الخليج... اليوم التالي

الخليج... اليوم التالي

السبت - 10 شعبان 1441 هـ - 04 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15103]
محمد الرميحي
مؤلّف وباحث وأستاذ في علم الاجتماع بجامعة الكويت.

الافتراض أن تخرج دول مجلس التعاون بأقل «الأضرار» النسبية من هذه الكارثة الصحية التي تجتاح العالم. هذا الافتراض مبني على أسلوب التعامل حتى الآن، فقد استجابت الحكومات في الخليج بشكل متميز للتحدي، فقامت بإجراءات احترازية وتصاعدية لاحتواء الأضرار وتنظيم معيشة المواطنين والمقيمين. هذا يعني أن تبادر هذه المجموعة من الدول، التي يحتضنها مجلس التعاون، إلى التفكير في «اليوم التالي»، ومراجعة دروس ما كشفته هذه الجائحة من مخاطر، وصولاً إلى التخطيط الأفضل لمواجه التحديات المقبلة، وهي ليست هينة. وهنا أضع ما يمكن أن يسمى بالأولويات الاجتماعية والسياسية المحتملة كما أراها؛ وتتلخص في 5 مؤشرات...
أولاً؛ الوضع الصحي والمؤسسات الصحية. لقد تم استثمار كثير من المال والجهد في المؤسسات الصحية الخليجية منذ فترة، إلا أن هذا القطاع يحتاج إلى إعادة زيارة في اليوم التالي، فهناك ملايين من الأموال تصرف كل عام من دول خليجية (بدرجات متفاوتة) على العلاج بالخارج، الأزمة كشفت كم هو متين البناء الصحي نسبياً عما هو في دول أخرى من حيث الاستقبال الكمي للمرضى والعناية بهم، مع الاعتراف بأن عدد السكان وطريقة عيشهم في مدن الغرب تختلف عما هو في المدن الخليجية، لذلك فإن المقارنة يحب أن تحسب حساب النسبية، ومع ذلك فإن الاقتراح أن تعمل دول الخليج في المستقبل على توزيع التخصصات الطبية فيما بينها مع تكاملها، استيعاباً لكل الأموال المصروفة في الخارج من جهة، وتمكيناً للجهاز الطبي الوطني من التطور. لقد عملت بعض دول الخليج على ترخيص العمل التجاري للمستشفيات الخاصة أو جلب بعض المؤسسات الطبية العالمية، الآن تلك المؤسسات تعمل في الغالب على أساس تجاري، بل ضيقة الاستيعاب، وهي قد تساعد، لكنها ليست البديل الصحيح.
إذن فلسفة وممارسة العمل الطبي يتوجب النظر فيها من جديد، إضافة إلى استنهاض التعليم الطبي في مجالاته المختلفة، من الأطباء إلى المعاونين الفنين والممرضين، ذلك جهد لا يأتي تلقائياً، بل يحتاج إلى تعاون وتخطيط، وأيضاً حوافز.
كثير من المؤسسات الطبية في الخليج تعتمد على يد عاملة من الخارج، خاصة الفنية والمساعدة، ليس في ذلك من ضير، إلا أن الفروق الثقافية في بعض الأوقات تضع عقبات أمام سهولة ويسر الانسياب الخدمي الصحي، كما أن هذه الكوادر لن تكون متوفرة في المستقبل، بسبب الطلب عليها في أوطانها.
ثانياً؛ رغم حساسية الموضوع، فإن قضية «تعديل التركيبة السكانية» قد تمت مناقشتها في عشرات اللقاءات والندوات والدراسات والمشورات، على الأقل في نصف القرن الماضي، إلا أن المجتمع الخليجي بسبب طبيعة التنمية الاقتصادية التي تبناها ظلّ «يعترف بالمشكلة، ولا يطبق سياسات لتغيرها»، سياسات طويلة أو متوسطة المدى لتعديل جزء من التركيبة السكانية على الأقل.
في «اليوم التالي» مطلوب التفكير في هذا الموضوع بجدية، فقط المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة بدأت بتفعيل تدريجي لمسألة التركيبة السكانية. ما كشفه الوباء من مخاطر على المجتمعات في الخليج، من تعدد الأجناس واختلاف ثقافاتهم وطريقة عملهم ومعيشتهم، سهّل انتشار العدوى، فبعض تلك الجماعات تعيش «متكدسة» في منازل ضيقة وفي أحياء عشوائية من جهة، وبعضهم لا يعرف، حتى لا يعترف بضرورة الوقاية الصحية، لقد نقلوا ثقافة الاتكال من مجتمعاتهم.
تعديل التركيبة السكانية ليس مطالبةً بالانغلاق، فعالم اليوم لا يسمح بذلك، لكن الحديث هنا عن سوية القادمين إلى العمل، وطريقة عيشهم، وتحديد شروط صحية لسكنهم، ومدى قدرتهم على التعامل مع المتغيرات عن وعي.
في الوقت نفسه، أثبت انتشار الوباء أن مجتمعات الخليج يمكن أن تقدم كثيراً من الخدمات «عن بعد» كما حدث بالفعل، لكن هذه الجانب يحتاج إلى تدريب، وبالتالي الاستغناء عن بعض الخدمات التي تقدمها تلك العمالة غير الماهرة أو شبه الماهرة، كما أن تدريب المواطنين ورفع كفاءتهم في الأعمال المساعدة، من خلال سياسةٍ تضمن الحد الأدنى للمعيشة والسكن والتعليم، قد يساعد في إدخال عدد معقول من المواطنين في تلك الأعمال، وبالتالي تعديل ممكن في التركيبة السكانية.
ثالثاً؛ البحث العلمي والتراكم المعرفي. أظهر الوباء الحاجة الماسة لمؤسسات البحث العلمي «في قطاعات العلوم البحتة والتطبيقية والاجتماعية»، فما يُصرف في معظم دول الخليج على قطاع البحث والتطوير هو أقل كثيراً من المطلوب. الإمارات والسعودية مؤخراً سنّتا بضعة قوانين لتوطين «أهل الخبرة والعلماء». ذلك توجه صحيح، كما فعلت دول خليجية أخرى، من دون إعلان صريح أو سياسة عامة، إلا أن المطلوب بجانب ذلك بناء مؤسسات بحثية متخصصة، فإنتاج سياسة عامة فعالة تحقق الأهداف المرجوة يعتمد أولاً على جودة المعلومات التي يمتلكها صاحب القرار، فأول ما يضعف الهيكل التنفيذي في أي مجتمع، هو مدى توفر وتنظيم المعلومات وجودتها وملاصقتها للحقيقة، بدون مجاملة أو مجادلة.
رابعاً؛ الاستثمار في التعليم. على الرغم من الميزانيات «الهائلة» التي تصرف على التعليم في مجمل دول الخليج، والتي أنتجت (من حيث الكم) عدداً كبيراً من المتعلمين، فإن الوقت قد حان لإعادة زيارة إلى ملف التعليم بشكل عام، من حيث الجودة. لقد ظهر أن نقص المناعة المعرفية والعوار في منهجية معالجة القضايا العامة لدى الأفراد هو الأكثر ضرراً في القضايا الاجتماعية، وخصوصاً الصحية، ما ساهم في خلق رأي عام «مشوش» نتيجة نقص في منهجية التفكير والمسؤولية الاجتماعية التي لم يتعلمها كثيرون في المدارس، فبدأ بعض بما أوتوا من معرفة ضئيلة (أبو العريف) يفتون في علوم الصحة، وآخرون يفتون في شؤون الدين، ويتبع ذلك من يفتي في السياسة، وسهلت وسائل التواصل الاجتماعي والبقاء في المنازل «إشاعة الجهل والتضليل»، كل هؤلاء في الغالب «متعلمون». هنا تبرز المفارقة في مناهج التعليم في منطقتنا، والتي يتردد البعض بالمسّ بها، والتي تحتاج إلى إعادة نظر جدية وحاسمة، عمادها الأساس المعلم الذي يتوجب أن يُنتقى ويُدرب كما يدرب أفضل مهني يحتاجه المجتمع، ليدرب الطلاب على التفكير العقلي لا النقلي! لقد ابتلي تعليمنا بالتعليم التجاري والسطحي والشهادات المزورة إلى حد «الجائحة التعليمية»، وقد أصبح لزاماً على الجميع أن يضعوا هذا الملف في يد المختصين، من أجل تصميم سياسات تعليمية ناجزة ومعاصرة.
خامساً؛ لا جدال أن الخلاف السياسي الخليجي - الخليجي أصبح أكثر تكلفة لكل الأطراف من الناحية الاستراتيجية، وقد تنجز هذه الجائحة أشكالاً مختلفة من التنظيمات في عالم المستقبل، وقد تتكون تجمعات دولية جديدة تحافظ وتدافع عن مصالحها، الأمر الذي يضع كل الملفات الخليجية الآن قيد الدرس والتقصي وإعادة النظر. من هنا فإن الدعوة إلى التفكير من جديد في مقولة إن «الكل أكبر من مجموع أجزائه»، وهي مقولة صحيحة في السياسة، وفي غيرها من النشاطات الإنسانية.
أفكار ومقولات التراث الماضي الإحيائي لم تعد قابلة للتسويق، بل هي خطر على النفس وعلى المجتمع، كما أن البقاء في عالم الغد يحتاج إلى تكاتف، يبحث عن الإيجابي المشترك، ويبعد عن السلبي الخلافي المستهلك للموارد والطاقات.
تلك ملفات، إن لم تدخل حجرات التفكير الآن في دول الخليج، فإن الوقت سوف يسبقنا!!
آخر الكلام:
أثبت تاريخ البشر مقولة؛ إن أردت أن تربح الحرب (أي حرب)، فعليك أن تبني تحالفاً منسجماً، وإن أردت أن تخسرها فادخلها وحدك!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة