مداعبةٌ أم سِبابٌ؟

مداعبةٌ أم سِبابٌ؟

الأحد - 13 رجب 1441 هـ - 08 مارس 2020 مـ رقم العدد [15076]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

عنون محمد حسن عواد أولى مقالات كتابه «خواطر مصرّحة» بعنوان لا ينطبق على مضمونها. فعنوان المقالة كان «مداعبة مع العلماء»، مع أن المقالة لا تقوم في بنائها على المداعبة أو أن المداعبة كانت تتخلل بعض فقراتها. فهو في هذه المقالة كان جاداً كلَّ الجد في الحط من شأن علم علماء الحجاز والإسراف تسفيه في عقولهم.
ولقد بلغ الذروة في هذا، قوله - وهو يخاطبهم: «أنتم - إلا القليل - أيها العلماء في الحجاز! بلداء الأفكار سخفاء العقول قاصرون في الأفهام، وإذا عددتم هذه الصراحة مني سوءَ أدب فأنتم حمقى جاهلون بنفوسكم غير عارفين لمقاديركم. وسطوع الأدلة على ذلك أكبر مصدق لي».
فهل هذا القول مداعبة ظريفة أم هو سباب مقذع؟!
وفي ظني أن الذي دفعه إلى أن يصنف مقالتَه القدحيةَ والهجائية هذه على أنَّها مداعبة، هو أنه في الفقرة الثالثة منها والتي رأى فيها أن إطلاق كلمة عالم على أحدهم تسامحاً كبيراً في الاستعمال، وأن كلمة عالم كبيرة عليهم، قد قال: «لا تستعجلوا ولا تهيئوا لمحسوبكم الأشوان والعكاكيز. إن مساويككم المباركة كافية للضرب إذا لزم الأمر ولكن لا. اصبروا اصبروا قليلاً: فسأفصل لكم بعض الحقيقة إذا لم يكن كلها». فعدّ قوله هذا ضرباً من المداعبة، رغم أنه في السياق الذي ورد فيه لا يعد مداعبة. فهو كمن يضربك بعصا غليظة أو بعكاز. ويحسب أنه يداعبك ويمازحك.
بعد الكلام الذي أقذع فيه في سب علماء الحجاز، قال مفاضلاً: «أما العلماء في الغرب - وما أدراك ما علماء الغرب! - عقول باحثة، وأفكار متدفقة، واحتياط في نقل الحقائق وفهمها، وضبط لمسائل العلوم وإتقان في تأديتها، إلى آخر ما هنالك من الآثار النافعة».
وليس واضحاً من هم المقصودون بالمفاضلة مع علماء الحجاز: هل هم علماء العلوم الطبيعية في الغرب أم هم علماء العلوم الإنسانية فيه أم هما معاً؟
ففي عصر النهضة العربي، ابتداء من الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كانت المفاضلة بين العلوم الطبيعية وبين العلوم الدينية، وكذلك الجدل حول التناقض والتوافق ما بينهما، قضيتان مطروحتان عند مثقفيه من المسلمين والمسيحيين، الدينيين والعلمانيين، والعلمانيين المتدينين والعلمانيين غير المتدينين، وكانوا ينقسمون في هذا إلى أكثر من تيار.
محمد حسن عواد كتب مقالته «مداعبة مع العلماء» بوحي من نقاش المفاضلة في ذلك العصر، لكن ليس بين العلوم الطبيعية والعلوم الدينية، وليس بعبارة أوسع بين العلوم الغربية الحديثة وبين العلوم الإسلامية بعبارة أخص، وإنما بين علماء الدين في الحجاز وبين علماء الغرب. وغرضه من هذه المفاضلة الإيحاء بأن علماء الغرب هم الأجدر والأحق بتسميتهم علماء من علماء الدين في الحجاز.
مشكلة مقالة محمد حسن عواد «مداعبة العلماء» أنه لا يزودك بمعلومة عن موقف علماء الحجاز من العلوم الغربية الحديثة، رغم أنها تنطلق من جانب يسير من جوانب نقاش المفاضلة بين العلوم الطبيعية والعلوم الدينية في عصر في ذلك العصر.
ومع أنه لم يزودنا بتلك المعلومة إلا أنه من السهل علينا أن نعرف أن موقفهم لن يكون أحسن حالاً من موقف كثرة كاثرة من الأزاهرة في ذلك العصر، الذين كانوا يرون أن العلم حصراً هو العلم الديني، وكانوا يعادون العلوم الغربية الحديثة في بلد خاض في توجيه من حاكمه محمد علي باشا تجربة إنشاء المعاهد والكليات المعنية بتدريس العلوم الحديثة منذ عشرينيات القرن التاسع عشر وأول ثلاثينياته.
في حفل تكريم المؤرخ والبلداني عبد القدوس الأنصاري الذي هو مجايل للأديب محمد حسن عواد، في اثنينية عبد المقصود خوجة بتاريخ 8 – 11 - 1982، روى كيف تعرف على الأدب العربي الحديث، فقال: «عندما برزت فكرة الأدب الحديث في العالم العربي، كنت والسيد علي مدني والسيد علي حافظ نشتري بعض الجرائد والمجلات التي تصل إلى المملكة من مصر مرتين في الشهر على الجِمَال، من يوسف خلاوي... وكان يأتينا بهذه الجرائد والمجلات لنأخذها ونقرؤها سراً بيننا وبين أنفسنا خفية، حيث لا يعلم بها أحد، لأننا نعرف أنه لو علم أساتذتنا الكبار بقراءتنا لهذه المجلات والجرائد، لا تهمونا أننا أصبحنا (فرمسونية). والفرمسوني معناه المنحرف عن الإسلام».
هذه الحكاية التي رواها عبد القدوس الأنصاري تشير إلى قدر قتامة الجو الثقافي ومدى ضيق الأفق الفكري عند أساتذتهم الكبار الذين كانوا من علماء الدين ورجاله إلى الحد الذي يحظرون فيه قراءة الجرائد والمجلات حظراً دينياً.
وإذا كان عبد القدوس الأنصاري وصاحبيه يقرأون الجرائد والمجلات سرّاً كيلا يتهمهم أساتذتهم الكبار بـ«الفرمسونية»، فإن محمد حسن عواد كان لا يخشى هذه التهمة، فهو في شذرة من شذرات مقالته «من سلسلة أفكاري أو المراسلات»، قال ساخراً من مجتمعه: ألطف لقب يحوزه الناقد الحر في هذه البلاد كلمة «فرمسوني».
والفرمسوني في مطلع القرن الماضي في الحجاز - كما نستخلص من هذه الحكاية - كان هو الذي يقرأ الثقافة الحديثة بواسطة الجرائد والمجلات! والذي كان يفكر من خلالها والذي يستهويه بعض جوانبها!
«فرمسون»، اسم فرنسي مركب، معناه ألباني الحر. وهذا الاصطلاح هو الذي عُرّب في لغتنا إلى الماسوني والماسونية. وكانت كلمة فرمسوني، وكلمة فرمسونية في المؤلفات الماسونية الأولى وفي بواكير المؤلفات المناهضة للماسونية تستخدمان جنباً إلى جنب مع كلمتي ماسوني وماسونية.
وقبل الحجاز في ذلك الوقت كان النعت بـ«الفرمسوني» في لبنان عند مسيحيه شتيمة دينية وشتيمة أخلاقية، وذلك قبل أن يبدأ الأب لويس شيخو حربه الدينية المسيحية على الماسونية من سنة 1901 إلى سنة 1911 في مجلة «المشرق». وكذلك كان الأمر في بقية بلدان المشرق العربي، فعند التشاتم والتلاعن قد تستخدم عبارة يا فرمسوني، أو يا ابن الفرمسوني.
لذا فإني أميل إلى أن استعمال كلمة «فرمسوني» في عهد جيل شبان الأدب في الحجاز الذين غدو فيما بعد رواداً للأدب في السعودية، بمعنى مشوش وخاطئ، تحدّر إلى الحجاز من بلدان المشرق العربي، ولم يأت إليها من مصر. لأن الماسونية في مصر في القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن الماضي كان لها معنى إيجابي. وكان المنتمون إليها يحتلون مقاماً رفيعاً في المجتمع وقد كانوا من صفوة المجتمع.
بعد أن تعرفنا على طبيعة المناخ الديني السائد في الحجاز بفضل المعلومة التي وفرها لنا عبد القدوس الأنصاري، يسعنا أن نقرر أن مفاضلة محمد حسن عواد بين علماء الدين في الحجاز وبين علماء الغرب، كانت قفزة غير سائغة وغير مستساغة. فالسائغ والمستستاغ كان أن يفاضل بينهم وبين بعض علماء الدين والمفكرين الإسلاميين الإصلاحيين في مصر وفي بلدان الشام والهند، لتكون المفاضلة ذات فائدة ومفهومه.
وهذه المفاضلة على هذا النحو تتوافق وتتلاءم مع نصيحته لهم في خاتمة مقالته بأن يدرسوا كتابي الإمام محمد عبده: «الإسلام والنصرانية» و«الإسلام والرد على منتقديه» وكتاب محمد فريد وجدي «الإسلام والمدنية». وكما تذكرون - كما نقلنا عنه في مقال سابق - فإنه ضم إلى هذه الكتب الثلاثة، كتباً ثلاثة أخرى نصحهم أيضاً بدراستها، وهي: «زاد المعاد» للإمام ابن القيم، و«المدخل» لابن الحاج، و«الأم» للشافعي.
اختياره للكتب الإسلامية الثلاثة الأولى الحديثة المراد منه مفهوم، وهو أنه يريد لعلماء الدين في الحجاز أن يكونوا مواكبين لعصرهم. فالكتاب الأول هو رد محمد عبده على مقالات فرح أنطون ذي الاتجاه العلمي العلماني الليبرالي. والكتاب الثاني هو رد محمد عبده على مقالات وزير الخارجية الفرنسي هانوتو. والكتاب الثالث هو رد محمد فريد وجدي على أقاويل الغربيين عن الإسلام. وأراد لهم أيضاً، اكتساب قدرة جدالية كلامية حديثة بالانكباب على دراستها.
واختياره للكتب الدينية الثلاثة الأخرى القديمة قد لا يكون واضحاً للقارئ المكتفي بالثقافة الحديثة سببه، وما الرابط بينهما وبين الكتب الثلاثة الأولى. وسأوضح ذلك.
كتاب الحنبلي ابن قيم الجوزية «زاد المعاد» كتاب يحث على التمسك بالكتاب والسنة. وفيه آراء مهمة منقولة عن الحنبلي أبي الوفاء بن عقيل، تتناول عدة مقولات منها: «حيثما تكون المصلحة فثم شرع الله». وفيه آراء مهمة في أصول الفقه.
وكتاب المالكي ابن الحجاج «المدخل»، فيه رد على البدع التي استحدثت والتي وقع فيها حتى العلماء. وفيه نفس الحنبليين أبي الوفاء بن عقيل ونجم الدين الطوفي في ذم التعصب المذهبي وتغليب جانب العقل على النص. وشيء من نفس الحنبلي ابن تيمية في أصول الفقه. وفيه رد على التعصب للمتون الفقهية.
وكتاب «الأم» للإمام الشافعي نصحهم بقراءته لأنه كان كتاباً غير مقروء عند متأخري الشافعية الذين جاءوا بعد الإمام أبو القاسم الرافعي القزويني (555هـ - 623هـ) والإمام يحيى بن شرف النووي (631ه - 676ه) وكان السائد في تدريس المذاهب الإسلامية في العالم العربي وفي العالم الإسلامي في العصور المتأخرة تدريسها اعتماداً على كتب المتون الفقهية لكل مذهب. فالكتاب المعتمد في تدريس مذهب الإمام الشافعي مثلاً عند متأخري الشافعية هو (متن الزُبَد) للإمام أحمد بن رسلان (373هـ - 844). وعيب كتب المتون أنها تقدم المتن من غير دليل وحجاج وخلاف.
الرابط بين الكتب الثلاثة الأولى والكتب الثلاثة الأخرى، أنها ضد الإسلام البدعي وضد التقليد المذهبي الفقهي.
الإمام محمد عبده ومحمد فريد وجدي كانا ضد الإسلام البدعي لعقلانيتهما، ولأنهما لمسا أن بعض الغربيين في زمنهما، زمن الاستعمار الغربي، كانوا ينالون من الإسلام بالاتكاء على البدع المنتشرة بين المسلمين، فكانا يريان أن البدع تشوه صورة الإسلام وأن أعداءه ينفذون إلى الطعن فيه بواسطتها. أما بعض الأقدمين فإنهم كانوا يناهضون البدع لأنها تخالف أصل الدين وصحيحه، ولأنه وردت نصوص في ذم البدع.
في الطبعة الثانية من كتاب «خواطر مصرحة»، طبعة عام 1961. أضاف إلى الكتب الدينية السابقة التي نصح علماء الحجاز بدراستها كتباً أخرى. ولم يضف إلى كتابي الإمام محمد عبده وكتاب محمد فريد وجدي أي كتاب من كتب المدرسة الإسلامية الإصلاحية.
الكتب الدينية التي أضافها كتابا ابن تيمية «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»، و«اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم» وكتاب ابن حزم الظاهري «الرد على ابن النغريلة اليهودي ورسائل أخرى» وكتاب آخر لابن قيم الجوزية، وهو كتاب «أعلام الموقعين» وختم هذه الإضافات - كما عبر الدارس والناقد حسين بافقيه - بصرخة في علماء عصره، وهي قوله: «أحسوا بابن عبد الوهاب». وقد توقف حسين بافقيه عند جملته هذه لمعرفة سبب إضافتها.
الكتاب الأول هو كما قال عنه مؤلفه ابن تيمية: أنه رد على كتاب ورد من قبرص، فيه الاحتجاج لدين النصارى بما يحتج به علماء دينهم وفضلاء ملتهم، قديماً وحديثاً، من الحجج السمعية والعقلية. والكتاب الثاني موضوعه وجوب مخالفة غير المسلمين في شعائرهم وأعيادهم وسائر تقاليدهم، وموضوع هذا الكتاب يتناقض مع ما دعا محمد حسن عواد إليه في بعض مقالات كتابه من اتباع لبعض تقاليد الغرب في الاجتماع والتربية والسياسة. الكتاب الثالث موضوعه الرد على إلقاء ابن النغريلة شبهات حول كلام الله في القرآن، وإثبات التحريف والتناقض والتبديل على التوراة. وقد تعرف محمد حسن على هذا الكتاب بعد إخراج إحسان عباس نسخة محققه منه عام 1960. والكتاب الرابع موضوعه سيرة النبي محمد، وفي جانب منه تضمن التغليظ على البدع. وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة