إيمانٌ مَشُوبٌ بقلقٍ وشك

إيمانٌ مَشُوبٌ بقلقٍ وشك

الأحد - 21 جمادى الآخرة 1441 هـ - 16 فبراير 2020 مـ رقم العدد [15055]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

السبب الثاني الذي يجعلني أتفق مع ما قاله الناقد والدارس حسين بافقيه في عام 2012 من أن محمد حسن عواد يقصد بمقالته «مداعبة مع العلماء» في كتابه «خواطر مصرحة» رجال الطرق الصوفية لا علماء الحرم المكي، ويجعلني لا أتَّفق مع ما قاله صاحب الشأن محمد حسن عواد في المقابلة النادرة التي أجراها معه الكاتب والمثقف محمد رضا نصر الله في 1979، من أنه كان يقصد بها علماء الحجاز بالذات، أن التبغ والنشوق –كما قال حسين بافقيه– أولع بهما طوائف من المتصوفة. وكذلك الزيّ، العمائم العظيمة والقلنسوات الخيزرانية، كأني فهمت منه أنه يومئ إلى أنها ليست زي علماء الحرم المكي على وجه الدقة، وإنما هي زي رجال الطرق الصوفية.
تقول الدكتورة آمال رمضان عبد الحميد صديق في كتابها «الحياة العلمية في مكة المكرمة 1115 – 1334هـ / 1703 – 1916م»: «وأما لباس العلماء وخطباء المسجد الحرام، وأئمته فلا يختلف عن المألوف، والعمامة لها لفة مخصوصة تميز العلماء من غيرهم، وعموماً كانت ملابسهم تميل إلى الألوان الفاتحة خصوصاً اللون الأبيض».
المستفاد مما ذكرته الدكتورة آمال ومما أومأ إليه حسين أن عمامة علماء مكة حجمها صغير. وبما يخص القلنسوة أو الطاقية فإنني لم أستبن هل يضعون العمامة عليها أم يضعونها مباشرة على الرأس. وإن كانوا يضعونها على القلنسوة ما نوع القلنسوة، وهل هي قلنسوة غير خيزرانية؟
السبب الثالث، يتهم محمد حسن عواد علماء الدين بأنهم لا يعرفون كيف يستعملون علم الدين، متصرفين فيه بقوة فكره، مستخدمين أدمغتهم في الفهم والاستنتاج، وإنما هم يعتمدون على فهم أشياخهم، وقد تجيء هذه عقيمة خاطئة. وقد تكون عارية عن الحقيقة بالكلية، ويذكر مثالين لذلك.
المثال الأول: «إذا وجهنا سؤالاً بسيطاً إلى حضراتكم عن فائدة الصيام وسبب مشروعيته في الدين الإسلامي مثلاً، فلا أظنكم إلا قائلين أمر تعبدي لحكمة لا يعلمها إلا الله. وبهذا تكذبون على الله وتعطلون روح الشرع الإسلامي من حيث لا تشعرون. ولكم العذر نوعاً من ذلك لأن هذا هو نفس الجواب الذي سمعتموه من أشياخكم وأساتذتكم في الدين».
المثال الثاني: «وأسخف من هذا الجواب ما سمعته من بعضكم وهو جواب يُضحك الثكلى، فاسمعوا. اسمعوا وعوا. وإذا وعيتم هذا الجواب فانتفعوا.... قال الشيخ –غفر الله له وأدام به النفع: إن فائدة الصيام هي أن الملائكة الذي يحملون العرش ثمانية، والصحابة المبشرين بالجنة عشرة والملائكة المرأسين عشرة فالجملة ثمانية وعشرون وقد فرض الله علينا صوم ثلاثين يوماً لنحوز فضل هؤلاء بمطابقة العدد. وقد أكرمنا الله بزيادة يومين لتكملة العدد».
ثم يعلق على هذا المثال، قائلاً: «إن مصيبة هذا الجواب من جهتين: أولاً، لسخافة هذه الفكرة. وثانياً، عدم إصابة القصد. فقد سألت الشيخ عن حكمة مشروعية الصيام فأجاب عن حكمة عدد أيام الصوم كمن يسأل: مَن أبوك؟ فيجيب: أنا ابن أخت شعيب».
في المثالين اللذين أوردهما محمد حسن عواد كان ينعى –إذا ما أخذنا بظاهر كلامه– على المشتغلين بعلوم الدين من المسلمين بصورة عامة، وعلى علماء الحجاز بصورة خاصة أنهم لا يفهمون الإسلام –عبادات ومعاملات ومجادلات– على نحو عصري جديد، كما تفعل ذلك المدرسة الإسلامية الإصلاحية. ونلمس ذلك بوضوح في خاتمة مقاله «مداعبة مع العلماء»، إذ نصح علماء الحجاز أن يدرسوا كتابَي: «الإسلام والنصرانية» و«الإسلام والرد على منتقديه» للإمام محمد عبده –وهو من مؤسسي تلك المدرسة– وكتاب «الإسلام والمدنية الحديثة» للأستاذ محد فريد وجدي –وهو من أبناء تلك المدرسة– قبل أن يعلّموا الناس، وقبل أن يؤلّفوا كتبهم النحوية والصرفية والفقهية والمنطقية. ونصحهم بأن يدرسوا من كتب الأقدمين: كتاب «زاد المعاد» للإمام ابن القيم، وكتاب «المدخل» لابن الحاج، وكتاب «الأم» للإمام الشافعي.
الجواب الثاني الذي عدّه أسخف من الجواب الأول، لا يقول به علماء الدين الرسميون وإنما يقول به غلاة المتصوفة وسواهم ممن أُولعوا بالتفسير العددي للعبادات في الإسلام، ولآي القرآن الكريم. وهذا اتجاه عرفاني غنوصي انبثّ في بعض تيارات الإسلام في العصر الوسيط.
ولنلحظ أنه في هذا الجواب قد روى واقعة هو شهدها، فلقد سمعه من بعضهم. أما الجواب الأول، فهو لم يروِ فيه واقعة حصلت له، وإنما خمّن أنه سيكون جوابهم. وهو أن الصيام أمر تعبدي لحكمة لا يعلمها إلا الله.
هذا الجواب الذي افترضه، جواب عام يقول به علماء الدين الرسميون عن بعض العبادات، أو لماذا أتت هذه العبادة أو تلك بهذه الكيفية أو بذلك العدد لكن ليس منها الصوم. لكنهم يعلمون أن الأصل في العبادات والغاية منها هي تحقيق لمقتضيات العبودية لله ومستلزماتها.
وإذا كان أصحاب هذا الجواب هم علماء الحجاز، فهم لن يجهلوا الحكمة من الصيام، لأنه منصوص عليها في آية فرض الصيام «يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون».
فالحكمة من الصيام –كما في نص هذه الآية– تحقُّق وحصول التقوى عند المسلم. ولن يجهلوا الحكمة منه أيضاً، وقد أجاب عنها بعض الفقهاء الأقدمين بما يمكن تلخيصه بهذه العبارة: إنه جُنّة ووجاء من ارتكاب المعاصي، وإنه يضيّق مجاري الشيطان في الإنسان.
فمعرفة ما نصت عليه آية فرض الصيام وما قاله بعض الفقهاء الأقدمين في هذا الشأن، لا يحتاج منهم إلى دراسة كتابَي محمد عبده وكتاب محمد فريد وجدي الذي عنوانه على وجه الدقة «المدنية والإسلام» وليس «الإسلام والمدنية الحديثة»، ولا إلى دراسة كتب الأقدمين التي خصّها بالذكر. ولا يحتاج منهم إلى إعمال «أفكارهم» و«عقولهم» التي تسائل مستهزئاً بها: أين أفكاركم وعقولكم؟ أليست موجودة في رؤوسكم؟ لماذا خُلقت رؤوسكم؟
فالجواب عن حكمة الصوم جواب اتّباعي تقليدي وليس جواباً يعتمد على إنشاء إسلامي محدث وجديد.
هذه هي الأسباب التي جعلتني أتفق مع ما قاله الناقد والدارس، وتجعلني لا أتفق مع ما قاله صاحب الشأن. لكن إيماني بما ذهب إليه حسين –أصار- حكم يشوبه بعض القلق والشك، فمحمد حسن عواد قال في مقالته «مداعبة مع العلماء»: «يؤلف بعض علمائنا كتاباً في النحو أو في الصرف أو في المنطق أو في الفقه أو في العقائد»، وقال أيضاً: «قبل أن تؤلّفوا كتبكم النحوية والصرفية والفقهية والمنطقية إلخ»، لهذا فإني أسأله: هل لرجال الطرق الصوفية كتب في هذه المجالات؟
وهل يوجد في علماء الحجاز من هم من رجال الطرق الصوفية، يشاركونهم في وضع العمائم العظيمة والقلنسوات الخيزرانية، ويشاركونهم في تصوفهم الشعبي وفي تصوفهم الدراويشي وفي طقوسه وشعائره؟
ففي مقدمة كتاب محمد فريد وجدي الذي نصح علماء الحجاز بدرسه من أول سطور مقدمته، تنديد بتلك البدع، وقد وجد العذر للأوروبيين بسببها في تصديق التهم ضد الإسلام والمسلمين وفي عدم فهمهم –كما عبر– حقيقة ديننا وأنه الملاك الوحيد للسعادات.
الفكرة في مقال محمد حسن عواد «مداعبة مع العلماء» وفي تحديدها وطريقة عرضها كانت مضطربة، واستناداً إلى هذه الملحوظة وإلى مسألة الزي الخاص برجال الطرق الصوفية، ربما أنه يدرج رجال الطرق الصوفية ضمن علماء الدين. أي أنه يقصد بمقالته علماء الدين الرسميين، ويقصد بها رجال الطرق الصوفية لكونهم ينتمون إلى السلك الديني.
هذا الاضطراب يشمل حديثه عن ردود الفعل التي واجهها كتابه بعد مضي ما ينوف على نصف قرن من تأليفه له.
ففي المقابلة التي أجراها محمد رضا نصر الله معه في التلفزيون السعودي عام 1979، عندما سأله عن شكل الموقف المضاد أو الموقف الرافض لكتابه، ذكر أن في طليعة الطبقات التي تألّبت عليه وأرادت أن توقع بينه وبين الحكومة وبينه وبين الناس، طبقة علماء الدين الذين يرون أنفسهم –كما قال– زعماء البلاد أو وجهاء البلاد الذين هاجمهم في كتابه.
وأضاف أن «في الكتاب مقالة عنوانها (مداعبة مع العلماء) كنت أقصد بها علماء الحجاز بالذات».
وفي الحوار الصحافي الذي أجراه معه خالد تاج سلامة في صحيفة المدينة، بتاريخ جمادي الآخرة 1400هـ، 16 - 4 - 1980م، قبيل وفاته بمدة وجيزة –وهو الحوار الذي كان من ضمن مصادر دراسة حسين بافقيه التي تصدّرت تحقيقه الطبعة الأولى من الكتاب– ذكر أنه في طليعة الغاضبين على كتابه طبقة المطوفين، ومن سمّاهم بمدّعي التفقه في الدين. وذكر أنه في طليعة الذين كتبوا عريضة مطوّلة رفعوها إلى الملك عبد العزيز يطالبون فيها بإعدامه أو سجنه أو نفيه من السعودية.
الإفادة هنا، وهي محرَّرة كتابياً، اختلفت عن الإفادة الأولى الشفاهية. ففي الإفادة الأولى ردة الفعل الغاضبة والمؤلِّبة كان في طليعتها علماء الدين. وفي الإفادة الثانية كان في طليعة ردة الفعل الغاضبة والمؤلّبة المطوفون ومن سمّاهم مدعي التفقه في الدين. وفي طليعة كتاب العريضة فيها كبار المطوفين ومشايخ الجاوا.
الإفادة الثانية أقرب إلى الدقة من الإفادة الأولى. لكن دعوني أسأل: من هم مدعو التفقه في الدين؟ ومن يعني بهم؟ هل هم علماء الحجاز أم هم رجال الطرق الصوفية الذي قال حسين بافقيه إنهم هم المقصودون بمقاله «مداعبة مع العلماء»؟
الزعامة والوجاهة في تاريخ الحجاز في عهده العثماني وفي عهده الشريفي وفي مطلع العهد السعودي لم تكن لعلمائه، وإنما هي لأعيانه. فعلماؤه منصرفون إلى التدريس والتأليف في الحرم المدني وفي الحرم المكي. فما غرضه من التضليل في هذه المعلومة التي عرفها وعاشها عن كثب؟!
وبودّي أن أستفسر من الأستاذ حسين عن مشايخ الجاوا هل هم من ضمن رجال الطرق الصوفية أم هم من ضمن علماء الحجاز أم لهم صلة بمهنة الطوافة؟ وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة