عن مسرح الخيال اللبناني!

عن مسرح الخيال اللبناني!

الخميس - 15 شعبان 1441 هـ - 09 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15108]
حنا صالح
كاتب لبناني

فرضت الجائحة على كل المعمورة جدول أعمالٍ محدداً: حماية الحياة، والأمر غاية غايات أي حكم رشيد، وتالياً رصد الإمكانات الكبيرة من أجل الحماية اللاحقة لديمومة العمل والوظائف، وكل ما هو متعلق باليوم التالي الذي سيأتي مع انكفاء الوباء القاتل، إلاّ في لبنان حيث تتتالى «إبداعات» مسرح الخيال السياسي الذي يكشف عن حالة من السوريالية التي تعيشها كل الطبقة السياسية، التي تنتقل في مواقفها من الانهيار الشامل والإفلاس العام مع العجز عن تسديد الديْن وتبديد الودائع المصرفية، إلى انتشار وباء «كوفيد – 19» على أنها مجرد أزمات (...) لا تَحول دون المضيّ في سياسات سابقة، لحمتها وسداها الربط المحكم بين كل القرارات والتدابير ومقتضيات المعركة الرئاسية!
منذ ما قبل تأليف الحكومة الواجهة للجهات الفعلية الممسكة بالقرار اللبناني، «حزب الله» على وجه الخصوص، كانت بارزة معالم المعركة الرئاسية، بين المسترئسين الأساسيين في تحالف الممانعة السوري - الإيراني، جبران باسيل وسليمان فرنجية، وأول من تحدث عن ذلك كان الرئيس اللبناني ميشال عون عندما عدّ صهره باسيل متقدماً في السباق، آخذاً بعين الاعتبار أنه وفق رأيه يحوز تغطية كبرى من «حزب الله». وهنا تندرج أيضاً خطة باسيل في المواجهة مع رياض سلامة حاكم البنك المركزي، وتتراوح بين الرغبة في الإقصاء أو التكبيل، من خلال الإمساك بالمواقع – المفاتيح في القرار المالي. وليس بعيداً عن هذا المنحى ما كان من مواجهة مع قائد الجيش الجنرال جوزف عون، لكنها تراجعت نتيجة الظرف العام من إفلاس ووباء، وتالياً أمام الدور المأمول من قائد الجيش أن يتابع النهوض بأعبائه على رأس المؤسسة العسكرية.
العناوين التي احتلت صدارة العمل الحكومي، ويعدّها الوزير باسيل جسر عبوره إلى القصر الرئاسي بدأت مع المشروع المعلق «الكابيتال كونترول» الذي تم تفصيله على مقاس الكارتل المصرفي والذي أخطر ما فيه أنه يقونن الفساد والنهب الممارَس، إلى محاصصة التعيينات في المواقع المالية، والمضي في نهج الصفقات: سد بسري، وتجميد التشكيلات القضائية المتقدمة التي أقرها بالإجماع مجلس القضاء الأعلى. الملاحَظ أنه ليس بين هذه المشاريع، لا الرؤية المرتجاة للإنقاذ الاقتصادي الاجتماعي، وهذه المهمة الأبرز على عاتق الحكومة التي مضى على نيلها الثقة نحو الشهرين، وبعيداً عن مواقف «اللعي»، ليس بينها أولوية الهم الحياتي اليومي للمواطنين، والأرقام الرسمية تتحدث عن أن نسبة الفقر تجاوزت الـ55% من اللبنانيين نصفهم تحت خط الفقر ممن لا يحصّلون قوتهم اليومي.
مع دخول الولاية الرئاسية ثلثها الأخير، يعاني الوزير المرشح الرئاسي باسيل من ضيق الوقت، وهو أكثر من يعرف أن «الإنجازات» المحققة صفرية رغم هيمنة فريقه على الحكومات، إذ ليس بالإمكان التعويل على إنجازٍ في ملف الكهرباء المثقل بنحو 42 مليار دولار من الديون، رتبتها سياسة تياره المهيمن على وزارة الطاقة منذ نحو 11 سنة من دون انقطاع... كما أن التنقيب عن النفط والغاز في أعماق البحار، لم يعد مجدياً في هذه المرحلة، مع الهبوط الحاد في الأسعار نتيجة الإقفال العالمي والتراجع الكبير في كل الاقتصادات، فصبَّ ضغوطه لفرض التعيينات والمضي في مشروع سد بسري!
قيل الكثير عن خطبة رئيس الحكومة، بعد مناكفات سياسية ووزارية، أظهرت عجز حكومة الطرف الواحد عن الحكم كفريق عملٍ واحد، وصفق الوزراء وامتدح الإعلام نخوة البروفيسور دياب الذي تبين أن ما قام به ليس أكثر من «ضربة سيف في الماء»، معلناً عن سحب بند التعيينات المالية من جدول أعمال مجلس الوزراء، بذريعة أنها تقوم على محاصصة لا تشبهه ولا تشبه الحكومة، وقد بدا لبعض الوقت أن جدول الأعمال تم فرضه، ما يعني أن البلد أمام ظاهرة وجود رئيس حكومة غير معنيّ بما يرد على جدول أعمال مجلس الوزراء، لكن سرعان ما بانت الحقيقة بعد الاستعراض، والمتمثلة برغبات خارجية نبّهت إلى حساسية التعيينات وما هو مقترح لهذه المواقع! وهكذا تم إبقاء القديم على قِدَمه في مصرف لبنان، والأمر ما كان ممكناً لولا التوافق من تحت الطاولة مع «حزب الله»، القادر وفق التوازن الذي هندسه أن يفرض ما يشاء، بدليل رضوخ المصارف لمشيئة الأمين العام للحزب بشأن «الإفراج» عن الودائع والحسابات الصغيرة، ويتابع في الوقت عينه المعركة الكلامية مع الأميركيين من دون المس بالمواقع المحددة لارتباطها الوثيق بالعقوبات الأميركية وفعاليتها!
لم يكن الوزير باسيل الخاسر الأبرز من الإرجاء بعيداً عن القبول بتلك التسوية، لكنه أخذ الحكومة – الواجهة، إلى إقرار مشروعه إقامة سد بسري، التي أقرت بشحطة قلم مراكمة الديون بالاقتراض 625 مليون دولار من البنك الدولي، لسد نهج جشعٍ ومتسلط بديل أن تكون الأولوية سد جوع الناس، وبالتالي تكبيل البلد وتعميق الانهيار رغم أضراره الجيولوجية ومخاطر إقامة سد مائي فوق فالق زلزالي وعدم الأخذ بالاعتبار الرفض الشعبي الواسع لهذا المشروع والفشل الذريع في سياسة السدود التي أرهقت الخزينة وانتفت الجدوى منها!
رفعت ثورة تشرين من ضمن مطالبها بالتغيير السياسي الشامل وقيام مرحلة انتقالية تُفضي إلى إعادة تكوين السلطة، مطلب استقلالية السلطة القضائية، لأن هذه الاستقلالية عنوان محوري في عملية استرداد الدولة المخطوفة، وهو مطلب قوى دولية داعمة للبنان ترى في استقلالية القضاء شفافية لا غنى عنها وعنصر استعادة ثقة بلبنان. اللافت أن مجلس القضاء لأول مرة منذ عقود وضع بالإجماع تشكيلات قضائية متقدمة نسبياً يمكن أن توفر مظلة للقضاة بوجه المداخلات السياسية. هذه التشكيلات حُجزت لدى وزيرة العدل، ويتردد في العلن أن رئيس البلاد لن يوقّعها لأن رئيس السلطة القضائية لم يتشاور معه فيها (...) الأمر الذي يقول بالفم الملآن إن من هم في موقع القرار متمسكون بنهج التطويع، وهو أمر سبق للرئيسة القاضية حياة عاكوم، أن تحدثت عنه ونبهت إلى مخاطر تسخير القانون والمؤسسات في خدمة الطبقة السياسية وتغطية لمصالحها!
كل ما يجري في بلد الأرز يتجاهل المنطق ويتحدى الأولويات الحياتية وكيفية حشد الجهود لمواجهة الوباء المميت، ويدرك أوسع الأوساط أنه بعد الخروج من الحجر الصحي سيجد الناس بلداً منتهياً، اقتصاده متآكل، مؤسساته مفلسة، والبطالة واسعة جداً وأكثرية جائعة، وأبواب الهجرة موصودة لأن التعثر الاقتصادي عالمي، ما يعني أن مؤشرات رفض فرض وقائع حكومية ستتسع، وبالتالي تخطئ الحكومة ومن هم خلفها إذا ما استمر اللجوء إلى إجراءات ذات طابع بوليسي تنطلق من أن صفحة الثورة قد طُويت!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة