خطاب البنك يصل إلى مستشفى الولادة

خطاب البنك يصل إلى مستشفى الولادة

الأحد - 29 شوال 1441 هـ - 21 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15181]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

«من فات قديمه تاه» قول مصري وربما مقابله العملي قيادة سيارة بلا مرآة السائق، لضرورة التطلع في المرآة قبل الانعطاف أو تحويل السير، أو التوقف لمعرفة ما يأتي من الخلف تجنباً لحوادث خطيرة.
تذكرت القول بقراءة تحليل زميلنا الأستاذ عثمان ميرغني «العنصرية ومعركة التماثيل في بريطانيا»، وبعد عشرة أيام من النشر لا تزال الحملة مستمرة لتتجاوز التماثيل، والعنصرية، إلى ما يشبه بداية ثورة ثقافية.
الثورة الثقافية واقعياً هي مرحلة في حرب أهلية بين قوى غير متكافئة. تيار شرس صاعد يهيج الرأي العام ويقوده ويتحول إلى حزب شمولي ديكتاتوري (بلا أي استثناء)، بدعم الجموع الغاضبة، والنتائج إما كارثية بحروب مدمرة، وإما بمستقبل مظلم يغرق المجتمع في الجهل والخرافات ويتبعه ضياع الهوية.
على سبيل الأمثلة لا الحصر، الثورة الثقافية التي أطلقها الحزب الشيوعي الصيني عام 1966 بغرض انفراد الزعيم ماو تسي تونغ (1893 - 1976) بالحكم، لم تنتهِ إلا بوفاته بعد هلاك مليون ونصف المليون صُفّوا جسدياً في المصادمات أو في معسكرات العمل والتعذيب (سميت ندوات التثقيف) ومحو فصول من تاريخ البلد العريق.
صعود الحزب الاشتراكي القومي الألماني بزعامة أدولف هتلر (1889 - 1945) وحملة اتحاد الطلبة الألماني لحرق الكتب «المهينة» للثقافة السائدة في 1933 وانتهت بحرق الإنسان في معسكرات الإبادة، وحرب عالمية راح ضحيتها ما بين 70 و85 مليوناً (ثلاثة في المائة من سكان العالم 1940 - 1945). وما بدأته «القاعدة» و«طالبان» بتدمير الآثار أدت إلى قتل الآلاف في هجمات 11 سبتمبر (أيلول) والتفجيرات في مدن البلدان العربية.
الانسياق وراء عواطف تدمير رموز الماضي وثقافته بتبريرات آيديولوجية أو لرؤية الماضي بعدسة الحاضر فقط بلا مرآة السائق منزلق خطير غالباً ما ينتهي بكوارث إنسانية.
وحتى بلا حروب مباشرة، يؤدي تخريب ثقافة المجتمع إلى تفشي الجهل والقضاء على السلام الاجتماعي، خاصة مع تعدد العرقيات والثقافات، ودائماً فقدان الهوية الوطنية للشعب الذي سيق أو ساق نفسه إلى منزلق الهاوية.
وقد خبرت نماذج عملية في تأثيرها على حياة الناس وضلالهم الطريق جغرافياً. عند عودتي، سنوات بعد خروجي الاضطراري الأول من الاسكندرية، وكانت كوزموبوليتانية لها تركيبتها الثقافية والحضارية الخاصة، سواء كعاصمة الدنيا القديمة لسبعمائة عام (330 ق.م – 433 ب.م) انتقل خلالها العالم من الجهل إلى الحداثة الأولى، أو في مرحلة الحداثة الثانية «للإسكندرية الملكية» (1810 - 1953) كعاصمة فعلية اقتصادية ثقافية لمصر بفضل محمد علي باشا، (1769 - 1849) وأولاده، وكانت، كفينيسيا، «المدينة الدولة».
لم يعرف سائق التاكسي العنوان لجهله «بشارع الأميرة فوزية». وكان الاسم أطلق، في ثلاثينات القرن الماضي، على أطول شارع في سيدي بشر في الرمل، وسميت الرمل لأن المنطقة شرق الاسكندرية كانت كلها رمال. الشوارع كانت بالأرقام لا أسماء (كان بيتنا، فيلا من دورين في شارع رقم 19)؛ وعندما أسست الأميرة فوزية فؤاد (1921 - 2013)، وكانت من أجمل جميلات العصر وصورها على أغلفة المجلات العالمية، ملجأً للأطفال ومستوصفاً لعلاج المحتاجين، طلبت الجمعيات الخيرية وأهالي المنطقة تغيير اسم الشارع رقم 40 وبه مباني الملجأ إلى «الأميرة فوزية».
في ثورة ثقافية أعقبت إعلان الجمهورية (1953)، بادرت مؤسسات كثيرة بتغيير الماضي. «البوستة العمومية» غيرت اسمها إلى «مصلحة البريد القومي»، وأضافت أربعة خطوط متعرجة سوداء على طوابع البريد «لشطب» وجهي الملك فؤاد الأول (1868 - 1936) والملك فارق (1920 - 1965)، البلدية رفعت تماثيل من شيدوا الإسكندرية أو أزالت أسماءهم من لافتات الشوارع والميادين.
اختيار أسماء الشوارع عادة يتبع نظاماً منطقياً كاسم الجهة التي يؤدي إليها، فشارع أبو قير يوصل إلى خليج أبي قير، أو على اسم شخصية قدمت خدمة للمدينة كبناء مستشفى أو مدرسة. تغيير أسماء الطرق المألوفة بلا نظام منطقي أدى إلى اختلاط الأمر على من تعتمد أرزاقهم على معرفة الشوارع؛ ففور أن وصفت المستوصف للسائق فصاح «مستوصف فوزية؟» وانطلق نحوه؛ فالاسم البديل الذي اختارته البلدية للشارع لا علاقة له بالمباني أو تاريخ البلد، وإنما اسم جنرال لجيش أجنبي، لم يقدم شيئاً للإسكندرية ولم تطأ قدمه أرض مصر؛ وربما استهوى الاسم، الذي نسيته الآن، مسؤولاً في البلدية أعجب بالشخصية من السينما.
وبجانب تشوش الخريطة في أذهان السائقين، فالسكندريون يتندرون بحكاية شارع شريف الذي غيرت البلدية اسمه، لتكتشف بعد بضعة أشهر أن محمد شريف باشا (1826 - 1887)، رئيس وزراء مصر ثلاث مرات بين 1879 و1884، كان وطنياً إصلاحياً، فأعادوا إطلاق اسمه، ليس على شارعه الأصلي الذي تغير لاسم شخصية من «الحركة المباركة»، بل على طريق رئيسي «شارع الخديو الأول» فأصبح شارع شريف.
«ما ذنبي إذا كان الخطاب لبنك إيطاليا؟» قال ساعي البريد لإذاعة الإسكندرية في منتصف الخمسينات قبل إدخال نظام الرقم البريدي، وأضاف «لكني سلمت الخطاب متأكداً من العنوان ورقم المبنى على المظروف في شارع شريف الجديد، ما ذنبي أنه مستشفى دار إسماعيل للولادة؟».
الخطورة اليوم في بلد أم الديمقراطيات تبرير أقلية من المؤرخين الرجعيين (revisionists) يحتكرون برامج الإذاعة والتلفزيون، لثورة ثقافية ذات طابع غوغائي تسعى لتدمير الإرث الثقافي وتغيير صفحات التاريخ؛ استغلالاً لوقائع تاريخية حقيقية وهي المعاناة المأساوية للسود قبل إلغاء العبودية.
رواية «1984» المنشورة في 1948 لجورج أورويل (1903 - 1950) تتخيل إنجلترا تحت حكم حزب شمولي ويصف أورويل ثورتها الثقافية، «تستبدل بكل السجلات أخرى مزيفة، وتعيد صياغة كل كتاب، وتعيد رسم كل لوحة، وتعيد تسمية كل شارع، وتستبدل كل التماثيل وتعيد تغيير كل التواريخ؛ وعملية التغيير مستمرة يومياً على مدار أربعٍ وعشرين ساعة. التاريخ توقف، لا يوجد شيء حقيقي، فقط الحاضر المستمر إلى الأبد، والحقيقة هي الحاضر كما يصوره الحزب الحاكم، والحزب دائماً على حق».
تخيل تلميذاً استعد طوال العام لامتحان البكالوريا لدخول الجامعة، ورغم إجاباته الصحيحة عن كل الأسئلة، رسب في الامتحان؛ لأن فصول الكتاب التي يراجع المصححون إجابات الطلاب قياساً بها غيّرها الحزب بين يوم وليلة كي يطابق التاريخ الموقف الرسمي المعلن للرأي العام!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة