وتتعايش مع الواقعة بهدوء وكتمان. لا أدري ما إذا كانت هناك محاكم تتعامل أيضاً بمثل هذه اللامبالاة عندما تسوق الشرطة إليها أحد الشباب الجناة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة